الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 22، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
اختلف الفقهاء في حكم الطلاق المبهم أو المنسي، حيث ذهب بعضهم إلى استخدام القرعة بينما رأى آخرون التوقف عن جميع الزوجات. كما اختلفت الآراء حول ميراث الزوجات إذا مات الزوج قبل التحديد.
إذا طلق الرجل امرأة مجهولة أو منسية، يقرع بين النساء، فمن وقعت عليها القرعة فهي المطلقة. واستدل الفقهاء بقول علي رضي الله عنه واستعمال القرعة في مثل هذه الحالات.
تعتبر القرعة أقرب الطرق لتحقيق مقاصد الشرع ومصلحة الزوج والزوجات في حل مشاكل الأسرة، وتستخدم في قضايا مشابهة مثل العتق والطلاق.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في كتابه «مكائد الشيطان»: فصل وأما من طلق واحدة من نسائه ثم أنسيها، أو طلق واحدة مبهمة ولم يعينها -يعني مثلا يكون عنده ثلاث نسوة أو أربع- فيقول: إحدى نسائي طالق، فقد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على أقوال. فقال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد: يختار أيتهن شاء فيوقع عليها الطلاق في المبهمة، يعني إذا قال: إحدى نسائي طالق، فيختار من منهن فيوقع عليها الطلاق، يقترع، ومن وقعت عليها القرعة وقع عليها الطلاق. قالوا: أما في المنسية فيمسك عنهن وينفق عليهن حتى ينكشف الأمر، يمسك عنهن يعني لا يقرب واحدة منهن، يمسك عن سائر نسائه مع الإنفاق عليهن. قال حتى ينكشف الأمر، فإن مات الزوج قبل أن يقرع، قال أبو حنيفة: يقسم كلهن ميراث امرأة، يقسم كلهن ميراث امرأة. وقال الشافعي: يوقف ميراث امرأة حتى يصطلحوا. وقالت المالكية: إذا طلق واحدة منهن غير معلومة عنده بأن قال: أنت طالق، ولا يدري من هن، ولا يدري من هي، ثم عنده هن الجميع، كأنه طلقهن الجميع أو فارقهن الجميع. قال: وإن طلق واحدة معلومة ثم أنسيها، وقف عنهن حتى يتذكر، فإن طال ذلك ضرب له مدة المولي، مدة المولي أربعة أشهر، الذي يحلف أنه لا يقرب امرأته أو نساءه، فيضرب له مدة أربعة أشهر، فبعد مضي الأربعة أشهر إما أن يفي ويرجع ويأتي أهله، وإما أن يطلق، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال: فإن طال ذلك ضرب له مدة المولي، يعني أربعة أشهر، فإن تذكر فيها -يعني خلال هذه المدة- وإلا طلق عليهن الجميع، يعني جميع نسائه يطلقهن. قال: ولو قال: إحداكن طالق، ولم يعينها بالنية، طلق الجميع أو طلق الجميع. وقال أحمد: يقرع بينهن في الصورتين، يعني في المنسية أو في المبهمة، نص على ذلك في رواية جماعة من أصحابه، وحكاه عن علي ومن عباس. وظاهر المذهب الذي عليه جل الأصحاب -يعني مذهب الحنابلة- أنه لا فرق بين المبهمة والمنسية. وقال صاحب «المغني» -أي ابن قدامة-: يخرج المبهمة بالقرعة، وأما المنسية فإنه يحرم عليه الجميع حتى تتبين المطلقة، ويأخذ بنفقة الجميع، فإن مات أقرع بينهن للميراث، لأن واحدة ليس لها ميراث. قال: وقد روى إسماعيل بن السعيد عن أحمد ما يدل على أن القرعة لا تستعمل في المنسية لمعرفة الحل، وإنما تستعمل لمعرفة الميراث، يعني من تستحق الميراث ومن لا تستحق، فإنه قال: سألت أحمد عن الرجل يطلق امرأة من نسائه ولا يعلم أيتهن طلق، قال: أكره أن أقول في الطلاق بالقرعة. قلت: أفرأيت إن مات هذا -يعني الذي طلق- قال: أقول بالقرعة، وذلك لأنه تصير القرعة على المال. قال: وجماعة من روى عنه القرعة في المطلقة المنسية إنما هو في التوريث، وأما في الحل فلا ينبغي أن تثبت القرعة. قال: وهذا قول أكثر أهل العلم. واحتج