الدرس في كتاب البيوع 111، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُعرّف المؤلف الجعالة بأنها جعل شيء معلوم لمن يعمل عملاً في مدة معينة، مبيناً اشتراط المذهب الحنبلي المشهور علم العوض بينما يجيز ابن قدامة وابن القيم جهالته إذا أفضى إلى العلم عند التسليم. كما يوضح أن العمل لا يشترط فيه العلم عند هؤلاء الأئمة.
يبيّن المقطع صحة عقد الجعالة مع الجهالة في العمل أو المدة أو العوض للحاجة ولأنه عقد جائز غير لازم، مع ذكر أمثلة كرد العبد الآبق وحراسة الغنم. ويفرق بينه وبين الإجارة من حيث العلم بالعمل والمدة والعين المتعاقد عليها واللزوم، مشترطاً لاستحقاق الجعل علم العامل بقول الجاعل والعمل بناءً عليه.
يستعرض المقطع أحكام الجعالة في العثور على المفقود والعمل قبل العلم بها، فمن رد المفقود بغير علم لا يستحق شيئاً، ومن عمل قبل سماع الجعالة يستحق بقدر عمله. كما يفصل في أحكام الفسخ جوازاً لكل من العامل والجاعل ما لم يضر، فإذا فسخ العامل فلا شيء له، وإذا فسخ الجاعل بعد الشروع وجب أجر المثل أو بقدر ما تم.
يختتم الشيخ الدرس موضحاً أن الجاعل يعطى الثلث في سياق الوصية أو الجعالة، مكرراً كلمة ثلاثة للتأكيد على النسبة المحددة شرعاً. ثم يعلن الاكتفاء بهذا القدر من الشرح مع الشكر للحضور على الاستماع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال: "باب الجعالة". الجعالة: يقال بتثليث الجيم: جُعالة، وجِعالة، وجَعالة. ويقال بتثليثه، لكن المشهور بالضم: الجُعالة. قال هنا المؤلف: "هي أن يجعل شيئًا معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا أو مجهولًا، مدة معلومة أو مجهولة". هذا تعريف الجعالة: أن يجعل شيئًا معلومًا... ما المعلوم؟ لمن يعمل له عملًا معلومًا أو مجهولًا، مدة معلومة أو مجهولة. فهنا لما قال: "أن يجعل شيئًا معلومًا"، أولًا: يشترط العلم بالعوض. العلم بالإجارة: كم الإجارة؟ لا بد أن يعلمه. "سأعطيك كذا من رد بعيري"، "سأعطيه كذا من رد ضالتي"، "سأعطيه كذا". فمعنى ذلك: أنه شرط في صحة الجعالة أن يكون العوض معلومًا، وهذا المشهور في مذهب أحمد. وهناك قول آخر في مذهب أحمد، اختاره ابن قدامة وابن القيم، فقالوا: إن كان العوض مجهولًا، وكانت جهالته لا تمنع التسليم، وكانت هذه الجهالة لا تمنع التسليم، أي: عند تمام العمل يمكن أن يسلم إليه العوض، حينئذٍ يجوز ذلك. مثلًا: أهل الإسلام يكونون في حرب، فيدخل الجيش في مكان قد لا يعرفه القائد، فيقول مثلًا: "من يدلني على حصن كذا" وهو يعرف أن هذا الحصن فيه أموال، "فنعطيه مثلًا خمسة بالمئة منه". أو "من يدلني على مكان كذا فنعطيه من المال الذي فيه خمسة بالمئة". أو مثلًا يقول: "من رد بعيري فأعطيه ثلث ثمنه"، أو "من رد شياهي أعطيه رضعها". فأن هنا العوض يكون غير معلوم، لكن سيكون معلومًا متى؟ عند التسليم. سيكون معلومًا عند التسليم، عند تمام العمل. فهذا جائز. ابن القيم يقول بجوازه، وابن قدامة أيضًا يقولان به؛ لأنه لا غرض فيه، ليس فيه غرر حتى يقال إنه لا يجوز. بخلاف مثلًا من يقول: "من رد علي بعيري فأعطيه شيئًا"، أو "أعطيه مكافأة"، "سأعطيه مكافأة". هذا خطأ، مثل ما يقول الآن بعضهم: "من وجد مالي سأعطيه مكافأة"، أو "من رد إلي مالي فأعطيه مكافأة". ومثلًا يقول: "ضاع علي مال في مكان كذا، فالرد علي هذا المال سأعطيه مكافأة". فإذا كان فيه جهالة فهذا لا يجوز. فإذا، كما قلنا: قال: "من رد إلي بعيري أعطيته مكافأة"، فهذا يعتبر جهالة غرض، وهذا لا يجوز. لكن إذا كان يكون معلومًا وقت التسليم، أو كما يقولون: "مآله إلى العلم"، يكون معلومًا أو مآله إلى العلم، فهذا جائز، خاصة عند التسليم. فيقول: كما قلنا: "من رد بعيري أعطيته ربع قيمته"، أو "من رد شياهي أعطيته ربعها". وهنا أيضًا في التعريف: أن العمل لا يشترط فيه العلم. العمل لا يشترط فيه العلم؛ لأنه قال: "لمن يعمل له عملًا معلومًا أو مجهولًا". فكان العمل الذي وقع عليه عقد الجعالة سواء كان معلومًا أو مجهولًا فلا يؤثر هذا؛ لأن غالب الجعالة هي من العقود المجهولة. أنا: "من رد عبدي الآبق فله كذا درهم"، "من رد بعيري فله كذا وكذا". فهذا مجهول: قد يرده، وقد لا يرده، وقد يكون هذا البعير في مكان قريب، وقد يكون في مكان بعيد. فهذا فيه جهالة، لكنه جائز؛ لأن الحاجة داعية إليه، ولأن عقد الجعالة عقد جائز ليس بلازم، فيجوز له أن يفسخ إن رأى العمل فيه مشقة. وقوله هنا: "مدة معلومة أو مجهولة"، أيضًا المدة لا يشترط أن تكون معلومة. أنا على تعريف المؤلف: العوض يكون معلومًا، لكن العمل لا يشترط أن يكون معلومًا، والمدة لا يشترط أن تكون معلومة. لكن الصحيح كما قلنا أيضًا: حتى العوض قد يكون مآله إلى العلم، قد يكون معلومًا، قد يكون مجهولًا لكن يؤول عند التسليم. وهنا المدة أيضًا لا يشترط أن تكون معلومة، بل يجوز أن تكون مجهولة. أنه مثلًا يقول: "من رد علي بعيري فله كذا وكذا"، لم يحدد مدة، لم يحدد مدة، فهذا جائز. "من حرس أغنامي أعطيته كذا وكذا حتى آتي"، مثلًا: من يحرس أغنامي مثلًا حتى آتي أعطيه كذا وكذا. هذا أيضًا عقد صحيح، عقد جعالة، وهو مدة لم تعرف، مجهولة؛ لأن الأصل في العقود الجواز. قال رحمه الله: "كرد عبد، ولقطة، وخياطة، وذناء، وحائط". أنا هذه أمثلة للجعالة. والجعالة هي نوع من الإجارة، نوع من الإجارة. لهذا بعض الفقهاء يجعلونه بعد الإجارة، وإن كان بينهما فروق: من ناحيته أن الإجارة تكون معلومة، والعمل معلوم، وأيضًا الإجارة يكون المعقود معه معينًا، وأما الجعالة لا يشترط. والإجارة أيضًا عقد لازم، عقد لازم، وأما الجعالة فهي عقد جائز. لكنها تشبه الإجارة، حتى أحيانًا يخلط بينها وبين الإجارة. قال: "فمن فعله بعد علمه بقول يستحقه، والجماعة يقسمونه". معنى: من فعل هذا العمل الذي وقع عليه عقد الجعالة، فعله بعد علمه... معنى: بعد علمه بقوله، أي: قول الجاعل. فعله بعد علمه بقول الجاعل. مثلًا: قال: "من رد بعيري فله كذا وكذا"، ففعل، فرده، فقال: "استحقه"، أي: استحق ما جعله الجاعل على هذا الأمر؛ لأنه عمل في مال غيره معدونًا له. لكن