الدرس في كتاب الصلاة 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
شرح حديث أنس بن مالك حول كيفية الأذان والإقامة وتثنية الأذان وإفراد الإقامة. يُبين الحكمة من وراء ذلك.
يشرح كيفية الالتفات في الأذان عند قول حي على الصلاة وحي على الفلاح، ويبين أنه سنة مستحبة لغرض التبليغ. يختلف حكم الالتفات بحسب وجود مكبرات الصوت.
يستحب للمؤذن وضع إصبعيه في أذنيه والالتفات برأسه، وأن يكون حسن الصوت مع تجنب الإفراط في المد والتطريب. كما يُحرم التلحين في الأذان لأنه بدعة مكروهة تحريما.
الحمد لله رب العالمين والصلوات والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ أحمد بن علي بن الحجر رحمه الله في كتاب بلوغ المرام، في كتاب الصلاة، في باب الأذان: وعن أنس رضي الله عنه قال: أمر بلال أن يشفع الأذان شفعا ويوتر الإقامة إلا الإقامة -يعني إلا قد قامت الصلاة- متفق عليه. ولم يذكر مسلم الاستثناء. الحديث الصحيح من طريق أيوب عن أبي قلابة عن أنس. وأخرجه مسلم من غير ذكر الاستثناء -يعني أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة فقط- إلا أن جاء ذكر الاستثناء في رواية أخرى وطريق أخرى غير هذه الطريق. وقوله: أمر بلال، قول أنس: أمر بلال، هذا عند أهل الحديث له حكم الرفع، إذا قال الصحابي: أمرنا أو نهينا، فيتوجه الأمر بأنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام -يعني أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم ونهانا النبي صلى الله عليه وسلم-. وقوله: أمر بلال -يعني أمره النبي عليه الصلاة والسلام-. ويُدل على ذلك رواية الإمام النسائي: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا، هذه الرواية موضحة أن الآمر هو النبي عليه الصلاة والسلام. قال: أمر بلال أن يشفع الأذان شفعا. يشفع الأذان يعني يأتي بألفاظ الأذان شفعا، بتثنية ألفاظ الأذان وتربيع التكبير، لكن ذكر يعني الشفع هنا، يراد به كل بحسبه، التكبير الشفع بأن يذكر مربعا، وبقية الألفاظ شفعا أن تذكر مرتين. فقوله: أن يشفع الأذان، أن يذكره بتثنية الألفاظ وتثنية جملة إلا التكبير فإنه يذكر أربعا. ويوتر الإقامة يعني يفرد ألفاظها. يفرد ألفاظها إلا الإقامة يعني إلا قوله قد قامت الصلاة، فإنه يكررها مرتين. وعلى هذا فيكون ألفاظ الأذان أو جمل الأذان خمسة عشر جملة، وجمل الإقامة أحد عشر جملة على ما في هذا الحديث، وهو أذان بلال الذي رآه سيد ابن عبد البر كما مر معنا. والحكمة كما قال أهل العلم في شفع الأذان وإفراد الإقامة أن الأذان الموصول منه الإعلان بدخول وقت الصلاة وتنبيه الناس على ذلك وندائهم إلى الصلاة، فاحتاج إلى التكرير، احتاج إلى أن يكرر. وأما الإقامة فإنه إعلان بإقامة الصلاة والناس بالغالب أنهم موجودون، فلا يحتاج إلى أن يكرر ألفاظ الإقامة. قال رحمه الله: وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: رأيت بلالا يؤذن أتتبع فاه هاهنا وهاهنا وإصبعاه في أذنيه. رواه أحمد والترمذي وصححه وابن ماجة. وجعل إصبعاه في أذنيه. ولأبي داود: لوى عنقه لما بلغ حي على الصلاة يمينا وشمالا. ولم يستدر. ورواه الصيحيحين: أبو جحيفة -وهو