شرح أعلام السنة المنشورة  59

شرح أعلام السنة المنشورة 59

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 59، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

علو الشأن ومفهومه

يشرح المقطع الأول مفهوم علو الشأن لله عز وجل، وهو اعتقاد أن الله يتصف بصفات الكمال وهو الأعلى مكانة وقدرًا. يُفصّل هذا المفهوم ويبين أنه مغروس في الفطر.

صفات الله الكمالية وعلو الشأن

يتطرق المقطع الثاني إلى معنى علو الشأن لله تعالى، ويعني اعتقاد أن لله صفات الكمال وأنه منزه عن كل نقص وعيب. كما يذكر بعض صفات الله الكمالية مثل الأحدية والصمدية والعزة.

كمال عدل الله وغناه وعلوه

المقطع الثالث يتحدث عن كمال عدل الله تعالى وغناه، مشيرًا إلى أنه لا يظلم أحدًا ولا يهضم شيئًا من حسناته. كما يؤكد على غنى الله تعالى عن كل شيء وعلوه فوق خلقه.

ختام المبحث الثالث وتأكيد علو الصفات

المقطع الأخير يختم المبحث الثالث من مباحث العلو، ويؤكد على علو صفات الله تعالى وضرورة الإيمان بها. يُطلب من الله أن ينفع بما قيل ويُصلى على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف كتاب العلو للعلي الغفار رحمه الله تعالى: ما دليل علو الشأن؟ وما الذي يجب نفيه عن الله عز وجل؟ قوله رحمه الله تعالى: ما دليل علو الشأن؟ هذا النوع من أنواع العلو، وهو القسم الثالث والأخير، والذي جرنا إلى هذا المبحث، إخواني في الله، عندما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى: أن من أسماء الله جل وعلا أنه العلي الأعلى. فإن من اسم العلو نتعرف إلى صفة العلو، فهي من صفات الله جل وعلا، وأن صفات الله سبحانه وتعالى صفات كاملة مطلقة. وأدخل العلماء من علو الله سبحانه وتعالى الأقسام الثلاثة: علو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر. أما علو الذات، فقد مر معنا بأن تعتقد بأن الله سبحانه وتعالى فوق مخلوقاته. وأما علو القهر، بأن تعتقد بأن الله عز وجل هو المتصرف في الكائنات، فحكمه فيهم نافذ، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، فالأمر أمره، والكون كونه، والخلق عبيده، يفعل ما يشاء، فهذا علو القهر، قهر ربنا العباد والخلق بحكمه وسلطانه. أما هذا الذي بين أيدينا، وهو علو الشأن، ويعرف به بعض العلماء بما يسمى بعلو القدر، يقال: علو الشأن، علو القدر، علو الشرف، علو المكانة، وكلها تنصب في معنى واحد. ومفاد هذا العلو، يا عبد الله، ما يسمى بعلو الشأن أو بعلو القدر، بأن تعتقد بأن الله عز وجل يتصف بصفات الكمال سبحانه وتعالى، فهو الأعلى مكانة والأعلى قدرًا، فما هناك نقص في حقه سبحانه وتعالى. كما قال ربنا جل في علاه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، المثل بمعنى الوصف، بمعنى الصفة، الوصف الأعلى، الصفات العليا لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى، قد بلغ في السؤدد جل في علاه. وهذا الأمر، إخواني في الله، مغروس في الأذهان، مغروس في الفطر، إن ما من أحد يعبد شيئًا ويعتقد فيه الألوهية والربوبية إلا ويعتقد فيه الكمال. ما يمكن لأحد أبدًا أن يعتقد في شيء من الأشياء أنه رب، ويرى أن منزلة الرب كمنزلته، ما أحد يعتقد هذا أبدًا. وإن من الذي يكون في أذهان وقلوب الخلق: أن الذي يتوجهون إليه بالعبودية، والذي يعتقدون فيه الربوبية، يرون فيه الكمال والرفعة، في كل أحد. ومن هنا كان العيب على الكفار وعلى المشركين من كافة الأصناف، العيب فيهم أن تخبرهم أن الذي يعبدونه أقل قدرًا وأقل منزلة وأقل شرفًا. فمن ذلك عندما عاب إبراهيم عليه السلام على أبيه وعلى قومه عندما عبدوا الأصنام، قائلًا: ﴿لِمَ تَعْبُدُونَ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا﴾، أهذا رب عنده قصور نقص؟ لا يسمع، لا يبصر، لا ينفع، إذن أين علوه؟ هذا ما يمكن أن يكون آلهة، أنت يا عابد أفضل منه، يا من يعبد الأصنام، أنتم أفضل من الأصنام، ولا يتأتى هذا؛ لأن الذي يعبد شيئًا لا بد أن يعتقد فيه الكمال والرفعة، لا يكون مثلك، فضلًا أن يكون أدنى منك. وهكذا في فعل النصارى عندما اعتقدوا في عيسى عليه السلام بأنه إله، ومن وجه الانتقاد عليهم: كيف تزعمون أن عيسى إله، ويكون بهذه المنزلة أن يقتل إله؟ يقتل؟ عباد الصليب، لنا سؤال نروم جوابه ممن وعاه: إذا مات الإله بصنع قوم أماتوه، فما هذا الإله؟ ليش من إله هذا؟ إذا أنتم يا نصارى تعتقدون أن عيسى ربكم، وفي نفس الوقت تعتقدون أن عيسى قد قتل، رب يقتل؟ هذا سداجة، أين علو قدره وعلو شرفه وعلو مكانته؟ فعلو الشأن، إخواني في الله، معناه أن تعتقد في الله عز وجل بأن له صفات الكمال، فما هناك نقص ولا عيب، بل ربنا سبحانه وتعالى قد على الخلق، فتنزه عن المعايب. ولهذا يقول المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل علو الشأن؟ وما الذي يجب نفيه عن الله عز وجل؟ قال رحمه الله تعالى: اعلم أن علو الشأن هو ما تضمنه اسمه القدوس، السلام الكبير المتعال، وما في معناها، واستلزمته جميع صفات كماله ونعوت جلاله. هذا مؤدى علو الشأن وعلو القدر، بأن تعتقد بأن لله عز وجل من الصفات أحسنها وأعلاها، ولله المثل الأعلى، الوصف الأكمل، فما هناك نقص ولا عيب في حق الله سبحانه وتعالى. وهذا كما قلنا قد غرس في الفطر إلا من طمس الله على بصيرته. قال تعالى في أحديته: أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونًا له أو ظهيرًا، أو شفيعًا عنده بدون إذنه، أو عليه يجير، هذا من صفات كماله سبحانه وتعالى: أنه واحد أحد، فما احتاج إلى أحد يشاطره الملك، وما هنالك أحد له جزء مشاع من ملكوت السماوات والأرض، فضلًا أن يكون لله مظير أو يكون لله ظهير أو يكون لله معين، ما هنالك معين، ولهناك ظهير، ولهناك أحد يشارك الله سبحانه وتعالى في شيء، فربنا واحد أحد بكل ما تحمله هذه الكلمة من أحدية. قال تعالى في عظمته وكبريائه وملكوته وجبروته: عن أن يكون له منازع أو مغالب أو ولي من الذل أو نصير، هذا لا يكون لله عز وجل، فربنا من صفاته العظمة، فهو العظيم، ومن صفاته العزة، فهو العزيز، فلا مغالب له، ولا هناك أحد ينازع الله في ملكه وفي حكمه سبحانه وتعالى. قال تعالى في صمديته: عن الصاحبة والولد والوالد والكفئ والنظير، وهذا من معاني الصمدية: بأن الناس والخلق يحتاجون إليه، وهو لا يحتاج إلى أحد سبحانه وتعالى، المستغني عما سواه، والمفتقر إليه كل من عداه، فربنا لا يفتقر إلى صاحبة، إلى ولد، أو إلى ولي يتخذه من الذل أراد أن يعتز به، حاشا يا أيها الناس، أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد. قال تعالى في كمال حياته وقيموميته وقدرته: عن الموت والسنة والنوم والتعب والإعياء، كذلك من صفات الكمال صفات الحياة والقيمومية لله سبحانه وتعالى، ولهذا لا يعتريه سبحانه وتعالى موت ولا نوم، ولا يغشاه تعب ولا إعياء، ﴿وَمَا مَسَنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، لماذا؟ لكمال حياته، لكمال حياته سبحانه وتعالى. قال تعالى في كمال علمه: عن الغفلة والنسيان، وعن عزوب مثقال ذرة عن علمه في الأرض أو في السماء، فهذا علمه الكامل، ولا يكون إلا لله سبحانه وتعالى، فما هناك شيء يعزب يختفي عن علم الله سبحانه وتعالى، قد علم الله ما كان وما يكون، كله في كتاب مبين. قال تعالى في كمال حكمته وحمده: عن خلقه شيئًا عبثًا، وعن ترك الخلق سدى بلا أمر ولا نهي ولا بعث ولا جزاء، وهذا من كمال حكمته سبحانه، ربنا تعالى أنه الحكيم، وحكمته بالغة لها المنتهى والكمال في الحكمة، فمن حكمته سبحانه وتعالى: أنه ما خلق العباد عبثًا، إنما خلقهم لغاية، لغايات حميدة، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وعن ترك الخلق سدى بلا أمر ولا نهي، ما جعل الخلائق من الإنس والجان تعيش كالدواب تأكل أو تشرب بلا أمر ولا نهي، وإنما خلقهم الله عز وجل على هذه الشريعة، وهو اتباع الرسل وما أنزل الله من الكتب، وهذا من كمال حكمته سبحانه وتعالى: أن رفع البشرية أن تكون كسائر