الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل نعمة الله في تحبيب الإيمان وتأثيرها على العباد، حيث يجعلهم يجدون الراحة في طاعة الله. يُبرز نماذج من السلف الذين وجدوا راحة في العبادات حتى في أصعب الظروف.
يُبيّن هذا الفصل أن محبة الإيمان وهداية الله من أعظم النعم التي تجلب الراحة للعبد، ويشير إلى أن السلف كانوا يجدون راحة في طاعة الله. يُظهر أيضًا أن الله بيده الهداية وهو الذي يوفق من يشاء.
يشرح هذا الفصل معنى الاستقامة والرشد في القرآن، ويبين أن الهداية نعمة من الله يجب شكرها. يختم بالدعاء لله أن يمن على المؤمنين بطاعته والإيمان به.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، أشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قائد الغر الميامين، عليه الصلاة والسلام، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وكشف الله عز وجل به الغمة، ولم يمت الله عز وجل حتى دعا وبلغ رسالته، رسالة الله عز وجل، وتركنا على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلوات الله وسلامه عليه. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى بعض فوائد قول الله جل وعلا: ﴿واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون﴾، وقال الله عز وجل: ﴿فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم﴾. من هذه الفوائد العظيمة التي نستفيدها من هاتين الآيتين أن الله عز وجل يمن على عباده بإصلاح قلوبهم وبتحبيب الإيمان في قلوبهم، وهذه من أعظم النعم التي ينعم بها العبد في الدنيا. أن الله عز وجل يحبب الإيمان في قلبه، يحبب له الأعمال الصالحة، يحب العمل الصالح، ويحب كذلك التقرب لله جل وعلا، فهذا من أعظم النعم ومن أعظم السعادة التي تكون في هذه الحياة. ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام يقول لبلال: «أرحنا بها يا بلال»، «أرحنا بها يا بلال». وكان نبينا عليه الصلاة والسلام أعظم أنس عنده أن يناجي ربه جل وعلا. وهذا كله من تحبيب الله عز وجل وشرح الله عز وجل لصدور عباده. ومن أعظم من شرح الله عز وجل صدره للإيمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال الله عز وجل: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾. فلهذا أعظم من شرح الله عز وجل صدره للإيمان هو رسول الله، فلهذا يجد الطمأنينة في طاعة الله جل وعلا والعبادة ما لا يجده في غيرها. ولهذا كان يقول عليه الصلاة والسلام لعائشة: «يا عائشة، دعيني أناجي ربي». وقال عليه الصلاة والسلام: «إني أناجي من لا تناجون». ولهذا يقول النبي يعقوب كما في سورة يوسف: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾. أي يجد الراحة في شكواه إلى الله جل وعلا، يشكو بثه وحزنه إلى الله جل وعلا. ولهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية بكى بكاء شديدا حتى سمع صوته من آخر المسجد، أو سمع نشيجه، نشيج بكاءه عندما كان يقرأ: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾. علم أن هذه المنزلة منزلة عظيمة لا يبلغها إلا عبد قد حبه الله عز وجل وزين الإيمان في قلبه، وتزينت الأعمال، وحبب الله عز وجل إليه التقرب إليه جل وعلا والأنس به سبحانه وتعالى. ولهذا كان السلف رحمهم الله ما يجدون راحة إلا في الطاعات، بل إنهم ينسون كل شيء وراءهم ويقبلون على طاعة الله جل وعلا. والقصص في هذا كثير جدا، لكن نأخذ نموذجا من نماذج السلف في هذا الباب. فهذا مسلم بن يسار، مسلم بن يسار من التابعين، والده كان نصرانيا من أهل تستر، ونقله الله عز وجل من وسط أوروبا إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. انظر إلى إذا أراد الله عز وجل أن يهدي عبدا كان في أوساط أوروبا في تستر، فنقله الله عز وجل إلى المدينة. لما فتح التستر ذهب منهم مجموعة إلى المدينة، منهم من كان في العسر، وكان منهم هذا يسار. ويسار رحمه الله ولد له مجموعة من