وهب بن عبد الله السوائي- وهو من هوازن، قدم على النبي عليه الصلاة والسلام في آخر حياته وسمع منه وحفظ عن النبي عليه الصلاة والسلام. وقيل: إن النبي عليه الصلاة والسلام توفي وأبو جحيفة لم يبلغ الحلم، ثم صحب عليا رضي الله عنه وشهد معه مشاهدة، وولاه علي على بيت المال في الكوفة حتى توفي بالكوفة سنة أربعين. فيقول أبو جحيفة رضي الله عنه: رأيت بلالا يؤذن أتتبع فاه هاهنا وهاهنا وإصبعاه في أذنيه. والحديث صحيح. وقد أخرجه أحمد والترمذي من طريق عبد الرزاق قال: أخبرنا سفيان الثوري عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه وذكر أنه رأى بلالا يؤذن ويدور ويطبع فاه هاهنا وهاهنا أصبعاه في أذنيه. قوله: وإصبعاه في أذنيه، المراد بإصبعاه طرف الأصبع، طرف السبابة، والمراد به على التفصيل أو التبيين والتوضيح الأنملة، أنملة الأصبع السبابة، فهي التي توضع داخل الأذن اليمنى في اليمنى واليسرى في اليسرى. فهذا الحديث فيه استحباب الالتفات في الأذان عند الحيعلتين، استحباب الالتفات في الأذان عند قول المؤذن: حي على الصلاة، وقوله: حي على الفلاح، فيلتفت يمينا وشمالا. طيب ما هي كيفية الالتفات؟ لم يأت في الأحاديث كيفية معينة، لكن قال أهل العلم: إن قوله: وهو يقول يمينا وشمالا حي على الصلاة حي على الفلاح، ظاهره أنه يكون حي على الصلاة مرتين في جهة اليمين وحي على الفلاح مرتين في جهة اليسار، هذا قول جمهور أهل العلم، كما قال الإمام النووي رحمه الله. طيب لو التفت بغير هذه الكيفية؟ الجواب: ليس عليه شيء، لو مثلا قال: حي على الصلاة في جهة اليمين ثم حي على الصلاة المرة الثانية في جهة اليسار، لا بأس، ليس عليه حرج. أو قال: حي على الصلاة والتفت من اليمين للشمال ثم الثانية مثل، وكذا حي على الفلاح التفت من اليمين إلى الشمال أو من الشمال إلى اليمين أيضا ليس في ذلك حرج، وهو يعني مخير بين هذه الكيفيات. طيب ما فائدة الالتفات؟ قال أهل العلم: الالتفات فائدتان: الفائدة الأولى أن يعلم أنه يؤذن، يعلم من يراه أنه يؤذن، وخاصة إذا كان الأذان يعني في مكان مرتفع وليس هناك مكبرات صوت، في مكان في الزمن الأول يصعد المؤذن لمكان مرتفع ويؤذن، من يراه وهو على هذه الصفة الكيفية يعلم أنه يؤذن. والفائدة الثانية هو التبليغ، تبليغ الأذان للمسلمين، لما يلتفت إلى اليمين يسمعه من هو في جهة اليمين، يلتفت إلى الشمال يسمعه من هو في جهة الشمال. طيب إذا كان يؤذن عند مكبرات الصوت كالحال اليوم، هل يلتفت أو لا يلتفت؟ هذه مسألة، كما قال: هل الالتفات سنة مطلقة أو أنها يعني سنة متعلقة بعلة؟ فإن قيل: أنها سنة مطلقة، فإنه يلتفت. وإن قيل: إنها متعلقة بعلة وهو مصلحة التبليغ في الأذان، فإنها تنتفي عند مكبرات الصوت، أنه إذا التفت سيضعف الصوت عند التفاته إلى اليمين والشمال في الحيعلتين، فحينئذ لا يلتفت. فعلى هذا إذا قلنا بأن العلة المقصودة للالتفات هو التبليغ للأذان، فإنها تذهب وتنتفي عند الالتفات عند مكبرات الصوت. ولهذا كما قال بعض أهل العلم: إنه يمكن أن يجعل للمؤذن يعني مكبر ثلاث مكبرات، واحد أمامه وواحد عن يمينه وواحد عن شماله، فيجمع بين المصلحتين: بين تبليغ الأذان