الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول المقطع تفسير آية من سورة الحجرات المتعلقة بالاقتتال بين المسلمين، وأوضح وجوب الإصلاح بين الطائفتين المتقاتلتين. استشهد بأحاديث نبوية وأمثلة من السيرة النبوية لتوضيح أهمية الإصلاح.
شرح المقطع أحكام الصلح بين الطوائف المسلمة، مؤكداً على ضرورة التنازل في الصلح وأهمية العدل في الإصلاح والحكم بين الطوائف المتقاتلة. كما بين أحكام القتال عند البغي.
المقطع شرح فوائد الآية الكريمة حول الاقتتال، موضحاً أن الاقتتال لا يخرج المسلمين عن الإسلام، وأن الذنوب لا تخرج عن دائرة الإسلام ما لم تكن شركاً. كما حرم البغي والظلم.
تحدث المقطع عن أهمية التوبة من المظالم ورد الحقوق إلى أصحابها قبل يوم القيامة، مشيراً إلى ضرورة استحلال المسلم لأخيه إذا ظلمه أو تعدى عليه، وطلب العفو أو أداء الحق له.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأيضا استمرارا فيما نذكره من تفسير سورة الحجرات، انتهينا من الآية الثامنة، يقول جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾، ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، ثم قال جل وعلا: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. فهاتان الآيتان جمعتا مسائل كثيرة، مسائل اعتقادية، ومسائل أيضا عملية فقهية. وحسبنا إن شاء الله تعالى أن نذكر بعض هذه المسائل، وإن لم يكن بالتفصيل، لكن نذكر المهم في المسألة؛ لأن الوقت قصير، وهذه المسائل الواحدة منها تأخذ وقتا، فلهذا إن شاء الله تعالى نختصر كما قلنا. فمعنى هذه الآية: ربنا جل وعلا يذكر سبحانه وتعالى أنه إذا حصل بين طائفتين من أهل الإيمان، من أهل الإسلام، حصل بينهما اقتتال، أو تعد، فقال الله: وهنا الطائفة المراد بها الأفراد والجماعات، قد يكون بين أفراد، بين فردين، رجل يعتدي على آخر ويحاول قتله، أو المراد أكثر من ذلك، فاقتتال أهل الإسلام مهما كانت الأسباب، إن لم يكن هذا اقتتالا شرعيا -معنى عبر- كما سيأتي إن شاء الله وتعالى، قتال مثلا البغاة والخوارج وغيرهم، فإذا كان هذا قتال فتنة بين المسلمين، قبائل تقاتلت، أو طوائف من الناس حصل بينهم قتال بسبب الملك أو بغيره، وأيضا يدخل في ذلك ما حصل بين الصحابة -بين الصحابة رضي الله عنهم وتأولوا، وكلهم مجتهدون، فهم بين الأجر والأجرين- حصلت بينهم أيضا شيء من الحروب، كالجمل وصفين وغيرها. فهذا الاقتتال يحصل بين المسلمين، وإن كان هذا الاقتتال قد حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة، حتى قال -كما جاء في الصحيحين في حديث أبي بكرة-: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض»، أي: تكفرون بنعمة الله، نعمة الأخوة، نعمة الترابط الذي بينكم، فتقطعون هذه الرابطة، فيحصل بينكم الاقتتال. فقال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، فالواجب السعي بين هاتين الطائفتين بالإصلاح، فقال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، يعني يسعى الساعون إلى الإصلاح، والأولى أن تكون من قبل الإمام، أو من ينوب عنه، أو من أراد أن يصلح يصلح، يسعى في الصلح، يكلم هذا ويكلم هذا، يجعل هذا يتنازل، فهذا قبل البغي. إذا حصل بينهم اقتتال، أو حصل بينهم شبه اقتتال، أو حاولوا أن يقتتلوا، فإنهم ينبغي عليهم أن يصلحوا بينهم، ولهذا ذكر بعض السلف من المفسرين -كمجاهد وغيره- أن هذه الآية نزلت في طائفتين من الأنصار، من الأوس والخزرج، تقاتلوا بالعصي وجرائد النخل، أن حصل خصام بينهم -بين طائفتين من المسلمين- حتى تقاتلوا بالعصي. وهذا حصل كما جاء في السنة، وهو في البخاري أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اقتتل بنو عمرو بن عوف حتى تراموا بالعصي، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وأصلحت بينهما وأصلح بين هؤلاء المقتتلين. وكذلك أيضا جاء في سبب نزول هذه الآية في البخاري، في «الصحيح»، في مسلم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قيل له: «لو تذهب إلى عبد الله بن أبيّ لأجل نصحه، ولأجل مثلا الأخذ عنه؛ لأنه كان متحاملا على النبي عليه الصلاة والسلام، فذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى عبد الله بن أبيّ، وكانت المدينة أرض صبخة، أرض مثل الكثيب هكذا، ويكون فيها غبار، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى مجلس عبد الله بن أبيّ، وكان فيه أناس من المسلمين، وأيضا من أصحاب عبد الله بن أبيّ، وهو رأس المنافقين، عبد الله بن أبيّ بن سلول، فجاء إليه النبي عليه الصلاة والسلام، فلما وصل إليه، إذ بعبد الله بن أبيّ يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: «إليك عني، فإنك قد آذيتنا بنتن ريح حمارك»، فقال رجل من المسلمين -في سيرة ابن إسحاق أنه عبد الله بن رواحة- فقال: «والله لنتن رائحة حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم خير منك»، فقام رجل من أصحاب عبد الله، وهكذا ارتفعت الأصوات، حتى كاد أن يحصل بينهم اقتتال، فحدأهم النبي عليه الصلاة والسلام. قال أنس: وبلغنا أن هذه الآية نزلت في هذه القضية: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. فهذا إذا حصل قتال بين المسلمين، فإن الساعين إلى الإصلاح يشيعون للإصلاح بينهم بشتى الطرق، يجعلون هذا يتنازل في شيء؛ لأن الصلح غالبا ما يحصل إلا بالتنازل، غالبا ما يحصل إلا بالتنازل من أحد الطرفين، وإلا لو أراد هذا ما يدعي أنه حقا له، وهذا يدعي أنه حقا له، ما سيحصل الصلح، ولهذا الله عز وجل يقول: «والصلح خير»، ﴿وَأَحْضَرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، «والصلح خير»، عظيم، «لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله، فسوف نؤتيه أجرا عظيما»، فالساعي إلى الإصلاح هو ساع إلى أمر عظيم. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿وَأَحْضَرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾، عن التشح بما تدعي أنه حقا لها، كل واحد يريد: هذا حقي، أنا أريد حقي، هذا حق لي، فيحصل الشح من هذه النفوس، فهذا قد يعيق أمر الإصلاح، فلهذا ينبغي للمسلم أن يتنازل، يتنازل عن شيء إن كان حقا له، تنازل عن بعضه. فلهذا كان الصحابة رضي الله عنهم تجد: إذا حصل بينهم قصام، النبي عليه الصلاة والسلام أصلح بينهم بشيء من التنازل، في «صحيح البخاري»: أن بعض الصحابة حصل بينهم قصام في دين، حتى ارتفعت أصواتهم في المسجد، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام، وعرف أن هناك قصاما بين بعض الصحابة رضي الله عنهم، وكان بين ابن أبي حذرد وكعب بن مالك، وكان كعب قاض ابن أبي حذرد، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «يا كعب، ضع النصف»، أو قال: «ضع الشطر»، فقال: «قد وضعت يا رسول الله»، قال: «قد وضعت يا رسول الله»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن أبي حذرد: «قم، فقاضه»، أنا أعطيه حقه، معنى: الآن تنازل لك على النصف، فأعطه حقه. فالمهم أن هذا الصلح يحتاج إلى تنازل، وخاصة إذا كان الأمر أعظم من هذا، معنى: بين قبائل كبيرة يحصل اقتتال، أو بين طوائف كبيرة من المسلمين، فلا بد أن يتنازل أحد الطائفتين، أو كليهما، عن شيء مما يدعون حتى يحصل الصلح، وهو أعظم لهم وأفضل، هو