كتاب الصلاة 3

الدرس في كتاب الصلاة 3، ألقاها

أحكام الأذان في الإسلام

يتناول هذا الفصل شروط وضوابط الأذان، حيث يشترط أن يكون بعد دخول وقت الصلاة، ويستثنى أذان الفجر الأول. كما يبين حكم ترداد الأذان والإقامة.

تفاصيل أذان الفجر

يشرح هذا الفصل تفاصيل أذان الفجر، حيث للصلاة أذانان، الأول قبل الفجر والثاني عند دخول وقت الصلاة. كما يتناول حكم قول المؤذن "الصلاة خير من النوم" في الأذان الأول أو الثاني.

ترديد الأذان والدعاء

يستحب لمن سمع المؤذن أن يردد ألفاظ الأذان، مع استثناء عند قول المؤذن 'حي على الصلاة' و'حي على الفلاح' فيقول 'لا حول ولا قوة إلا بالله'. كما يشير إلى أهمية التسبيح والاعتراف بوحدانية الله تعالى.

  • 10 جمادى الآخرة 1435هـ - 10/04/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موافق الدين ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الفقه"، ونحن ما زلنا في باب الأذان منه. قال: ويقول في أذان الصبح بعد الحي على الصلاة "خيرٌ من النوم" مرتين، ولا يؤذن قبل الأوقات إلا لها، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». ويقول في أذان الصبح بعد الحي على الفلاح "الصلاة خيرٌ من النوم"، وقد ثبت ذلك في أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أنه علَّم أبا محذورة مؤذنه في مكة بهذا الأذان، بأن يقول بعد "حي على الفلاح" أن يقول "الصلاة خيرٌ من النوم" مرتين إن كان في صلاة الصبح، والحديث ثابت وله طرق. وجاء كذلك عن ابن عمر رضي الله عنه، أنه قال: فإذا كان في الأذان الأول من الصبح، قال "الصلاة خيرٌ من النوم، الصلاة خيرٌ من النوم". وجاءت كذلك أحاديث بهذا المعنى. والعلماء رحمهم الله تعالى بعد اتفاقهم على مشروعية قول المؤذن "الصلاة خيرٌ من النوم" في أذان الصبح، اختلفوا متى يقال ذلك، هل يقال في الأذان الأول أو يقال في الأذان الثاني؟ منهم من قال: يقال في الأذان الأول، ومنهم من قال: يقال في الأذان الثاني. وكل واحد من العلماء استدل لقوله بما ظهر له بأنه دليل في تلك المسألة. والأظهر والله أعلم القول بأن يقول المؤذن "الصلاة خيرٌ من النوم" في الأذان الأول، لظاهر حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «فإذا كان في أذان الصبح الأول، ففيه دلالة على أنه يكون في أذان الصبح الأول». وكذلك جاء في بعض روايات حديث أبي محذورة هذا المعنى، أي أنه في الأذان الأول من الصبح. ويؤيده ما جاء في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أذان بلال، وقال: «إنما ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم»، أي من كان يصلي فيقعد ويتهيأ للصلاة، ومن كان نائمًا يستيقظ ليتهيأ لصلاة الفجر. وفي هذا دلالة على أن قول المؤذن "الصلاة خيرٌ من النوم" تكون في الأذان الأول، ليتهيأ المسلم لأداء صلاة الفجر. وذهب بعض العلماء رحمهم الله تعالى إلى القول بأن ذلك في الأذان الثاني، واستدلوا على ذلك بأدلة من حديث ابن مسعود المذكور. إذ قالوا: إن في قول النبي صلى الله عليه وسلم «الصلاة خيرٌ من النوم» تدل على أن الخيرية هنا في الصلاة، والمقصود بالصلاة صلاة الفجر، فدل هذا على أن قول المؤذن "الصلاة خيرٌ من النوم" أي صلاة الفجر خيرٌ من النوم، فيكون معناه أنه في الأذان الثاني. والقول الأول هو الأظهر لما تقدم من أدلة تدل على هذا المعنى. ومن قال بالقول الثاني، فالأمر في ذلك واسع، لأن هذا يكون من خلاف الأفهام. وعلى هذا، من رأى أن القول الصواب أن هذه الجملة تقال في الأذان الأول، فلا ينبغي له أن يقولها في الأذان الثاني، والعكس بالعكس. قال رحمه الله تعالى: ويقول في أذان الصبح بعد الحي على الصلاة "خير من النوم" مرتين، وليؤذن قبل الأوقات إلا لها. وقوله رحمه الله "ويقول في أذان الصبح" أي في الأذان الأول، مقصود الإمام ابن قدامة رحمه الله. ويقول في أذان الصبح الأول بعد الحي على الصلاة "خير من النوم"، بمعنى في أذان الفجر الأول. لأنه قال: "وليؤذن قبل الأوقات إلا لها"، والضمير عاد إلى قوله "ويقول في أذان الصبح بعد الحي على الصلاة". ثم