الدواب والحيوانات. قال تعالى في كمال عدله: عن أن يظلم أحدًا مثقال ذرة، أو أن يهضمه شيئًا من حسناته، وهذا من كمال عدل الله، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ ظَلَّامًا لِلْعَبِيدِ﴾، فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا، لا أحد يخاف من الله عز وجل، فإنك يا عبد الله أمام ملك عدل جل في علاه، وهو أعدل العادلين، ما تعمله من خير ولو كان مثقال ذرة من خير ستره، ومن شر ستره، كل ذلك مصطر في كتاب الله، فضلًا عما يعفو عنه الرب سبحانه وتعالى، ويعفو عن كثير، وما ذاك إلا كمال كمال عدله سبحانه وتعالى. لربما حديث البطاقة مما يدل على ذلك، يأتي العبد بفجور ومجون، بسجلات تملأ الآفاق، سجل بعد سجل حتى تبلغ تسعة وتسعين سجلًا، ثم تأتي هذه البطاقة التي ما ضاعت عند الله عز وجل، وهي لفظك بالتوحيد، فإذا بها توضع في الكفة الميزان، فإذا بباقي السجلات تطيش، لماذا؟ لقوة كلمة التوحيد، الشاهد أن الله عز وجل ما يضيع شيئًا من أعمال العباد، وذلك لكمال عدله سبحانه وتعالى، ولا يظلم الناس شيئًا أبدًا، ما يظلم الناس شيئًا. لا كما يقول نفات الحكمة: بأن الله بإمكانه أن يأتي إلى عبد ولي تقي نقي، ثم به سبحانه وتعالى يدخله في النار، يمكن؟ قالوا: نعم يمكن، هذا لا يمكن، هذا لا يمكن أن يفعل الله عز وجل هذا مع خلقه، أن يأتي إلى عبد مصلي مزكي قائم بشرعه، ولياً تقيًا نقيًا لله، ما فعل سوءًا، ثم يدخله الله في نار جهنم هكذا؟ يقول: نعم الأشاعرة، هذا يمكن؛ لأن الله يفعل ما يشاء، نعم الله يفعل ما يشاء، لكن ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ ظَلَّامًا لِلْعَبِيدِ﴾، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، فإن الله عز وجل يجازي كلٌّ بعمله، كلٌّ بعمله، وهذا من كمال حكمته. قال تعالى في كمال غناه: عن أن يطعم أو يرزق أو يفتقر إلى غيره في شيء، وتعالى في جميع ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، عن التعطيل والتمثيل، وسبحانه وبحمده، وعز وجل وتبارك، وتعالى وتنزه وتقدس عن كل ما ينافي إلهيته وربوبيته وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وله المثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم. ونصوص الوحي من الكتاب والسنة في هذا الباب معلومة مفهومة مع كثرتها وشهرتها، الآيات في هذا الباب كثيرة وكثيرة جدًا، تدل على أن الله عز وجل له المثل الأعلى، له الوصف الأحسن والوصف الأكمل، فكل صفات الكمال لله عز وجل. وبالمقابل، يا عبد الله، تنزه الله عن النقائص، نعم، العلماء يذكرون في هذا الباب: أن هذا النوع من أنواع العلو، أن هذا النوع من أنواع العلو قد أقر به جميع الطوائف والملل، كلهم أقروا بأن لله سبحانه وتعالى صفات الكمال، وله السؤدد والسيادة والشرف والمكانة، وما هناك أحد يداني ولا يوازي الله جل في علاه؛ لأنه العالي في كماله، العالي في صفاته. نعم، المبتدعة يقرون هذا، لكن أين؟ بألفاظهم يقرون بهذا، يثبتونه بألفاظهم، نعم، لو ربما يسهب لك مثل هذا الكلام الرنان: بأن الله له الشرف، بأن له السؤدد، له المنتهى، لكنه إذا ناقشته في المسائل التفصيلية لرأيته مشبهًا، وهل مشبه معظم لله؟ لا والله، وهل المكيف معظم لله؟ حاشا، وهل المعطل وصف الله بأصفات الحسنى؟ لا، إذن لو تلاحظ يا عبد الله: أن المبتدع ولو كانوا بألسنتهم يقرون بعلو القدر، بأن الله له المكان العليا، لكنهم في الواقع في الحقيقة على خلاف ذلك، هم ما أقر بهذا؛ لأن منهم المعطل، ومنهم المجسم، ومنهم المشبه، ومنهم المؤول، وكل هؤلاء ما قدروا الله حق قدره. فلو أن هؤلاء قدروا الله حق قدره، لأعطوا الله عز وجل صفات الكمال اللائق به سبحانه وتعالى. فهذا إخواني في الله خلاصة هذا المبحث من مباحث العلو، وهو القسم الثالث، وهو علو الشأن وعلو القدر، وأن تعتقد بأن لله عز وجل صفات الكمال، ولو من الصفات أعلاها وأحسنها جل فعلًا. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.