الخطبة بعنوان الأسباب التي توصل إلى تقوى الله، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بمنطقة طيبة بتاريخ 14 شوال 1444هـ الموافق 5 مايو 2023م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد الخطيب على أهمية الاستمرار في طاعة الله بعد رمضان، ويوضح أن محبة الله وتقواه أساس الحياة الإيمانية. محبة الله تتحقق بتعظيمه ومعرفة أسمائه وصفاته والتقرب إليه بالفرائض والنوافل.
يشرح المقطع أسباب تقوى الله، منها محبة الله ورسوله ومراقبته، والاستحياء منه، واستشعار أضرار الذنوب. كما يشدد على مخالفة الهوى وطاعة الله ومعرفة مكائد الشيطان لتحقيق التقوى.
يتضمن المقطع دعاء لله بأن يجعل الداعي من عباده الصالحين والمتقين، ويعبر عن حمد الله وشكره على نعمه. يُظهر التضرع إلى الله والاعتراف بفضله.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، فنعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله بما تعملون خبير﴾. أما بعد، عباد الله، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إنما به تذكروا النفس وتتربى عليه وتثبت عليه لزوم طاعة الله جل وعلا، ولزوم مرضاته سبحانه وتعالى، ولزوم تقواه جل وعلا. فإننا عباد الله قد خرجنا من شهر عظيم، شهر فيه الخيرات العظيمة والاجتهاد الكبير، وفيه أيضًا وغايته تقوى الله جل وعلا ﴿لعلكم تتقون﴾. فلهذا، عباد الله، تتميمًا لهذه الفوائد العظيمة، وتتميمًا كذلك لهذا الأمر العظيم، ويعانة للمتكلم والسامع في هذا المجال، فإننا ينبغي علينا، أيها الإخوة، ألا نكون مثل ما قال الله عز وجل: ﴿كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا﴾. فلهذا فإن العبد ينبغي عليه أن يستمر في الخير، وكذلك يستمر على ما كان عليه وإن قل، لكنه مستمر في أصله، مستمر كذلك فيما يقربه إلى الله جل وعلا من تقوى الله جل وعلا. ويعانة كما قلنا في ذلك الأمر، نذكر بعض الأمور التي تعين العبد على تقوى الله جل وعلا، وعلى لزومها، وعلى أيضًا التحلي بها. فإن من أعظم الأسباب التي توصل إلى تقوى الله جل وعلا محبته سبحانه وتعالى، محبته جل وعلا، وتعظيمه في قلبك، أيها العبد. فإن لمحبة الله جل وعلا أثر عظيم، إذا أحببت الله سبحانه وتعالى، فبقدر هذه المحبة تتقيه سبحانه وتعالى، وتعظمه جل وعلا، وكذلك تطيعه. فإن الله عز وجل يقول: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾. ولهذا، عباد الله، فإن محبة الله في القلب إنما ترسخ بتعظيمه جل وعلا، ومعرفة أسماءه وصفاته، وما هو عليه جل وعلا من الأفعال العظيمة والسموات العظيمة. وكذلك، عباد الله، أن يتدبر آياته، ويتفكر في آياته الكونية والشرعية. وكذلك، عباد الله، أن يتقرب إليه بالفرائض ثم بالنوافل، فإن هذا كله يوصل إلى محبة الله جل وعلا. فإذا استقرت محبة العبد لله سبحانه وتعالى، فإن الله فإنه يتقي الله جل وعلا في كل مكان، وإنه كذلك يعرف حق الله جل وعلا، وتعظيمه في محارمه، فلا ينتهكها. بل يعرف أن ذلك يخل بمحبة الله جل وعلا، وأن من أحب شيئًا أطاعه. فكما قال الشاعر: «تعصي الإله وتزعم حبه هذا لفي القياس بديع أو محال». فإن هذا لا يكون، الإنسان يدعي محبة الله جل وعلا وهو يعصيه. وكما ذكرنا في الآية، قول الله جل وعلا: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾. كذلك، عباد الله، فإن محبة الله جل وعلا درجات، وكلما قويت المحبة لله جل وعلا، قويت تقواه لله سبحانه وتعالى. ولهذا، عباد الله، فإن من زادت محبته لله، وصارت محبته كلها، وتملكت قلبه، فإن الله عز وجل يقطع العلاقات، ويمتحنه، ويبتليه. فهذا نبي الله إبراهيم، فإن الله عز وجل لما كان أراد أن يتخذه خليلًا، والخلة، عباد الله، هي كامل المحبة، أن يكون القلب خالصًا لمحبوبه. فلهذا، لما كان أراد الله عز وجل أن يرى خلة إبراهيم، وعظيم محبته له، فابتلاه أن يذبح ابنه. فابتلاه أن يذبح ابنه، وكما قال الإمام ابن قيم، رحمه الله عليه: «الله عز وجل لم يرد قطع