قال: "وليؤذن قبل الأوقات إلا لها"، وهذا خاص بالأذان الأول. أما الأذان الثاني من الفجر، فإنه لا يكون إلا بعد دخول الفجر. يدل عليه ما ذكره الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى هنا، بقوله: لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». فدل على أن للفجر أذانين، الأول يكون بليل، وهو الذي عناه ابن قدامة رحمه الله تعالى بقوله: "ويقول في أذان الصبح بعد الحي على الصلاة خير من النوم مرتين". وللفجر أذانان: الأذان الأول وهو يكون في ليل، ويؤذن له، وكان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يؤذن له بلال. وفي الأذان الثاني الذي هو أذان صلاة الفجر، فإنه كان يؤذن له ابن أم مكتوم. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بلالًا يؤذن بليل»، أي الأذان الأول. والأذان الأول لا تترتب عليه شيء من أحكام الفجر، لا يمتنع الصائم من أكله وشربه، ولا يصلي فيه المصلي صلاة الفجر، ولا غير ذلك من الأحكام. بخلاف الأذان الثاني لصلاة الفجر، فإنه يكون في الوقت، وتترتب عليه أحكام صلاة الفجر ودخول وقت الفجر. قال رحمه الله تعالى: ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول». والأمر كما قال: إنه يستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول المؤذن، سواء بسواء، إلا "حي على الصلاة" و"حي على الفلاح"، فإنه لا يقول مثل ما يقول المؤذن، وإنما يقول عندها "لا حول ولا قوة إلا بالله". يدل على الأول ما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن». وجاء في الصحيحين أيضًا من حديث عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر، فقل الله أكبر الله أكبر». فإذا قال: «أشهد أن لا إله إلا الله»، فقل: «أشهد أن لا إله إلا الله». فإذا قال: «أشهد أن محمد رسول الله»، فقل: «أشهد أن محمد رسول الله». قال: فإذا قال: «حي على الصلاة»، فقل: «لا حول ولا قوة إلا بالله». قال: فإذا قال: «حي على الفلاح»، فقل: «لا حول ولا قوة إلا بالله». فإذا قال: «الله أكبر الله أكبر»، فقل: «الله أكبر الله أكبر». فإذا قال: «لا إله إلا الله»، فقل: «لا إله إلا الله». فدل حديث عمر على تخصيص وتقييد ما أطلقه في حديث أبي سعيد الخدري، في قوله: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول». ومعنى هذا أنه يقول مثل ما يقول المؤذن، سواء بسواء، إلا "حي على الصلاة" و"حي على الفلاح"، فإنه يقول "لا حول ولا قوة إلا بالله". ولو سمع المؤذن في الأذان الأول، فقال بعد "حي على الفلاح" "الصلاة خير من النوم"، فإن السامع يقول مثله، يقول "الصلاة خير من النوم". ولو أتى المؤذن أو زاد المؤذن ألفاظًا في الأذان ليست بمشروعة، مثل ما تفعل الشيعة في الأذان "حي على خير العمل"، فلا يقول مثل ما يقول مؤذن، لأن المقصود أن يقول مثل ما يقول مؤذن من ألفاظ الأذان الشرعية. وكذلك جاء في بعض طرق حديث أبي محذورة هذا المعنى. والأصل في ألفاظ الأذان أنها توقيفية، لا يتعد فيها الشرع، ولا يجتهد فيها. ومعنى هذا أنه إذا سمعنا مؤذنًا يقول ذلك، فلا نقول مثل ما يقول. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: ويستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول». أي في ألفاظ الأذان كلها، إلا في "حي على الصلاة" و"حي على الفلاح"، فإنه يقول "لا حول ولا قوة إلا بالله". لحديث عمر رضي الله عنه وأرضاه. وذكر العلماء رحمهم الله تعالى مسائل وفوائد تتعلق بالأذان، منها أنه يستحب أن يتخذ للمسجد الواحد أكثر من مؤذن، ولا سيما لأذاني الفجر. والعلماء رحمهم الله تعالى ذكروا في ذلك مناسبة، وهي أن الناس إذا سمعوا الأذان، وقد تميزت عندهم الأصوات، علموا من هو المؤذن الذي يؤذن للصلاة، ومن هو المؤذن الذي يؤذن بليل. فإذا ميزوا ذلك، من أراد الصوم استمر في أكله وشربه وتهيأ لصومه، ومن لم يكن كذلك أراد أن يؤخر من الليل صلى. وإذا كان الأذان الآخر تهيأوا لصلاة الفجر. وهذا معنى كما قال علماء: المعنى المناسب لجعل أذانين. ومن المسائل: ما هي المدة بين الأذان والأذان؟ هل معنى أنه يؤذن بليل أنه يؤذن مثلًا بعد العشاء أو في منتصف الليل أو في الثلث الآخر من الليل؟ قال العلماء رحمهم الله تعالى: تكون بينهما مدة يسيرة. استدلوا على ذلك بما جاء: أن بين أذان بلال وبين أذان ابن أم مكتوم إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا. وكان يتناوبان الأذان، فيصعدان في بيت امرأة من الأنصار، كان بيتها من أطول دور الأنصار. فكانوا يرتقون عليه فيؤذنون عليه. فاستدل به العلماء رحمهم الله تعالى على أن المدة بين الأذان والأذان تكون مدة يسيرة، لا تكون مدة طويلة. حددها أو قربها بعضهم، قالوا: بنحو الربع ساعة، نحو العشرين دقيقة ونحوها. ومن المسائل: استدل العلماء رحمهم الله تعالى على جواز أذان الأعمى، لأن ابن أم مكتوم رضي الله عنه وأرضاه كان رجلًا أعمى. واستدلوا كذلك بأن المؤذن ليس من شرطه أن يكون عالما بالأوقات، بل يكفي أن يكون عنده مخبر يخبره بالأوقات ممن كان موثوقًا به. واستدلوا على ذلك بحديثنا هذا، لأن ابن أم مكتوم كان أعمى، فلا يرى الأوقات، ولكن يعتمد على من يخبره من العدول. فاستدل به على هذا المعنى: أنه لا يشترط أن يكون عالما بالأوقات، ولا يشترط أن يكون كذلك بصيرًا. ولا يشرع التثوب إلا في أذان الفجر الأول، على ما تقدم ذكره. وفي قول إمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: "ولا يؤذن قبل الأوقات إلا لها"، هذا محل إجماع بين العلماء رحمهم الله تعالى، من أن الأذان لا يشرع إلا بعد دخول الوقت. أن الأذان لا يشرع إلا بعد دخول وقت الصلاة. فلو أن مؤذنًا أذن قبل وقت دخول الصلاة، فإن ذلك الأذان ليس بصحيح، ولا مشروع. فيأتي فعلى المؤذن أن يؤذن أذانًا مكان الأذان. وقد جاء في ذلك حديث: أن بلالًا أذن بليل، فلما ظهر له ذلك، قيل له: قم فقل "ألا إن العبد نام". ومعنى هذا أن بلال كان ينتظر الفجر، نام ثم استيقظ فجأة، قام مباشرة يؤذن. فلما انتبه وجد نفسه أنه قد أذن بليل، ماذا يصنع؟ قيل له: قل "ألا إن العبد نام"، أي أنه إنما أذن قبل الوقت سهوًا، لأنه كان نائمًا. وهذا الحديث حسنه بعض أهل العلم، والراجح ضعفه. فالحاصل من هذا أن المؤذن يحرص على أن لا يؤذن إلا بالوقت. فإن أذن قبل الوقت لغفلة أو لأمر أو لآخر، نام ثم استيقظ فأذن قبل الوقت، فماذا يصنع؟ عليه أن يؤذن أذانًا آخر إذا دخل الوقت. لأن الأذان الأول غير مشروع، ولا صحيح. لأن من شرط الأذان بإجماع: أن لا يؤذن للصلاة إلا بعد دخول وقتها. وهذا بإجماع نقله الإمام ابن المندر وابن عبدالبر وابن قدامة وغير واحد من أهل العلم رحمهم الله وغفر الله لهم. إلا أذان الفجر الأول، فإنه يؤذن له قبل وقت صلاة الفجر، لأنه ليوقظ النائم ويرجع القائم ليتهيأ لصلاة الفجر. كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وهو صحيح. وذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى مسائل تتعلق بترداد الأذان، منها: هل يشرع ترداد الأذان لأكثر من مسجد؟ يعني سمع مؤذنًا وسمع مؤذنًا آخر، فهل له أن يكرر بعد كل مؤذن؟ الجواب: ظاهر الأحاديث أن له أن يقول ذلك، لقول: «إذا سمعتم مؤذنًا فقولوا مثل ما يقول». أي إذا سمع فردد، ثم أذن مسجد آخر فردد. الظاهر أن الأحاديث تتناول هذا. والله أعلى وأعلم. وبقي: هل إذا سمع الأذان في الإذاعة، هل يردد أم لا يردد؟ إذا كان بثًا مباشرًا، فالأظهر والله أعلى وأعلم: يكون حكم المكبرات، ويشرع الإنسان أن يردد على أصوات المكبرات، ولو كانت عن بعد. والله أعلى وأعلم. وذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى مسألة أخرى، وهي: هل يشرع لمن سمع الإقامة أن يردد الإقامة؟ بناء على قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بين كل أذانين صلاة»، فسمى النبي صلى الله عليه وسلم الإقامة أذانًا. ذهب بعض أهل العلم إلى مشروعية ذلك، أخذًا بهذا الإطلاق. وذهب آخرون إلى أن الأذان الذي يردد إنما هو الأذان المعهود، الذي هو للإعلام. وهذا هو الأظهر والله أعلى وأعلم. ومن فعل بالثاني، أخذًا بمن قاله من أهل العلم، فالأمر في ذلك واسع. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على