أفضل لهم وأعظم الصلح؛ لأنه لو استمروا في هذا البغي والقتال لخسروا أعظم مما كانوا يطالبون به، وهذا الحاصل. فتجد بعض الناس يصر على -مثلا قتل له قتيل- فيصر مثلا على أنه يقتص من الطائفة الأخرى، وأنه يقتل منهم، فيدخل الساعون ويصلحون بينهم، فيأبى، فيحصل بعد ذلك: أنه بدل الواحد يقتل عشرة منهم، أنه يطالب بدم واحد، فبعد ذلك يستحل أكثر من ذلك، فيخسر كثيرا من رجاله، ومن أهله، بسبب ظلمه، وبسبب بغيه، وبسبب أيضا عدم تنازله، فلهذا فلا بد أن يحصل من التنازل في الصلح. فلهذا قال الله عز وجل هنا: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، قال: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾، أي: بعد الصلح حصل الصلح، ورضوا بهذا الصلح، ثم قال: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، فهذا يحصل بعد الصلح غالبا، وإن حصل بدون صلح أيضا، كذلك الحكم. فقال: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، وهذا من نصر المظلوم، ونصر أيضا حتى الضال، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام في «الصحيحين»، في حديث أبي بكرة: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما»، قالوا: «ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟»، قال: «تردعه عن الظلم»، قال: «تردعه عن الظلم»، فهذا نصر له؛ لأنه إذا وقع في الظلم فتبعه تبعات عظيمة في الدنيا والآخرة. وكما قال نبينا عليه الصلاة والسلام -كما في «الصحيحين»-: «الظلم ظلمات يوم القيامة»، وقال الله عز وجل: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾، فلهذا: إذا حصل البغي من إحدى الطائفتين بعد أن أصلح بينهما، فأيضا قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، وهذا الذي يقاتل هو الإمام، أو من يقوم مقامه، الإمام، أو من يقوم مقامه بإذنه. فهؤلاء هم الذين يدخلون في هذا، كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «وإنما الذي يقاتل هو الإمام»، وهذا قول أكثر أهل العلم؛ لأن غير الإمام قد تحصل فتنة أكثر، معنى: ويحصل أيضا تتعاظم هذه الفتنة، فيحصل أن هذه الطائفة ترى أن هذه الطائفة التي تقاتلها أيضا هي طائفة معادية، فيجعلونهم مع الخصوم كذلك، لكن الإمام غالبا يكون قوته أكبر، وكذلك سيطرته أعظم، وأيضا يستطيع أن يحل الأمر، فلهذا: فإن لم ترد هذه الطائفة الباغية إلا أنها تبغي على أختها، فلا بد للإمام أن يردعها بذلك، ولو كلف ذلك أن يكون بالقتل، وهذا فيه: أنه أحيانا يقتل الشخص وهو مسلم، لكن لأجل أمر أعظم من ذلك، وسيأتي معناه إن شاء الله تعالى: أن المسلم دمه حرام، كما جاء في «الصحيحين»، وفي حديث عبد الله بن مسعود: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»، لكن قد يحل دمه لأمور أخرى، مثل هذه الأشياء الثلاثة التي ذكرت في الحديث، وكذلك أيضا هذا البغي الذي يحصل؛ لأن البغي أيضا اقتتال وقتل، فيحصل منه قتل لبعض المسلمين، فلهذا يهرق دمه، ويحل دمه بسبب هذا الفعل. فقال جل وعلا: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، أي: إلى شرع الله، تتحاكم إلى شرع الله عز وجل، فيحكم، فيحكم، فيحكم، أولا صلح، ثم بعد ذلك حكم، أنه إذا لم يرضوا بالصلح، وقاموا على الصلح، يحتاج بعد ذلك إلى حكم. فقال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾، هذا من الحكم، ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، أي: إلى شرعه، فيحكم بينهما بشرع الله. فقال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾، هنا الآن ذكر العدل والقصد، مع أنه في الصلح الأول لم يذكر العدل