شرح أعلام السنة المنشورة  43

شرح أعلام السنة المنشورة 43

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 43، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

توحيد الربوبية ومعناه وضده

توحيد الربوبية يعني الإيمان بتفرد الله بالأفعال والصفات، وضده هو اعتقاد وجود مشارك لله في أفعاله أو صفاته. الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تدل على تفرد الله وتؤكد أن الشرك في توحيد الربوبية يحصل عند منازعة الله في أفعاله أو صفاته.

عقيدة ديوان الصالحين ومظاهر شرك الربوبية

يناقش المقطع عقيدة ديوان الصالحين التي تعتبر شركًا بالله، حيث يُعتقد أن هناك مجلسًا يتحكم في الكون. كما ينتقد اعتقاد بعض المسلمين بقدرة أرواح الصالحين على النفع والضر بعد موتهم.

التحذير من شرك الربوبية ومظاهره

يتناول المقطع مظاهر شرك الربوبية مثل اعتقاد الناس بقدرة الأموات والصالحين والجن على النفع والضر، ويبين أن هذه المعتقدات تتعارض مع توحيد الربوبية. كما ينبه النص إلى خطأ الاعتقاد بقوة الجان ويشدد على أن الله هو القادر على النفع والضر.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، أحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما ضد توحيد الربوبية؟ السؤال السابق والأخير الذي قد مضى معنا هو: ما معنى توحيد الربوبية؟ ثم أتى المؤلف رحمه الله تعالى بالآيات التي تدل على معنى توحيد الربوبية، ثم ناسب الآن أن يذكر ما هو ضده. وقد ذكرنا في دروس ماضية أن ذكر الأضداد مما ينفع، وخاصة أن الأشياء تتميز بضدها، فقال رحمه الله تعالى: ما ضد توحيد الربوبية؟ قالوا: اعتقاد متصرف مع الله عز وجل في أي شيء من تدبير الكون، من إيجاد أو إعدام أو إحياء أو إماتة أو جلب خير أو دفع شر، أو غير ذلك من معاني الربوبية، أو اعتقاد منازع له في شيء من مقتضيات أسمائه وصفاته، كعلم الغيب والعظمة والكبرياء ونحو ذلك. هذه كلها، إخواني في الله، مفردات تضاد توحيد الربوبية. وقد بينا أن توحيد الربوبية خلاصته هو أن توحد الله سبحانه وتعالى بأفعاله، توحد الله في أفعاله، فربنا له الخلق وله الرزق وله الإحياء وله الإماتة. هذا هو كونك تصرف هذه الأشياء لله، فتعتقد بأن الله هو المحيي وأنه هو المميت وأنه هو الخالق وأنه الرازق وأنه متصرف في كل شيء، هذا معنى أنك موحد توحيد الربوبية. فمتى تخرج عن هذا كله؟ تخرج عن هذا كله إذا جعلت لله منازعًا، فزعمت أن هناك شيئًا مع الله يخلق، يرزق، يحيي، يميت. فإن زعمت أن شيئًا من الأشياء، كائنًا من كان، يفعل كفعل الله، حينها أشركت بالله في توحيد الربوبية، فأصبحت مشركًا. وهذا الذي أراده المؤلف بقوله: هو اعتقاد متصرف مع الله في أي شيء من تدبير الكون، من إيجاد أو إعدام أو إحياء أو إماتة أو جلب خير أو دفع شر. ثم ذكر المؤلف، رحمه الله تعالى، الآيات التي أدلى بها على هذا، قال: قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. هل هناك خالق مع الله؟ لا، ما هناك أحد. فمن زعم أنه يخلق كخلق الله، فهذا قد كفر وأشرك في توحيد الربوبية. قال: وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. فالقول قوله سبحانه وتعالى، إن أراد ربنا عز وجل أن يزيل ضرًا عن أحد من خلقه، فما هناك أحد راد أو دافع لقضاء الله. وإن أراد ربنا عز وجل الخير بأمة من الأمم، أراد ربنا أن ينفعها، فبإنزال الأمطار وبإنزال الخيرات، وأن يعم في أرضها الرخاء والازدهار، فلو أراد أهل السماوات والأرض أن يمنعوا ذلك، ما استطاعوا أبدًا. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، فالقول قوله، والحكم حكمه، فلا يقع في ملكوت السماوات والأرض إلا ما شاء الله سبحانه وتعالى. قال: وقال تبارك وتعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما، أسكنته ناري». قال: وهو في الصحيح، أي: أصله في صحيح مسلم. هذه الآيات والأحاديث، إخواني في الله، فيها دلالة على ما أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يدلل عليه، وهو أن ضد توحيد الربوبية يكون بهذا العبد مشركًا بالله، إذا اعتقد أن هناك أحد ينازع الله في فعله ويزاحم الله في أفعاله. وهنا تأتي مسألة، وهي من باب تبيين الأمور، وحتى تتضح للعيان، أن نذكر شيئًا من صور شرك الربوبية التي وقعت فيها الأمة. لأن هذا الكلام، إخواني في الله، لو ربما ما ينازع فيه أحد، ويقول بعض الناس: وهل أحد يخالف في هذا؟ هل هناك أحد يدعي أن هناك خالقًا مع الله يخلق كخلقه؟ هل هناك أحد يعتقد أن هناك رازقًا يرزق مع الله؟ من يعتقد بهذا إلا من سفه نفسه؟ لكن للأسف، إخواني في الله، أننا إذا نظرنا بالمجهر في مجتمعات المسلمين، نرى للأسف أن طوائف من الناس وقعوا في شرك الربوبية، فزعموا أن هناك مع الله خالقًا، وأن مع الله رازقًا، وأن مع الله محيي، وأن مع الله مميت. فمن صور أولئك، مثلًا، من اعتقد بوجوب أو بوجود الأقطاب والأوتاد والأبدال، وبوجود الغوث. هذه عقيدة يعتقدها بعض الملاحدة ممن يزعم أنه من أمة محمد، يزعم أن هناك ديوانًا يسمى هذا الديوان بديوان الصالحين. ديوان الصالحين عبارة عن مجلس يترأسه كبار الصالحين، على حد زعم من أتى بهذا الإفك المبين، مجلس يترأسه الغوث، وهذا الغوث هو الغوث الأكبر، يكون في مجلسه الأقطاب، ومن ثم الأبدال. وهذا المجلس أحيانًا يحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن حضر فالقول قوله، وإن لم يحضر، فإن هذا الغوث هو الكبير فيهم الذي بلغ الولاية ما بلغ، هو الذي يترأس هذا المجلس. طبعًا هذا المجلس يعتقد أصحابه أنه يُعقد في كل عام مرة، ووقته في الثلث الأخير من الليل. وماذا عسى هذا المجلس؟ هذا المجلس يتم فيه فصل القضاء، وهذا المجلس يكون في توزيع المهام للأقطاب والأبدال والأوتاد. هؤلاء يتحكمون في الكون، هؤلاء على حد زعم أصحابه، يدعون بأن الله أعطى لهؤلاء الأقطاب وهؤلاء الأبدال والأوتاد، على اختلاف رتبهم وطبقاتهم، أعطاهم الصلاحية في التصرف في الكون. فكل يتصرف في جزء من الكون، على قدر انضباطه وعلى قدر فعاله. فإن كان هذا الوتد وهذا البدل ممن عنده نوع من الشدة، فإنه يتعامل مع هذا الجزء من الكون بشيء من الشدة. وإن كان في هذا الوتد أو هذا القطب إن كان فيه شيء من المعالي النفسية، فإن هذا يظهر فيه تحكمه في الجزء الذي أمر أن يتكلم ويتصرف فيه. هذا وديوان الصالحين آلهة، آلهة، هذا ليس في دين الإسلام بشيء. هذا إذا أردت أن تراه، انظر إلى عقيدة اليونان، اليونان عندهم في معتقاداتهم عن موجود عدة آلهة، يجتمعون، إله البحر وإله السماء وإله النباك وإله الحب وإله أبولو، أبولو هو رئيس جميع الآلهة. هذا عقيدة موجودة عند اليونان، عند الكفار الملاحدة. لكن جاءتنا عن طريق هؤلاء تحت مسمى ديوان الصالحين، لكن ليس تحت مسمى آلهة، لكن سموه بأسماء شبه عربية ولا صبغة شرعية، باسم الغوث، القطب، الأبدال، الأوتاد. هؤلاء هم هم، هؤلاء هم هم. هذه عقيدة موجودة عند بعض الملاحدة، من بعض أهل الحلول والاتحاد، من بعض غلاة المتصوفة، يعتقدون هذا بأن هناك أقطابًا وأوتادًا يتصرفون مع الله. هذه عقيدة التي يعتقدها هذا قد كفر بالله، لماذا؟ لأن هذا نازع الله، اعتقد أن هناك خلقًا من خلق الله ينازعون الله في أمره. إذا كان الله يقدر الكون، فهؤلاء يقدرون الأكوان، هم مع الله سواء. هذا الشرك، وهذا من مظاهر شرك الربوبية الذي وجد عند طوائف من المسلمين. كذلك من صور مظاهر شرك الربوبية مما قد طرأ في هذه الأمة، ما يعتقده بعض الناس أن أرواح الصالحين وأرواح الأولياء أنهم بعد موتهم ينفعون ويضرون. وهذا كذلك عقيدة سائدة عند كثير من المسلمين، للأسف، يعتقد أنهم وحدهم، وقع في الشرك الأكبر، وقع في شرك الربوبية الذي أوصله إلى الشرك، أنه يعتقد أن أرواح الصالحين وأرواح الأولياء تجوب القارات وتجوب الأماكن والأزمان. وأن هؤلاء عندك، يا عبد الله، في طرفة عين، ما عليك إلا الاستنجاد بهم: يا ولي الفلاني، أغثني، سيكون بجنبك، ما سيتأخر عنك. ما الذي تريد؟ ما الذي تريد؟ تريد رزقًا، إحياء، إماتة، تريد بعثًا، تريد نارًا، تريد جنة، أطلب، أطلب ما تتمنى. المهم أنك تعتقد في هذا الولي، ومن هنا نجد تهافت الناس، كان الجاهلية يتهافتون باتخاذ أصنام لات، هبل، عزة، ومنات. لكن في هذه الأزمان لا غيرة الأسماء، فكل له آلهة، لكن باسم ولي، عبد القادر الجيلاني، الغماري، أو كذلك باعلوي والمحضار، وزد على ذلك أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، أي بجعله آلهة. فكل يتخذ آلهة، أي وليًا لنفسه، ما الذي يفعل به؟ يجعل بمنزلة الرب. كما أن المسلمين يخاطبون ربهم، فهؤلاء يخاطبون أولياءهم: أغيثونا، المدد، المدد، النصرة، التأييد. لو ربما إذا ابتلي أحدهم في غمار البحار، وكاد قاب قوسين أن يهلك بالغرق والرياح، لو ربما رفع كف الضراعة وقال: يا الولي الفلاني، أغثني، وكرباه ونشجتاه، فإذا طابت له النفوس، وكشف الله جل وعلا الغم، أسند النعمة إلى غير الله. قل: انظروا، والله، هبت ريح هذا الولي، والله ما خاب من استشار، ما خاب من استنجد به. والله رأيناه، ثم تأتي تقصص خيالية: رأيناه، رأينا أبو زيد وهو في غمار البحار، وأخذ برأس السفينة يجرها يجرها حتى أوصلنا إلى بر الأمان. من هذا الذي يزاحمه هذا الولي؟ هذا هو الولي، فلا زال القوم كل يتنافس على وليه بذكر الأساطير، بل يعتقد، وهذا موجود في كتبهم، يعتقدون أن الولي بإمكانه أن يخلق. وهذا قد وجد، والله، قد قرأناه، بإمكان الولي، مثلًا، أن يأتي إلى امرأة، وأن يجعل في بطنها جنينًا مباشرة. من هذا الذي يفعل هذا الفعل؟ من الذي بإمكانه إذا أراد أن يخلق جنينًا في بطن امرأة من غير الزوج؟ قاله: كن، من هذا؟ الله جل في علاه، لكن هؤلاء لا، ما يقول هذا الله، لا، بإمكان الولي أن يأتي إلى امرأة فينظر إلى بطنها، أو يترفض بكلمات، إذا بامرأة معك الحمل هكذا هكذا. فهذا يعتقدونه في الولي، أنه يحيي ويخلق، وأنه يبعث من في القبور، بل وأنه يمنع النار عن من يريد، ويدخل الجنة لمن أراد. هذا موجود، إخواني، في غلاة الصوفية، وعند غلاة الرافضة، هؤلاء الهمج والسذج ممن ينتمي إلى الأمة الإسلامية، والأمة الإسلامية منهم براء، يعتقدون هذا. حتى وجدنا أن بعضهم لو ربما يأتي إلى القبور، يأتي إلى القبور عند قبور الأضرحة والصالحين، على حد زعمه، ثم يرتجف يرتجف أمامها، معتقدًا أن أهلها قد حضروا، ثم يستنجد بهم: يا الولي الفلاني، ويهتف بأسمائهم اسمًا بعد اسم: الولي الفلاني، والحبيب الفلاني، والحبيب الفلاني. هؤلاء هم رجالات الله، هؤلاء يعلمون الغيب، هؤلاء يقرؤون الغيب سطرًا سطرًا، سطرًا سطرًا، ما يغيب عنهم شيء. هؤلاء هم الولاية، هذا فعل من؟ هذا هو الرب سبحانه وتعالى الذي يعلم غيب السماوات والأرض، هؤلاء زاحموا الله في علمه. فمن اعتقد، إخواني في الله، هذا الاعتقاد، من أن هناك أرواح الصالحين، وأنها تطوف الكون، وأنها تنفع وتضر وتجلب الخير وتغيث المضطر، وأنها تدفع الشر، هذا كفر، هذا اعتقد بما يعتقده أهل الجاهلية، فهذا من شرك الربوبية. فأين الذي يلحق قبل قليل؟ قل: إيش أنتم تعتقدون أن هناك أحد يعتقد أن مع الله خالق رازق؟ نعم، نعتقد، نعتقد بوجود هذه الطائفة من أمة محمد، من وصل بها الاعتقاد إلى هذا المحك، يعتقدون أن هناك أناسًا يتصرفون مع الله في الخلق والإيجاد والإعدام. فهذا من مظاهر شرك الربوبية. كذلك، يا عبد الله، من مظاهر شرك الربوبية ما يكون من اعتقاد بعض الناس في الجن، في الجن، لدرجة أن بعض الناس يظن أن الجان هو المالك وهو الدافع وهو الضار وهو النافع. أن الجان يفعل ما يشاء، وأنه لو هيمن في هذا الملكوت، ولهذا تجد من بعض الناس أنه إذا لشدة اعتقاده بأن الجن يدفع ويضر، أنه يستنجد بهم، ويعاملهم كما يعامل الخلق مع الله. وهذا وجد في أيام الجاهلية، كان الواحد منهم إذا أراد أن ينزل واديًا، فكان العرب يخافون من الجن، ويرون أن الجن من قدرتهم أنهم يتلاعبون بالآدم. فكان يستعيذون بهم، وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن، فزادوهم رهقًا. وما كانت هذه الاستعاذة والتوجه لهم بالعبودية