الشيخ لصحة قوله بأنه اشتبهت عليه زوجته بأجنبية، يريد بالشيخ أي ابن قدامة، بأنه اشتبهت عليه زوجته بأجنبية فلم تحله إحداهما بالقرعة، كما لو اشتبهت عليه بأجنبية لم يكن له عليها عقد. ولأن القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة، فلا ترفع الطلاق عن من وقع عليها، لأنه لو وقعت القرعة على غيرها فالتي وقع عليها الطلاق هي في الحقيقة طالق، والاحتمال كون المطلقة غير من خرجت عليها القرعة، ولهذا لو ذكر أن المطلقة غيرها حرمت عليه، يعني لو أنه أوقع القرعة ثم تذكر أن المطلقة غير التي وقعت عليها القرعة، كانت هذه التي تذكرها محرمة عليه. قال: ولو ارتفع التحريم أو زال بالطلاق لما عاد بالذكر، فيجب بقاء التحريم بعد القرعة كما كان قبلها. قال: وقد قال الخرقي: فيمن طلق امرأته فلم يدري واحدة أو اثنتان أو ثلاثا، ومن حلف بالطلاق لا يأكل تمرة، فوقعت في تمر فأكل منه واحدة، لا تحله امرأته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت اليمين عليها، فحرمها، مع أن الأصل بقاء النكاح، ولم يعارضه يقين التحريم، فهنا أولى. قال: وهذا الحكم في كل موضع أوقع الطلاق على امرأة بعينها ثم اشتبهت بغيرها، مثل أن يرى امرأة في روزنة أو مولية فيقول: أنت طالق، ولا يعلم عينها من نسائه. وكذلك إذا وقع الطلاق على واحدة من نسائه في مسلة الطائر وشبهها، فإنه يحرم عليه جميع نسائه حتى تتبين المطلقة، ويوقذ بنفقة الجميع، لأنهن محبوسات عليه. وإن أقرع بينهن لم تفد القرعة شيئا، ولا يحل من وقعت عليها القرعة التزويج، لأنها يجوز أن تكون غير المطلقة، ولا يحل للزوج غيرها لاحتمال أن تكون المطلقة. فقال أصحابنا: إذا أقرع بينهن فخرجت القرعة على إحداهن ثبت حكم الطلاق فيها، فحل لها النكاح بعد انقضاء عدتها -أي التي وقعت عليها القرعة- وحل للزوج من سواها، كما لو كان الطلاق في واحدة غير معينة. وقال شيخنا -أي شيخ الإسلام ابن تيمية-: الصحيح استعمال القرعة في الصورتين. قلت: وهو منصوص أحمد في رواية الجماعة. وأما رواية الجماعة، وأما رواية الخلال فإنه توقف وكره أن يقول في الطلاق بالقرعة، ولم يعين المنسية ولا المبهمة. وأكثر نصوصه على القرعة في الصورتين. قال في رواية الميموني: فيمن له أربع نسوة فطلق واحدة منهن ولم يدري، يقرع بينهن. وكذلك في الأعبد -يعني من عنده عدة عبيد- فإن أقرع بينهن فوقعت القرعة على واحدة ثم ذكر التي طلقت، رجعت هذه التي وقعت عليها القرعة، لأنه حينئذ يتبين أن هذه القرعة في حقها ليس بصحيح، ووقوع عليها الطلاق لم يقع في محله. وأن إذا تذكر المطلقة فهي التي وقع عليها الطلاق، فحينئذ تبطل القرعة. قال: ويقع الطلاق على التي ذكر، فإن تزوجت فذاك شيء قد مر. وكذلك نقل أبو الحارث عنه أن في رجل له أربع نسوة طلق إحداهن ولم يكن له نية في واحدة بعينها، يقرع بينهن، فأيتهن أصابتها القرعة فهي المطلقة. وكذلك إن قصد إلى واحدة بعينها ونسيها، فنص على القرعة في الصورتين، مسويا بينهما. والذي أفتى به علي رضي الله عنه هو في المنسية. ويحتج أحمد رحمه الله قال وكيع: سمعت عبد الله قال: سألت أبا جعفر عن رجل كان له أربع نسوة وطلق إحداهن لا يدري أيتهن طلق، قال: قال علي رضي الله عنه: يقرع بينهن. والأدلة الدالة على القرعة تتناول الصورتين، يعني في المنسية أو في المبهمة. والمنسية قد صارت كالمجهولة شرعا، فلا فرق بينها وبين المبهمة المجهولة، يعني أن المنسية التي طلق ثم نسيها، نسي التي طلق صارت الآن مجهولة، فهي في حكم المبهمة، في حكم المبهمة التي لا يدرى من وقع عليها