والقصد، فقال بعض أهل العلم: «إنما أراد ربنا سبحانه وتعالى أنه لم يذكر العدل والقصد في الصلح الأول؛ لأن غالبا الصلح الأول الذي يأتي ويصلح لا يميل إلى شيء من الطوائف، بل يريد أن يصلح بينهما»، لكن إذا حصل البغي بعد الصلح من الطائفة الأخرى، فغالبا هذا المصلح يميل إلى الطائفة المظلومة، يميل إلى الطائفة المظلومة، فقد يحصل إجحاف على الطائفة الظالمة، فلهذا قال الله عز وجل: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾. وقال بعض أهل العلم: «أن المراد في الأول هو الصلح فقط، معنى: ليس فيه حكم، وإنما صلح»، لكن إذا بغت، يكون صلح وحكم، يحتاج إلى الحكم، هذا عدل، فإذا حصل منهم شيء من إصابات، من قتل، جراحات، أو غير ذلك، أو أخذ أموال، أو انتهاك أعراض، أو غيرها، فإنهم يحاكمون بذلك. فقال جل وعلا: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾، وفيه: أن العدل لابد في هذه الأمور، فلا يميل هذا المصلح إلى أحد الطائفتين، وأيضا لا يجحف أحد الطائفتين، وهم غير راضين، فلهذا لابد من العدل بحكم الله عز وجل. فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، والمقسط هو الذي يحبه الله عز وجل، أي: الذي يعدل، وإذا تولى الحكم عدل، وإذا كان يعدل حتى في رعيته، في أبنائه، وأما القاصط: فالقاصط -الله عز وجل يقول-: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾، القاصط هو الذي ينحاز عن الطريق الصحيح. فقال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾، ففرق بين القاصط والمقسط، فالمقسط هو الذي مدحه الله عز وجل وأحبه، وأما القاصط فهو العادل عن الحق، الذي يخرج عن الطريق. ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، أيضا أكد أولا رابطة الأخوة التي بين المسلمين، وهذه التي ينبغي أن يعتبروها، فالله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، فأصبحتم بنعمته إخوانا، يمن الله عز وجل على عباده أنه ألف بين قلوبهم حتى صاروا إخوانا بين المسلمين، فكيف ينقضون هذه الرابطة العظيمة؟ فقال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، فلهذا فهذه الآية فحواها ومعناها الإجمالي: أنه إذا حصل خصام، مخاصمة، بين طوائف من المسلمين، فالواجب السعي إلى الإصلاح، فإن بغت إحداهما على الأخرى، ولم تخضع لهذا الإصلاح، فإنها تقاتل حتى تفي وترجع إلى شرع الله وحكم الله، فبعد ذلك يصلح بينهم، وتأخذ الشحناء التي بينهم فيما حصل من الخصام، ثم يحكم بينهما -أي: الحاكم- بالعدل. فهذا معنى هذه الآية، وفيها فوائد كثيرة جدا، من هذه الفوائد: أنه قد يحصل بين المسلمين اقتتال، قد يحصل بين المسلمين اقتتال، وهذا واقع، أنه حصل من زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه -الخليفة الراشد- حصل ذلك الاقتتال، بل حصل كما قلنا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام بين بعض الطوائف، بين بعض الأنصار وغيرهم، وكاد أن يحصل أيضا بين المهاجرين والأنصار، لكن النبي صلى الله عليه وسلم هدأهم، وقال: «دعوها؛ فإنها منتنة». فأيضا كذلك يحصل هذا الاقتتال بين المسلمين، وهو واقع، لكن لا يجوز التعدي أيضا، التعدي يكون أعظم، الاقتتال جريمة، والتعدي أيضا أعظم، يكون في المسألة، القصام، خاصة إذا كان بعد الإصلاح. وأيضا كذلك من فوائد هذه الآية: أنه قد يحصل بين المسلمين اقتتال، هذا لا يخرجهم عن دين الله، وهذا لا يخرجهم عن دين الله، خلافا للخوارج الذين قالوا: بأن الاقتتال والقتل بين المسلمين يعتبر كفرا، فهذا يدل على أنهم جاهلون بكتاب الله، وربنا جل وعلا هنا قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، مع