وتطبيق السنة. فإذا التفت يحصل المقصود من الالتفات عن يمين وشماله، وهو في داخل مسجده. وفيه كذلك أيضا استحباب وضع الأصبعين في الأذنين، وضع السبابة اليمنى في الأذن اليمنى والسبابة اليسرى في الأذن اليسرى في الأذان، هذا مستحب. والحكمة من ذلك كما قال أهل العلم: هو أنه أبلغ في رفع الصوت، تبليغ الأذان أبلغ برفع الصوت. وقال بعضهم كذلك: أنه علامة على أنه يؤذن، علامة على أنه يؤذن. طيب بقي: هل يلتفت في الأذان كاملا أو يستدير في الأذان؟ أم أن الالتفات فقط يكون بالرأس؟ من أهل العلم من قال: بأنه يدور، على ما جاء في رواية لفظ الإمام أحمد: قال يؤذن ويدور. من قال: أنه يدور يعني يلتفت ببدنه كله. ومنهم من قال: بل لا يلتفت إلا برأسه فقط، الذي يلتفت هو الرأس مع استقامة البدن، وهذا هو الصحيح، أن الذي يلتفت منه في الأذان هو الرأس فقط. وأما بدنه فإنه يبقى تجاه القبلة ولا يستدير ببدنه. قال رحمه الله: وعن أبي محذورة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعجبه صوته فعلمه الأذان. رواه ابن خزيمة. وهذا الحديث كذلك حديث صحيح. رواه ابن خزيمة من طريق عامل الأحول عن مكحول عن ابن محيريس عن أبي محذورة أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر نحوًا من عشرين رجلا فأذنوا، فسمع أذان أبي محذورة فعجبه فعلمه الأذان. وعند أبي داود وأحمد: أنه أي أبو محذورة ومن معه لما سمعوا الأذان جعلوا يستهزئون ويؤذنون من باب الاستهزاء، لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم أذانه أمرهم أن يأتوا، فلما سمع أذان أبي محذورة وأعجبه صوته، وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على ناصيته ثم دعاه وأمره أن يؤذن عند البيت، فكان بعد ذلك من مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا الحديث استدل به أهل العلم على أنه يستحب للمؤذن أن يكون حسن الصوت، يستحب للمؤذن أن يكون حسن الصوت. وحسن الصوت هو في قوة الصوت وحسن الأداء، في قوة الصوت وحسن الأداء، أن يكون قويا في صوته جهوري الصوت حتى يحصل الإبلاغ للأذان، وكذلك يكون حسن الأداء في ذكر ألفاظ الأذان. وليس من ذلك الإفراط في المد، الإفراط في المد كما يفعل بعض المؤذنين الذي يطيل في المد ويمطط في المد حتى ربما يطيل أكثر من ست حركات وأقصى المد معلوم ست حركات، فربما يطيل أكثر من ذلك، وهذا مخالف للشعر وكذلك مخالف للغة. وهكذا أيضا ليس من حسن الصوت التلحين والتطريب في الأداء حتى يجعله يعني كالغناء، حتى يجعله كالغناء أو ربما يؤذن على إيقاعات الألحان، فهذا لا شك أنه محرم. قال الإمام مالك رحمه الله: كره مالك وغيره من أهل العلم التلحين في الأذان كراهية شديدة، لأنه يخرجه من موضع التعظيم إلى مشابهة الغناء. وهكذا أيضا عد الشيخ علي المحروف بالإبداع من البدع، قال: من البدع المكروهة تحريما التلحين في الأذان، وهو التطريب أي التغني به بحيث يؤدي إلى تغيير كلمات الأذان وكيفياتها بالحركات والسكنات ونقص بعض حروفها أو زيادة فيها محافظة على توضيع الألحان، فهذا لا يحل إجماعا في الأذان كما لا يحل في قراءة القرآن. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.