الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الآية الكريمة تنهى عن السخرية والاستهزاء بين المسلمين وتدعو إلى التخلق بأخلاق الإسلام. نهى الله عز وجل عن هذه الأفعال التي تؤثر على رابطة الأخوة بين المسلمين.
نهى الله عز وجل المؤمنين عن اللمز والتنابز بالألقاب وجعلهم كالنفس الواحدة. من عاب أخاه فقد عاب نفسه ومن لم يتب فهو ظالم لنفسه ولأخيه.
أمر الله عز وجل بالتوبة من هذه الأفعال التي تؤثر على رابطة الأخوة. التوبة تشمل الندم والإقلاع والعزم على عدم العودة والتحلل من الشخص المتضرر.
المقطع الأخير يشير إلى اكتفاء الكلام في موضوع معين مع التأكيد على أن العلم الكامل عند الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنأخذ هذا اليوم -إن شاء الله تعالى- قول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾. فهذه الآية العظيمة جمعت آدابًا كثيرة لأهل الإيمان، ينبغي أن يتأدبوا بها. فالله عز وجل خاطب أهل الإيمان بها؛ لأن هذه صفاتهم التي ينبغي أن يتأدبوا بها بينهم وبين أنفسهم. فلهذا قال: يا أيها الذين آمنوا لا يَسْخَرْ قَوْمَسْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ. فالله عز وجل نهانا عن بعض الأخلاق السيئة التي تكون بين أهل الإسلام، بينهم وبين أنفسهم. وأنه لا ينبغي للمسلم أن يفعل مثل هذه الأفعال المشينة. وفيه أيضًا أن العبد يتخلق بأخلاق الإسلام العظيمة. جاء عن السلف، عن الحسن البصري وعن ابن المبارك وغيرهما، أنهم فسروا الأخلاق الحسنة بأنها: كف الأذى، وبدل الندى، وطلاقة الوجه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فهذه الآداب التي نُهي عنها تعتبر من كف الأذى عن الآخرين؛ لا يؤذيهم بلسانه ولا بيده، ولا بشيء مما يؤذى به الآخرون من أهل الإسلام. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾. السخرية هي الاستهزاء؛ أي: لا يستهزئ قوم بقوم، عسى أن يكونوا خيرًا منهم. ولا يسخر الإنسان بغيره، سواء كان في أخلاقه أو في خلقه الذي جبله الله عليه. وهذا أعظم؛ لا ينبغي للمسلم أن يستهزئ بأخيه المسلم؛ لأنه قد يكون أفضل منه في هذا الذي استهزئ به، في علم أو في عمل أو في شيء من التعامل. لكن الإنسان ما يرى عيب نفسه، وإنما يرى عيب أخيه. كما يقال: جاء عن ابن عباس -وصححه بعض العلماء- عن النبي عليه الصلاة والسلام: «يرى القذاذة في عين أخيه، وينسى الجذع معترضًا بين عينيه». الإنسان إذا اشتغل بعيب نفسه فهي نعمة عظيمة؛ لأن غالبًا النفس لها عيوب، لا يسلم منها إلا من سلمه الله عز وجل. فإذا اشتغل بعيب نفسه كان خيرًا له من أن يشتغل بعيوب الناس. كما كان السلف -رحمهم الله- يبينون هذا الأمر؛ أن الإنسان لا ينبغي له أن ينظر إلى عيب غيره، وإنما ينظر إلى عيب نفسه أولًا؛ حتى لا يحتقر غيره ولا يستهزئ به. فقال الله عز وجل: ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾. معنى هذا أن النساء يدخلن في الخطاب الأول، إلا أن ربنا جل وعلا أفردهن؛ ربما لأجل أن السخرية عند النساء أكثر. لكن هذا ليس صحيحًا؛ وقد رد عليه جماعة من المفسرين. وإنما هناك صفات في النساء أو أشياء في النساء مما يجعلهن يسخرن بعضهن من بعض. فلهذا كان التنبيه أيضًا على النساء. وإلا فهن يدخلن في لفظ «القوم». لكن هنا الله عز وجل أراد بالقوم الرجال، ثم خص النساء بهذا النهي أيضًا: ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾. ثم قال جل وعلا: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. اللمز هنا المراد به العيب؛ أي: لا تعيبوا أنفسكم. ليس المراد أن الإنسان يلمز ويعيب نفسه، وإنما المراد أي: لا يلمز بعضكم بعضًا. وعبر الله عز وجل في هذه الآية عن أهل الإيمان بالنفس الواحدة. وهذا فيه تنبيه للمؤمن أنه إذا تكلم على أخيه فإنه يتكلم على نفسه أصلا؛ فالمؤمنون نفس واحدة. ولهذا تجد في خطابات الله عز وجل أنهم يجعلهم كالنفس الواحدة. فقال الله عز وجل في الاستئذان: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: يسلم بعضكم على بعض. وقال الله عز وجل: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾؛ فجعلها مالًا واحدًا، وهي أموال المسلمين جميعًا. فلهذا الذي يتكلم على أخيه إنما يتكلم على نفسه، والذي يعيب أخاه فإنما يعيب نفسه. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾. لا تنابزوا؛ أي: لا يلقب بعضكم بعضًا بلقب يكرهونه. والألقاب على قسمين: ألقاب محمودة، وألقاب مذمومة. وهنا المراد بها الألقاب المذمومة؛ لهذا قال الله عز وجل بعد ذلك: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾. فالمراد هنا أن الألقاب المذمومة، وأما الألقاب المحمودة فليس القصد بها؛ لأن الألقاب المحمودة طيبة. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: الذي لا يتوب من هذه الأفعال بعد أن فعلها فهو ظالم؛ ظالم لنفسه، وظالم لأخيه؛ لأنه تكلم فيه ولمز وعاب. فلهذا فهو ظالم في هذه الأشياء. وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم. فالإنسان يظلم نفسه بهذا؛ يعيب أخاه، ويسخر منه، ويلمزه بالألقاب السيئة التي لا يرضاها لنفسه. فهذا كله لا ينبغي للمسلم أن يفعله مع أخيه المسلم. والواجب هو الاحترام بين المسلمين، وكف الأذى عنهم، وبدل الندى. كما جاء في الصحيحين، في حديث عبد الله بن عمر: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أي الإسلام خير؟» قال: «أن يسلم المسلمون من لسانك ويَدِكَ». وجاء في حديث آخر: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». سلم المسلمون من لسانه ويده؛ هذا المسلم حقًا، الذي يسلم منه أهل الإسلام، ويسلم منه إخوانه؛ فلا يؤذيهم بلسانه ولا بيده. فلهذا فهذا حقيقة الإسلام، وهذه أخلاق الإسلام. وأما إذا ترك الناس هذه الأخلاق، فليس العيب في أخلاق الإسلام، وإنما العيب في المسلمين. وبحمد الله عز وجل تجد أن هذه الأخلاق لا تزال موجودة في مجتمعاتنا -بحمد الله- بين الإخوة، بين الأصدقاء. وهذا الذي ينبغي، وكذلك ينبغي أن ينشر، ويحرس أهل الإسلام توثيق هذه الأوصال، واستبرارها؛ فإن هذا فيه قوة أهل الإسلام، وفيه ثباتهم، وفيه أيضًا غلبتهم؛ أي: أنهم يغلبون عدوهم في مثل هذه الأخلاق العظيمة؛ لأنها تدل على التكاتف، وتدل أيضًا على القوة التي بينهم، والرابطة التي بينهم. فإذا تفككت هذه الرابطة، دخل الضعف. كما ذكرنا في درس الأمس، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾؛ فتذهب قوتكم بهذا التنازع. فلهذا هذه الألفاظ أو هذه الأشياء التي نهى الله عز وجل عنها ينبغي للمسلم أن يحذر منها ويجتنبها. أولًا: نهى الله عز وجل عن السخرية. والسخرية كما قلنا هو الاستهزاء؛ أن يستهزئ المرء بأخيه المسلم، يستهزئ به في دينه، أو في أخلاقه، أو في معاملاته، أو في خلقه؛ أي: في شيء خلقه الله عز وجل عليه. فلا يجوز للمسلم أن يستهزئ بخلق الله، ويعترض على خلق الله جل وعلا. وهذا أيضًا يكون أعظم. فلهذا المسلم يتخلق بهذه الأخلاق العظيمة بترك هذه الأفعال. ثم قال الله عز وجل بعد ما قال: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: الذي لا يتوب من هذه الأفعال بعد أن فعلها فهو ظالم. ثم إن اللمز والتنابز بالألقاب، فيه تفصيل. إن كان هذا اللقب مذمومًا فهو محرم. لكن إذا كان هذا اللقب قد عرف به واشتهر به، جوز بعض العلماء أن يلقب به. مثل: الأعمش، والأعرج، وغيرها من هذه الألفاظ؛ قد كان أهل الإسلام يستعملونها؛ لأن الإنسان عرف بهذا اللقب. فإلا إذا كان هذا اللقب فيه فحش، فلا ينبغي أن يكون. بعض الألقاب سيئة جدًا، خبيثة؛ فلا ينبغي للإنسان أن يقولها، ولو لم يعرف إلا بها. وكذلك أيضًا لا ينبغي أن يقال اللقب الذي يكرهه الإنسان إذا كان يكرهه. وأما إذا كان لا يكرهه، وقد عرف به وسكت عن ذلك، فهذا لا بأس به. وأما الألقاب المحمودة، فهذا لا شك أنها جائزة؛ بل هذا من الثناء على الشخص. والمهم أن هذه الأشياء الثلاثة التي ذكرها ربنا جل وعلا هي من الأشياء التي تؤثر على رابطة الأخوة. كما ذكرنا، فالواجب على المسلم أنه إذا حصل منه شيء من هذه الأمور أن يتوب إلى الله. وهذه التوبة لها أربعة شروط: الندم، والإقلاع، والعزم على عدم العودة؛ أنه يعزم أنه لا يقول لأخيه شيء من هذا الكلام، والرابع هو التحلل من هذا الأخ. إن كان تكلم عليه في غيبته ولم يبلغه هذا الكلام، ورأى أن هذا قد يزيد الأمر سوءًا؛ فيستغفر له ويدعو له. وأما إن كان هذا الكلام قد بلغه، أو قاله في حضرته؛ فيستسمح منه، لا بد أن يستسمح منه. وأيضًا يصلح بينه، أو يأتي من يصلح بينهما؛ حتى يحلل نفسه. والنبي عليه الصلاة والسلام -كما في البخاري- في حديث أبي هريرة: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان له من كان عليه مظلمة لأخيه؛ فليتحلل منه اليوم قبل الغد؛ فإن ثم ليس هناك دينار ولا درهم، وإنما هي الحسنات والسيئات». وأيضًا تعلمون حديث المفلس الذي يأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وأخذ مال هذا؛ فيؤخذ من حسناته، فترد إلى حسنات غيره؛ حتى إذا فنيت حسناته، أخذت من سيئات غيره، فطرحت في سيئاته، ثم أدخل النار -والعياذ بالله-. فلهذا ينبغي للمسلم أن يحرص على أن لا يقع في مثل هذه الأمور. فهذا شيء مما يذكر في هذه الآية العظيمة. وإن شاء الله تعالى الآيات الأخرى، لعل الله عز وجل ييسر مجالس أخرى -إن شاء الله- نكمل هذه السورة. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.