أنهم اقتتلوا، إلا أن الله عز وجل سماهم مؤمنين، مؤمنون، مع اقتتالهم، هذا يدل على أن هذا وإن كان جرم عظيم، لكنه لا يخرج عن دين الله عز وجل. ولهذا أخذ العلماء من هذه الآية -علماء السنة- فائدة عظيمة، وفيها الرد -كما قلنا- على الخوارج: أن المسلم مهما فعل من الذنوب التي ليست بشرك، ولا كفر، ولا نفاق، فمهما فعل من هذه الذنوب، فإنها لا تخرجه عن دين الله جل وعلا. فهذا القتل الذي هو أعظم الجرائم، وكذلك استدل بعض الخوارج بقول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، على أن القاتل كافر، ولأنهم بعيدو النظرة في نصوص الكتاب والسنة، وأيضا ليس عندهم علماء، فقالوا: بأن هذا يعتبر كفرا، قتال المسلم، من قتل مسلما يعتبر كافرا، وهذا كلام باطل. فالقتل جريمة عظيمة، لكنها ليست كفرا، ولهذا الله عز وجل هنا قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، وقال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، مع أنه قاتل، سماه أخا، سماه أخا، فإن عفي له من أخيه شيء، هذا أخوه هو القاتل، فسماه أخا مع أنه قتل. ولهذا يحمل قول النبي عليه الصلاة والسلام -كما جاء في «الصحيحين»، في حديث عبد الله بن مسعود- قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، المراد بالكفر هنا كفر النعمة؛ لأنه يكفر إذا قتله، كأنه يكفر بنعمة الله عز وجل عليه، وهي الرابطة التي بينه وبين أخيه، رابطة الأخوة، فيكفر بهذه النعمة التي أنعم الله عز وجل بها على الناس. فلهذا أهل السنة ينظرون إلى النصوص كلها، ما يأخذون النصوص ويتركون النصوص من نصوص الكتاب والسنة، وإنما هذا يفعله أهل البدع والجهل، الذين لا يعرفون كيف يأخذون الأحكام من كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الآيات أحيانا يأتي الله عز وجل بزجر في مسألة من المسائل، مثل هذه المسألة، مسألة القتل، جاء الله عز وجل بهذا الوعيد، زجرا لمن يفعل ذلك: أنه يقتل أخاه، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، حملها كثير من أهل العلم: أنه يقتل ويستحل دمه، يستحل دم أخيه، أن يقول له: «أنت الآن أصبحت حلال الدم»، كما يقوله بعضهم: «أنا حلال الدم عندي»، معنى: «سأقتلك»، فهذا استحلال لدم أخيه المسلم، والاستحلال يعتبر كفرا. وحملها بعضهم: هنا «خالدين فيها»، أو «جهنم خالدا فيها»، أي: في طول المكث، يخلد، أي: يطول مكثه في النار، يطول مكثه في النار، وأنه ليس له توبة، كما قال ابن عباس؛ لأن القاتل عليه ثلاثة حقوق: القاتل عليه ثلاثة حقوق، حق للأولياء، وحق للمقتول، وحق لله عز وجل، أما الله عز وجل فهو يعفو عن العبد بالتوبة، فإذا تاب العبد تاب الله عز وجل عليه، وأما حق الأولياء: فيكون إما بالقصاص، وإما بالدية، وإما أن يعفو، وأما حق المقتول: فيبقى عليه إلى يوم القيامة، حق المقتول يبقى عليه إلى يوم القيامة، كما جاء عند أحمد وأبي داود والنسائي عن ابن عباس: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يؤتى يوم القيامة بالمقتول، ورأسه يشخب دما»، ورأسه -معنى: يسيل دما- يشخب دما، «فيقول الله: يا رب، سل هذا فيما قتلني؟»، لماذا قتلني؟ هذا الشخص، وهذا تعديب وتوبيخ لمن قتل. فقال: «فيقول: يا ربي، سل هذا فيما قتلني؟»