العنق، وإنما أراد قطع العلاقة من قلب إبراهيم لابنه». قطع العلاقة حتى يرى كيف علاقته بمن يحبه، بمن يحبه من أهل الدنيا، هل يقدمه على الله عز وجل ومحبة الله، أم أنه يقدم محبة الله عز وجل على كل شيء، فيهون عليه كل شيء. فلهذا، إبراهيم نفذ أمر الله جل وعلا: ﴿إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾. فلما أسلم وتله للجبين، وناديناه: ﴿أي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين﴾. هذا ابتلاء ابتل الله عز وجل نبيه إبراهيم حتى يقطع العلاقة التي كانت في قلبه للمحبوبين، فتكون محبته لله جل وعلا، ويهون كل محبوب عليه بعد الله سبحانه وتعالى. فلهذا، عباد الله، نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام، جاء عنه في الصحيحين، عن أنس، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار». فهذه المحبة التي لا تتقدمها محبة غيره جل وعلا، محبة غيره سبحانه وتعالى، فهذه المحبة هي التي تقود إلى تقوى الله جل وعلا. والأمر الآخر، والسبب الآخر الذي يوصل إلى تقوى الله جل وعلا، أن العبد يستشعر مراقبة الله عز وجل، وقربه، والاطلاع على قلبه، فيعظمه ويجله. وكذلك أيضًا يستحي من الله سبحانه وتعالى حق الاستحياء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «استحيوا من الله حق الحياء». فلهذا، عباد الله، فإن العبد المؤمن إذا استشعر هذه الأمور العظيمة من قرب الله عز وجل له، ومراقبته، والاطلاع على قلبه، فإنه يتقي الله عز وجل حيث ما كان. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ: «اتق الله حيث ما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن». فإن العبد، عباد الله، إذا راقب الله في أعماله وفي أقواله، فإن ذلك يوصله إلى تقوى الله جل وعلا، يكون متقيا لله سبحانه وتعالى، لأنه يعلم أن الله عز وجل مطلع على أعماله. وكما قال الله عز وجل: ﴿وإذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾. ﴿وإذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب﴾. وهذا البيت كان يتمثل به الإمام أحمد، رحمه الله، حتى يذكر نفسه ويذكر غيره أن الله عز وجل يراقبه ومطلع عليه. فإذا علم القلب أن الله عز وجل مطلع عليه، استحى أن يعصي الله جل وعلا، استحى أن يعصي الله سبحانه وتعالى وربه جل وعلا مطلع عليه. فإذا أيقن بهذا الأمر، كان ذلك حقيقًا لذلك القلب أن يتقي الله عز وجل، وتهون عليه المعصية، ولا يهون عليه ترك المعصية، ولا يهون على قلبه معصية الله جل وعلا. وكذلك، عباد الله، من الأسباب العظيمة التي ينبغي للمؤمن أن يستشعرها، أنه ينبغي أن يستشعر أن الذنوب والمعاصي لها آلام وشرور، لها آلام وشرور على نفسه، وعلى جسده، وعلى من كان معه من رعيته، أو من كان معه ممن هو متولٍ عليه، أو كذلك على المجتمع الذي هو يعيش فيه. فإن أضرار الذنوب والمعاصي على المجتمعات والأفراد أضرار عظيمة. وقد ذكر الإمام ابن القيم، رحمه الله، في كتابه القيم «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي»، فإنه ذكر أضرار هذه الذنوب والمعاصي على الأفراد وعلى المجتمعات، فذكر من ذلك أكثر من مئة ضرر، وكله جاء في الكتاب والسنة، إما بالنص، وإما كذلك بالنصوص العامة. عباد الله، فلهذا، فإن مثل هذه الأمور ينبغي أن يستشعرها العبد، ويعلم أن هذه الذنوب والمعاصي هي التي أذلت الشعوب، وهي التي أهانت هؤلاء الناس على الله عز وجل، هانوا على الله، فتركهم ربنا جل وعلا، ونسوه، فنساهم جل وعلا. فلهذا، عباد الله، فإن هذه المعاصي والذنوب لها آثار حتى على المرء، فإنها هي التي تمنعه من النعيم المقيم، وهي التي قد تجعله من أهل العذاب المقيم في الدار الآخرة، والعياذ بالله. فإنه إذا استشعر مثل هذا الأمر، فإنه وازع وسبب إلى أن يتقي الله عز وجل، إلى أن يتقي الله عز وجل، فيقول لنفسه: «اتقي الله»، ويلزمها كتاب الله، ويلزمها سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. يقول لنفسه إذا أرادت المعصية: «أتعصين الله جل وعلا؟ فإن خالفته، فإنه يلجأ إلى ما يكون من الأسباب التي يبتعد فيها عن معصية الله جل وعلا». ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿وإذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم﴾. فهذه القلوب الحية التي تتقي الله عز وجل، والتي تستشعر أن هذه الذنوب والمعاصي هي سبب كل شر، وهي سبب كل ضرر على الإنسان. كما قال ربنا جل وعلا: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور﴾. وكذلك، عباد الله، من الأسباب العظيمة التي توصلك إلى تقوى الله جل وعلا، أنك تخالف هواك، تدرب نفسك على أن تخالف هواك، وتطيع مولاك جل وعلا. فإن العبد إذا درب نفسه على مخالفة الهوى، فإنه لا شك أنه يكون ممن يتقي الله جل وعلا، ومن أهل تقوى الله جل وعلا. فإن ربنا جل وعلا ذكر سبيلين لا ثالث لهما: سبيل الهوى، وسبيل التقى. فلهذا، يقول الله عز وجل لداود، نبي الله: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾. وقال الله عز وجل: ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن يضلل الله فلا هادي له﴾. وقال ربنا جل وعلا: ﴿فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾. فمن نهى نفسه عن الهوى، كان من أهل تقوى الله جل وعلا. ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى. وأما، عباد الله، من أعطى نفسه هواها، فإنها ترديه إلى المحارق، والعياذ بالله. ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله﴾. فلهذا، عباد الله، فإن هذه بعض الأسباب التي توصل إلى تقوى الله جل وعلا، من عمل بهذه الأسباب، واستشعر هذه الأسباب، أوصلته إلى تقوى الله جل وعلا، ولا شك ولا ريب. فنسأل الله جل وعلا أن يغفر لنا، وأن يرحمنا. فاستغفروه، إنه هو الغفور. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، فأيضًا كذلك من الأسباب، وإن شاء الله تعالى نختم بهذا السبب هذه الخطبة، وهو كما قلنا من الأسباب المهمة التي توصل إلى تقوى الله جل وعلا. فإن من هذه الأسباب العظيمة التي توصلك إلى تقوى الله، أن تتعرف على مكائد الشيطان، ووسوسته لقلبك، وكذلك دسائسه. فإن الشيطان، كما قال الله عز وجل: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾. فهذا الشيطان عدو للإنسان، قعد في مدرجته، وقعد في صراطه، وقعد على طريقه. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. بل قال الله عز وجل على لسان هذا الشيطان الرجيم: ﴿فلا أقعدن لهم صراطك المستقيم﴾. سيقعد في هذا الطريق التي توصلك إلى الله جل وعلا، يمنعك من التقوى، يمنعك أن تتقي الله جل وعلا، فيوسوس لك، ويضع عليك دسائسه. ولهذا، ذكر الإمام ابن القيم، رحمه الله، ذلك الإمام الرباني، ذكر أن الشيطان يدخل على الإنسان من مداخل، أولًا، فإن الشيطان يأتي الإنسان من طريق الكفر، أو من عقبة الكفر، فإن سلم، جاءه من عقبة البدعة، فإن سلم، جاءه من عقبة الكبائر، فإن سلم، جاءه من عقبة الصغائر، فإن سلم، فإنه يجعله يستكثر ويتوسع في المباحات. فإن سلم من ذلك، يجعله يقدم المفضول على الفاضل. ثم إنه إذا كان لم يستطع على هذا الإنسان، وفاز عليه في هذه الستة الأشياء، فإنه بعد ذلك يسخر جنوده من الشياطين الإنس والجن، حتى يؤذوا ذلك الإنسان، أي أن الله عز وجل يبتليه بذلك. فما دام رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، الذي سلمه الله عز وجل من الشيطان، وسطه، ومن مكائده، فإنه لم يسلم من أذاه، هؤلاء الشياطين الذين سخرهم ذلك اللعين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن باب أولى غيره. فلهذا، فمن عرف مثل هذه الأشياء، قاده ذلك إلى طاعة الله، وإلى تقواه سبحانه وتعالى. فهذه بعض الأسباب التي ينبغي أن يعرفها العبد، فتقوده تلك الأسباب إلى محبة الله جل وعلا، وإلى تقواه. فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يجعلنا من عباده الصالحين، وأن يجعلنا من عباده المتقين. والحمد لله رب العالمين.