الطلاق. قال: ولأن في الإيقاف والإمساك حتى يتذكر كما قال من قال: يبقى مدة المولي أربعة أشهر، وتحريم الجميع عليه، وإيجاب النفقة على الجميع، عدة مفاسد له وللزوجات مندفعة شرعا، يعني أربع نسوة عنده لا يقرب واحدة منهن وينفق عليهن، لا شك أن هذا فيه مفسدة على الزوج، وكذلك على الزوجات. قال: ولأن القرعة أقرب إلى مقاصد الشرع ومصلحة الزوج والزوجات من تركهن معلقات لا ذوات زوج ولا أزواج، يعني من غير أزواج، يعني لا هي مطلقة فتتزوج، بل ولا هي في حقيقة الأمر مزوجة، عندها زوجها، ويأتيها زوجها، فأصبحت كالمعلقة. والقرعة أمر مشروع، ذلة الأدلة في الكتاب والسنة على مشروعيتها، وهي تستعمل في مثل هذا الموضع عند حصول الأشياء المبهمة أو الأشياء كذلك التي جهلت، فإنها تميز وتعرف باستعمال القرعة. قال: لا ذوات زوج ولا أزواج، وتركه هو معلقا لا ذا زوج ولا عزبا، يعني له متزوج عنده من يأوي إليها، وله عزب من غير زوج. وليس في الشريعة نظير ذلك، يعني أن يكون الرجل عنده نسوة ولا يأتي أحد منهن. قال: بل ليس فيها وقف الأحكام، بل الفصل وقطع الخصوصيات بأقرب الطرق، فإذا ضاقت الطرق ولم يبق إلا القرعة تعينت طريقا. يعني الآن نسي هذه المطلقة كيف نفعل، ما هو الطريق إلى الخلاص من هذا الأمر، ما عندنا طريق إلا القرعة، ما عندنا الطريق إلا القرعة، فحينئذ تكون هي الطريق الشرعي للخلاص من هذا الأمر. قال: كما عينها الشارع في عدة قضايا، يعني عين القرعة حيث لم يكن هناك غيرها، ولم يوقف الأمر إلى وقت الانكشاف، فإنه إذا علم أنه لا سبيل له إلى انكشاف الحال، كان إيقاف الأمر إلى آخر العمر من أعظم المفاسد التي لا تأتي بها الشريعة. وغاية ما يقدر أن القرعة تصيب التي لم يقع عليها الطلاق وتخطئ المطلقة، يعني هذا قد يحصل أن تقع القرعة على غير المطلقة هذا واقع قد يقع. قال: وهذا لا يضر ها هنا، فإنها لما جهل كونها هي التي وقع عليها الطلاق، صار المجهول كالمعدوم، وكل ما يقدر من المفسدة في ذلك فمثلها في العتق سواء كذلك، يعني إذا أعتق ونسي الذي أعتقه كذلك. وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة على إخراج المعتق من غيره بالقرعة. ويشير بذلك إلى حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن رجلا أعتق ستة مماليك عند موته، لم يكن له مال غيرهم، لم يكن له مال غيرهم، ثم أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فدعا بهم وجزاهم فأثلاثا، جعل كل اثنين مع بعض، وجعلهم ثلاثة أقسام، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة، مع أنهم قد أعتقوا وأعتقهم، لكن لم يكن لهم مال غيرهم، لم يجز النبي عليه الصلاة والسلام منهم إلا قدر الثلث، فلهذا أعتق اثنين لأنهم اعتبروا من الثلث، ورق البقية. وقال قولا شديدا، والحديث بصيح الإمام مسلم وأبي داود. بيان هذا القول الشديد أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين». قال: وقد نص أحمد على حل البضع بالقرعة، فقال في رواية المنصور وحنبل: إذا زوجها الوليان من رجلين ولم يعلم السابق منهما، أقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حكم أنه الأول. فإذا قويت القرعة على تعيين الزوج في حل البضع له، فلأن تقوى على تعيين المطلقة في تحريم بضعها عنه أولى، فإن الطلاق مبني على التغليب والسراية، وهو أسرع نفوذا وثبوتا من النكاح من وجوه كثيرة. طيب، نتوقف الآن إن شاء الله بطول هذا الفصل، ونقبل ما تبقى إن شاء الله في مجلس آخر. إلى هنا صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.