، فلهذا معنى: أن أهل السنة -من زمن الصحابة إلى يومنا هذا- يقولون: أن العبد -كما ذكر ذلك أكثر من واحد من العلماء، منهم: لما من عبد البر وغيره- على أن أهل السنة مجمعون منذ زمن الصحابة إلى أن العبد مهما فعل من الذنوب ما لم يكن شركا فإنه لا يخرج من دائرة الإسلام، لا يخرج من دائرة الإسلام، لكنه مهدد بالوعيد. وكذلك أيضا قد يخرجه هذه المعاصي وهذه الذنوب إلى الكفر بالله عز وجل؛ أن المعاصي بريد الكفر، كما كان السلف يقولون، فهذا هو معتقد أهل السنة في هذا. أيضا من هذه الفوائد التي في هذه الآية: تحريم البغي، تحريم البغي، والبغي هو الظلم بشتى أنواعه، وهو الاعتداء على حقوق الآخرين، سواء كان في الدماء، أو في الأعراض، أو كذلك في الأموال، ويسمى بغيا. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا حَرْبُ رَبِّكَ لِلْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمِ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وهنا قال الله عز وجل: ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، وهل هناك بغي بحق؟ قال العلماء: «إنما هذا المراد: أنه أن الكلام ليس له مفهوم من مخالفة، ليس هناك بغي بغير حق»، البغي هو الاعتداء على حقوق الآخرين، فهذا يعتبر ظلما، البغي يعتبر ظلما. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾، فالبغي محرم، بل جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا؛ حتى لا يفخر بعضكم على بعض، ولا يبغي بعضكم على بعض»، بل جاء في «الصحيحين»: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لو بغى جبل على آخر لدك الباغي»، هذا من عدل الله عز وجل: إن الله لا يظلم، ﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، فربنا جل وعلا حرم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرما، كما جاء في الحديث القدسي، حديث أبي ذر: «إن الله حرم الظلم على نفسه، وجعله بينكم محرما، فلا تظالموا»، فلهذا فالبغي لا يجوز، سواء كان هذا الاعتداء والبغي في أموال الناس، أو في أعراضهم، أو كذلك في دمائهم. وإن كان حصل شيء من هذا، أي: بغى الشخص على أخيه، فإنه يذهب معنا بالحل الذي يخرجه من ذلك، أما ما كان بينه وبين الله، فربنا جل وعلا يقبل عبده بتوبة، لكن إن كان هناك حصل له، أو حصل منه ظلم لأخيه، فإنه يستحله، ويستعفيه، ويعتذر له، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام -كما جاء في البخاري، في حديث يزيد بن كيسان، عن نبي حازم، عن أبي هريرة-: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من كان له مظلمة لأخيه، فليستحل منه اليوم قبل الغد»، أي: قبل يوم القيامة، يستحل منه، يطلب منه العفو: أنه تعدى عليه، وأنه كذا، إن كان عليه حق يعطيه إياه، كان عنده أموال، أو عليه قصاص قتل أحدا من أهله، فإنه يقدم: أنه يقتص منه، فإن لم يرد -مثلا الولي، ولي هذا المقتول- فله ذلك، وإن أراد الدية يعطيه دية، وإن لم يرد الدية وعفى، فهو أفضل له. فلهذا فهذا من الاستحلال، إن كان لم يرض، استحله، وجاء واعتذر له، وحاول أن يصلح بينه، ولم يرض هذا الذي له الحق، فإنه إن كان قد فعل الذي عليه فهو معذور، لكن ينبغي عليه أن يدعو له، وأن -معنى- يطلب من الله عز وجل أنه يصلح بينهما. ومعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام قد قال -في أهل الجنة- كما جاء في «الصحيحين»، في حديث أبي سعيد: «يحبسون في قنطرة، ثم يهذبون»، أي: لا يدخلون الجنة إلا إذا هذبوا وصفوا من هذه المظالم التي تكون بينهم، يهذبون منها. وكما قال الله عز وجل: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾، وغيرهم الآيات التي بين الله عز وجل: أنهم لا يكون بينهم شيء من الغل، والحسد، والحقد، وهذه الحقوق، فلهذا يحرص المسلم على أنه إن كان عنده مظلمة لأخيه، فإنه يستحل منه اليوم قبل الغد. فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عباده الصالحين، وأن يبين لنا طريق الحق، والحمد لله رب العالمين.