إلا لما اعتقد العرب في أن الجان لهم القدرة على الإضرار، وأن لهم تحكم في هذا الملكوت الأرضي. وللأسف أن هذا الاعتقاد الجاهل سرى أمره حتى وصل إلى بعض من ينتمي إلى أمة محمد، فأخذ البعض يعتقد أن الجان هو النافع وهو الضار. بعضهم إذا سكن في بيت جديد، أول ما يسكن، يأتي في مخيلته: الجن، الجن، الجن، كل شيء الجن، الله، الله في الجن. أو يذبح ذبيحة للجن، حتى أظن لا يخف على بعضكم أنه إذا تم زواج، مثلًا، وأراد أن يحف هذا الزواج بالبركة، كان بعض الناس ضعاف الإيمان، ومن تلاعبهم الشيطان، يأمر أن أول ما يغرف من هذا القدر الذي أعد للوليمة، أول ما يغرف، يغرف عدة صحون، ثم ترمى يمينًا أو يسرة، لمن أرادوا أن يرموها، أرموها لعباد الله الصالحين، بين قوسين: الجان. لماذا يعتقد أن الجان إذا أكرموا، فإنهم سيباركون هذا الزواج؟ عقيدة يتقربون إليهم، بعد من قدح في أذهانهم بأن الجان لهم السلطة وله الهيمنة. وهذا من شرك الربوبية، من شرك الربوبية. والجان، إخواني في الله، أحقر من هذا بكثير، الجان خلق ضعيف، خلق أضعف من الآدم، أضعف. لكن الإنسان غره ما عليه، الجامع الخفاء، وإلا الجان هو أضعف من بني آدم، لو قرنت، لو كشف النقاب، إن صح التعبير، فقرن أيهما أخوف؟ من؟ الإنسي أخوف من الجان، أم الجان أخوف من الإنسي؟ رأيت أن الجان يخافون من الإنسي أيما خوف. الجان يخافون من الإنسي أيما خوف، يرتعدون من الإنس إذا مروا في أماكنهم، هذا الأصل، الجان ضعيف جدًا، ضعيف جدًا جدًا، خوف. صف أبي هريرة عندما ألقى القبض على الشيطان، ما الذي فعل الشيطان؟ عندما ألقي عليه متلبسًا وهو يأكل من تمر الصدقة، بكى، بكى، وأصبح يشتكي لأبي هريرة الحال والعيال. وأخذ عليه العهود والمواثيق أنه لا يرجع، هكذا الجان ضعاف، لكن الذي أوقع الإنسان في هذه المخيلة أنه أخاف نفسه بنفسه، فضلًا عن أن يأتي أناس فيجعلون الجان في مصاف الرب سبحانه وتعالى، يعتقدون فيهم النفع، يعتقدون فيهم الضر. فالجان عبد الله، ليس بهذه الحالة، فلا، إنما هم خلق من خلق الله، خلق من خلق الله، حالهم كحال الإنس، بل أضعف، فلا يستحقون شيء من منزلة الربوبية، فلا تعتقد فيهم النفع، ولا تعتقد فيهم الضر، فهم لا يدفعون عن أنفسهم، فضلًا أن يدفعوا عن غيرهم. فهذه، إخواني، بعض المظاهر من مظاهر شرك الربوبية، واقع وحاصل في هذه الأمة المحمدية. ومن هنا كان ينبغي الدراسة والفهم لهذا التوحيد، ممن نرى من كثير من الناس، من لربما هول من أمره، وظن أن توحيد الربوبية ليس هذا زمانه، وليس هذا وقته. ما أحد يعتقد بما ترون، ولا تقولون، ما أحد يعقد بوجود خالق أو رازق أو دافع أو نافع، ما أحد يقول: لا، يوجد هذا، يوجد عندنا طوائف من الناس، كما سمعت، من من يعتقد بوجوب الأقطاب والأوتاد وبديوان الصالحين، ومن يعتقد أن أرواح الأولياء تسير هنا وهنا، تدفع وتنفع. ومن يعتقد بأن الجان لهم سلطة عليا، وأنك على قدر التقرب إليهم، فإنهم ينفعونك ويضرونك. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.