الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 27، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع الأول شروط شهادة أن محمدًا رسول الله وعلاقتها بشهادة أن لا إله إلا الله، موضحًا التلازم بين الشهادتين. يُبين أن شروط الشهادة الأولى هي نفسها شروط الثانية.
المقطع الثاني يشرح تشابه وترابط شروط الشهادتين، حيث تنسحب شروط لا إله إلا الله على محمد رسول الله، مستفادة من النصوص ولفظ الشهادة.
يتحدث المقطع الثالث عن شروط تحقيق الإيمان بمحمد رسول الله، مشيرًا إلى ضرورة التصديق والانقياد، ويحذر من النفاق والكفر لمن لا يلتزم بشريعة الرسول.
المقطع الأخير يبين تطبيق شروط لا إله إلا الله على كلمة محمد رسول الله، حيث يشترط الإخلاص والعلم واليقين والانقياد والقبول والصدق والمحبة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما شروط شهادة أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل تقبل الشهادة الأولى بدونها؟ هذا السؤال قائم عن سؤالين مزدوجين ذكرهما المؤلف رحمه الله تعالى بعد ما تباحثنا في مسألة: ما معنى شهادة أن محمدًا رسول الله؟ وعلمنا أن معناها طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن يعبد الله بما شرع. ثم ناسب أن يذكر هذا السؤال، وهو حتى يربط بين شهادة أن محمدًا رسول الله وبين شهادة أن لا إله إلا الله، فكان هذا السؤال وهو الرابط بينهما، قال: ما هي أو ما شروط شهادة أن محمدًا رسول الله؟ وهل تُقبل الشهادة الأولى بدونها؟ إذن هذا الطرح عبارة عن سؤالين، أولاهما: هل يمكن للإنسان أن يأتي بالشهادة الأولى، وهي قوله: لا إله إلا الله، يسكت، يكف، ولا يأتي بالشهادة الثانية؟ هل ينفع هذا؟ وهذا السؤال الثاني: وهي كلمة أو شهادة أن محمدًا رسول الله، هل لها شروط؟ وهل شروطها هي نفس شروط لا إله إلا الله التي مضت معنا، وهي السبعة: علم، وانقياد، وقبول، وإخلاص، ومحبة، وصدق؟ هي نفسها؟ قال رحمه الله تعالى: قد قدمنا لك أن العبد لا يدخل في الدين إلا بهاتين الشهادتين، وأنهما متلازمتان، فشروط الشهادة الأولى هي شروط في الثانية، كما أنها شرط في الأولى. إذن الإجابة الأولى عن الإشكال الأول أو الاستفسار الأول: هل يمكن لشخص أن يقول: لا إله إلا الله دون أن يذكر محمد رسول الله؟ يقول مؤلف رحمه الله تعالى: من قال هذا فإنها لا تنفعه هذه الكلمة، لا تنفعه، ولا تدخله أبدًا في دين الإسلام، ما يمكن؛ لأن الشهادة -شهادة التوحيد- قائمة على أمرين اثنين: على الإذعان لله بالألوهية، والإذعان لنبينا عليه الصلاة والسلام بالاتباع والرسالة، فلا تقوم الشهادة إلا بهما. قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ هؤلاء هم أهل الإيمان، أهل الإيمان هم الذين أتوا بأمرين اثنين: إيمان بالله -لا إله إلا الله- وإيمان برسوله -محمد رسول الله- ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ فإذا اختل أحد الأمرين فلا يعد المرء مسلمًا ولا مؤمنًا، فلا ينفعه أن يقول: لا إله إلا الله، وهو لا يلتزم بالشطر الآخر من الشهادة، وهذا بالإجماع. وقد مر معنا في حديث ابن عمر والذي ذكر فيه نبينا أركان الإسلام الخمس، تجد أنك عندما تعد كل واحد على حدة تجد أنك يكون الحصيلة ستة: شهادة أن لا إله إلا الله واحد، وأن محمد رسول الله الثاني، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، من أين جاءت الست؟ هي ليست ست، لماذا؟ لأن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله تحسب واحدة، لماذا تحسب واحدة؟ مع أنها جهات منفكة تحسب واحدة؛ لأن قوام الدين عليها، لا يمكن أن يقوم الدين إلا عليها مع بعض، فتحسب واحدة؛ لأن فيها تلازم، فلا إله إلا الله تستلزم محمد رسول الله، ومحمد رسول الله يتضمن لا إله إلا الله، فبينهم ارتباط وثيق لا ينفصلان، والأدلة كثيرة من القرآن والسنة. أما الأمر الثاني والذي أشار إليه المؤلف رحمه الله تعالى، قال: فشروط الشهادة الأولى -ما هي شروط الشهادة الأولى؟ أي شروط السبعة في الشهادة الأولى- أي شروط السبعة في لا إله إلا الله ماذا؟ قال: فشروط الشهادة الأولى هي شروط في الثانية، ما المقصود في الثانية؟ محمد رسول الله، ما الذي سيكون فيها؟ نفس الشروط، ما قيل في الشروط السبعة في لا إله إلا الله تنسحب معنا تنسحب معنا في هذه الشهادة، أي: كما أن شروط لا إله إلا الله سبعة، فإن شروط محمد رسول الله هي كذلك سبعة. وقد ينازع بعض الناس في هذا، لكن كما قلنا ودللنا في الدروس السابقة على أن الاستفادة من شروط لا إله إلا الله مستفادة من جهتين: من النصوص الخارجية، ومن لفظ الشهادة، وكذلك في معنى محمد رسول الله شروطها تستفاد من نصوص أخرى، قل: أطيعوا الله والرسول، فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين، حكم ربنا بالكفر على من أدبر عن طاعة الرسول، إذن هذا شرط، فشرط من شروط محمد رسول الله طاعته. إذن ستجد أن هناك أدلة تدل على أن محمد رسول الله تحتها شروط، هذه جهة أن نأخذ منها الأدلة المستفادة على توثيق الأدلة أو الشروط، وأيضًا مما يستفاد منه شروط محمد رسول الله نفس لفظ الشهادة، وقد أخبرناكم أن الشهادة لفظ شرعي جاء ذكره في الكتاب والسنة، وهذا المصطلح أو هذا اللفظ اختياره من بين سائر الألفاظ؛ لأن لها دلالة خاصة، وقد ذكرنا أن بعض العلماء قال: أن جل وأكثر ما تستفاد منه شروط لا إله إلا الله من لفظ الشهادة؛ إذ أن فيها اعتقاد، وفيها إخبار، وفيها إعلام، وفيها علم، وفيها انقياد. وهكذا قل في قولك: أشهد أن محمدًا رسول الله، لو لم تكن عندي أدلة خارجية، لفظ الشهادة بنفسه سيلزمك بالقيام بهذه الشروط من العلم والانقياد والاعتقاد والتصديق، هذا سيأتي من لفظ الشهادة، إذن كلمة محمد رسول الله تفتقر إلى الشروط، ولهذا قال علماء: شروطها نفس ما مضى من شروط لا إله إلا الله، من ذلكم العلم أن تعلم بنبيك عليه الصلاة والسلام، تعلم منه، وإلا يكون حال الجاهل كحال المنافق المرتاب. كما جاء في حديث البراء بن عازب أن المنافق والمرتاب يسأل في قبره: من نبيك؟ فيقول: ها ها، لا أدري، ما أعرف، ما عنده علم، لا أدري، سمعت الناس يقول قولًا فقلته، فيقال: لا دريت ولا تليت، فيضرب في قبره، فهذا حال منافق، ما عنده علم، إنما يدندن بكلمات لا يدري ما فقهها وما معناها. فالعلم: العلم بمعنى محمد رسول الله بأنه مبعوث من قبل ربه، أوحى إليه ربنا عز وجل بهذا الشرع، أرسله الله للناس كافة من إنس وجان، كذلك الإخلاص: أنك تأتي بهذه الكلمة وأنت مخلص، لا تأتيها وأنت تريد من ورائها مكسبًا من مكاسب الدنيا أو حرز لمال أو حفظ دم، لا تفعل هذا، فمن قالها وهو في قلبه ما أراد بذلك وجه الله، إنما أراد شيء من حفظ الدنيا، قالها رياء، قالها سمعة، قالها تعوّثًا بهذه النوايا، فإن لا تنفع هذه الكلمة. قال عليه الصلاة والسلام: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». أنت وما نويت، أنت وما نويت، فإن كان أمرك وقلبك معظما لرسول الله عليه الصلاة والسلام فهذا هو الإيمان، أما إنما تأتي بهذا الألفاظ وليس في قلبك إخلاص لها، وإنما أتيت بها تزلفًا ورياء وسمعة، فهذه لا تنفعك. وهكذا قل يا عبد الله ما يتعلق بالانقياد، ما يتعلق بالقبول، ما يتعلق باليقين، هذه مسألة واجبة، التصديق بهذه الكلمة، مرة معنا في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ قالوها بألسنتهم: نشهد أنك رسول الله، لكن ما نفعتهم، لماذا؟ لأنهم قالوها كذبًا، ما كانوا صادقين فيها. فإذا دل على الشرط التصديق، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فمن لم يحصل في قلبه التصديق والانقياد فهو كافر، التصديق والانقياد مروا معنا في لا إله إلا الله، وشيخ الإسلام رحمه الله ذكر التصديق والانقياد في معنى محمد رسول الله، فذكر أن من شروط الذي يصح به إيمان العبد التصديق، وهكذا الانقياد لرسوله عليه الصلاة والسلام. وقال أيضًا رحمه الله تعالى: فأما النفاق المحض -النفاق المحض- الذي لا ريب في كفر صاحبه، فإنه لا يرى وجوب تصديق الرسول فيما أخبر به، ولا وجوب طاعته فيما أمر به، هذا من النفاق الكفري، النفاق الاعتقادي الذي قال عنه شيخ الإسلام: لا ريب في كفر صاحبه، من هو هذا الذي لا يرى التصديق ولا يرى الإذعان لشريعة رسول الله؟ وهذا يوجد للأسف في بعض الناس، وهم طرائق شتى، بفلسفات خرجت علينا في هذا الأزمان، فيهم أنهم ينأون بأنفسهم عن الإذعان لرسول الله، فتجد طائفة مثلًا تقول: بأن شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام إنما تنفع فيما قد مضى في القرون القديمة، تلك القرون عندما كان العرب على حاله الله أعلم بها، كانت تلك الشريعة بها يمشون أمورهم وأحوالهم ونظامهم، أما نحن الآن في هذا القرن، في القرن العشرين، نحن في غناء، نحن في غناء عن هذه الشريعة، أصبحت العقول حرة، وأصبحت النفوس متطلعة إلى ما فيها منفعة للمجتمعات ولأفرادها، عندنا أنظمة، عندنا دساتير، عندنا البروتوكولات، عندنا مناهج تربوية، هل تغنينا عن شريعة الرسول؟ هذا كفر، الذي يرى من نفسه أنه لا يلتزم، وغير ملزم بالانقياد لشريعة رسول الله، فهذا يكفر بالإجماع. فلا وهذا مقامه أوسع، لكن هذا دلالة لما أراده المؤلف رحمه الله تعالى من أن ما يقال في شروط لا إله إلا الله -ما العلم والإخلاص والانقياد والقبول واليقين والمحبة والصدق- هي نفسها هي نفسها تستنسحب معنا إلى معنى محمد رسول الله، فهذه الكلمة تحتاج إلى إخلاص وإلى علم وإلى يقين وانقياد وقبول وإلى صدق وإلى محبة. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.