لو مثلًا ما سمع الكلام، ما درى أن هذا البعير شار، لكن أخذه معه، وجده في مكان خطر فيه مثلًا سود، فيه نمور... لأن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "دعها، ما لك ولها". هذه إذا كان فيها مكان فيه السباع الصغار، هذه... أما السباع الكبار فهي خطر عليها، السباع الكبار كالأسود والنمور وكذا، فإنها تهاجمونها وتقتلون البعير. أنا ما يستطيع البعير غالبًا أن يدافع عن نفسه، خاصة إذا كان وحده. فلهذا مثلًا لو وجده في مثل ذلك المكان فأخرجه من ذلك المكان الخطر ورده إلى صاحبه، بدون ما يعلم، هل يحصل على مكافأة؟ يقول: لا. وإذا كان مثلًا جماعة وجدوا هذا البعير وساقوه، بعد أن علموا قول صاحبه أنه سيجعل لمن يأتي به كذا وكذا، فهل لكل أحدهم يعطيه هذا الجعل؟ لا، يعطيه إياهم كله، وهم يقتسمونه بعد ذلك. قالوا في أثناء يأخذوا قصة تمامه. لو قال مثلًا: "من جاء ببعيري فله مئة دينار"، أو "من بنى لي حائطًا فله مئة دينار"، وقد كان وكيله مثلًا قد وكل من يبني هذا الحائط، فوجد أن بعضهم قد اشتغل في هذا دون أن يسمع كلامه، يعني جاء من طريق وكيله مثلًا، فإذا بنى نصفه، فهنا لا يستحق الجعل تامًا، وإنما يستحق قصة تمامه. يعني: قصة تمامه، مثلًا إذا كان بنى نصفًا يأخذ خمسين دينارًا؛ لأنه قام بهذا العمل قبل أن يعلم هذه المقالة. وأما إذا علم بقول الجاعل بعد أن تم العمل، فلا شيء له. هذا إذا كان عمله من غير إذن. أما إذا عمله بإذن من الوكيل، فله هذه الجعالة، فله هذه الجعالة. قال: "ولكل فسخها". أنا لكل: الجاعل والمجعول معه، لهما أن يفسخا، ما لم يكن فيه ضرر على حدهم. قال: "فإن فسخ العامل لا يستحق شيئًا". أنا إذا كان الفسخ من العامل، يقول: لا يستحق شيئًا. فإذا قال الرجل: "إن رددت إلي بعيري فلك كذا وكذا"، وتعاقد على ذلك، ثم أنه ذهب فوجد في ذلك مشقة، فقال: "أنا ما سأستمر"، ففسخ العقد، فهل يستحق شيئًا؟ لا، ما يستحق شيئًا. كذلك إذا بنى حائطًا، قال له: "سأبني لك هذا الحائط"، أو قال: "من بنى لي حائطًا أعطيته كذا"، فجاء إنسان وأراد أن يفعل هذا العمل ويبني الحائط، لكنه عجز، عجز عن بنائه، بنى نصفه ثم تعب، ويوجد العمل شاقًا. فهل هنا يستحق؟ في الجعالة عند أكثر العلم أنه لا يستحق، حتى يتم العمل. معنى: لا يفسخ. إذا فسخ العامل فليس له شيء، حتى يتم العمل. وأما إذا الفسخ من الجاعل بعد الشروع: إذا كان قبل الشروع، قبل أن يشرع في العمل، فهذا لا شيء عليه، لا شيء له. وأما بعد الشروع: إذا شرع العامل بالعمل، فهنا له أجرة عمل. مثلًا: بنى نصف الجدار، قال: "خلاص، أنا ما أريده، أنت ما تعرف"، وكذا، ففسخ العقد، يعطيه نصف ما جعله له. وأيضًا بعض العلم قال: أيضًا ومن ناحية المدة: تقسط الأجرة. إذا مثلًا قال له: "أريدك في ثلاثة أيام تبني لي هذا الحائط، تحويقه في ثلاثة أيام، وأعطيك كذا وكذا"، فقام اشتغل في يوم واحد، فهنا يعطيه ثلث هذا المال؛ لأنه هو الذي فسخ. معنى: الجاعل يعطيه ثلث... ثلاثة، ثلاثة، ثلاثة، ثلاثة... إن شاء الله نكتفي. شكرًا.