الأولاد الذين اشتهروا، ثلاثة: عطاء بن يسار وهو فقيه من فقهاء المدينة، وكان راوية بسعيد، وكذلك سليمان بن يسار أيضا فقيه من فقهاء التابعين، وكذلك أيضا مسلم بن يسار الذي يلقب بيوسف هذه الأمة. مسلم بن يسار رحمه الله كان يحب الصلاة جدا، حتى أنه إذا دخل الصلاة لم يلتفت إلى غيره، معناه أنه يقبل على الصلاة. بل من كثرة ما كان يفعل ذلك أن أولاده إذا دخل البيت هابوه هيبة لأبيهم، فيسكتون ولا يلعبون، فإذا دخل في الصلاة لعبوا لأنهم يعلمون أنه لا يحس بهم إذا دخلوا في الصلاة. وجاء في سيرته أنه كان يصلي في المسجد فسقط نصف المسجد وخرج الناس وهو يصلي، ولم يدري أن المسجد سقط، ولم يدري أن المسجد قد سقط. وهذا من أعظم ما يكون في قلب العبد المؤمن. ولهذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله عن بعض السلف أنهم كانوا يقولون: إنه لتمر علي ساعات أي في الدنيا، لتمر علي ساعات أقول إن كان نعيم أهل الجنة مثل هذا فهم في نعيم عظيم. أنظر حتى أنه مثل نعيم الجنة، معنى إذا كان أهل الجنة مثل هذا النعيم الذي أنا فيه الآن وهو في طاعة وعبادة ومناجاة لربه جل وعلا وأنس بالله، فقال فهو نعيم عظيم. معنى أن راحة القلب وسعادة القلب وطمأنينته لا يحس العبد بكثرة العبادة أو أيضا الصبر على الأعمال الصالحة. فلهذا كان السلف رحمهم الله يدعون على هذا. عروة بن الزبير سمي الصابر المحتسب، لماذا سمي الصابر المحتسب؟ لأنه لما أخذت الآكلة في رجله، الآكلة هذا مرض قد يكون مثل الغرغرينا عندنا، تأكل في جسم الإنسان، فلما جاءت الآكلة في رجله قالوا له نقطع رجلك من الفخذ، فثم قالوا ماذا تفعلون؟ قالوا نعطيك دواء يغيب عقلك، قالوا والله لا أريد دواء يغيب عقلي عن ذكر الله، لكن أدخل في الصلاة، فإذا تشهد افعلوا لكم افعلوا ما بدى لكم، أنا إذا دخلت في التشهد اقطعوا رجلي. فلما تشهد قطعوا رجله، فحتى أن الطبيب تعجب أنه لم يتعلم، وهذا شيء من المعجزات أن تقطع رجله بالمنشار وهو لا يتعلم وهو في الصلاة. وكذلك أبو العالية رحمه الله لما أرادوا أن يقطعوا رجله، فأيضا قالوا له نعطيك دواء، قال ما أريد دواء يغيبني عن ذكر الله عز وجل، وإنما أعطوني برجل يقرأ القرآن وأستمع له، حتى إذا رأيتم أني قد طأطأت رأسي ففعلوا ما بدى لكم. فجئ له عنده بقارئ يقرأ عنده، وهو يستمع لكتاب الله عز وجل، حتى طأطأ رأسه، وكأنه خشع واطمأن قلبه، فجاءوا وقطعوا رجله ولم يتعلم من ذلك. وهذا شيء عجيب، قد يقول الإنسان هذا ليس صحيحا، وكذب، وهذا ليس كذبا، بل هذه قصة صحيحة جاءت بأسانيد صحيحة عن هؤلاء إلى إلخ. وهذا الأمر هو ما وجد في قلوبهم من الطمأنينة، وكذلك الراحة العظيمة لعبادة الله جل وعلا وطاعته. فلهذا كان السلف رحمهم الله يدعون على هذا. ثبت عن عثمان بن عفان وتميم الداري وسعد بن أبي وقاص وجماعة من الصحابة أنهم كانوا يقرؤون القرآن في ركعة واحدة، وهذا شيء عجيب أيضا، يقرؤون القرآن كله من بداية إلى نهاية في ركعة واحدة. وهذا ثبت عن عثمان بن عفان وتميم الداري وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم. وهذا لأنهم حبب إليهم الإيمان وحب وزين في قلوبهم، وصارت راحتهم في طاعة الله جل وعلا. فلهذا ما يحسون الآن، الواحد منا لو تأخر الإمام قليلا يجد الثقل في نفسه، ما يدري متى الإمام ينتهي من هذه الصلاة. وهذا لبعدنا عن الله عز وجل وعن طاعته، وعدم أيضا دخول هذه الأعمال ومحبتها في قلوبنا. وإلا لو أن هذه الأعمال حببت إلى قلوبنا لوجدنا الراحة في طاعة الله عز وجل في الصلاة. وكما قال أمير المؤمنين والخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان المبشر بالجنة: «لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله». معنا تريد حتى لو كان أستطيع أن طول الليل والنهار وهو يقرأ كتاب الله عز وجل لا يمل. ولهذا يقرؤون القرآن كله في ركعة واحدة ما يملون. فلهذا فتحبيب الله عز وجل الإيمان في قلب العبد من أعظم الأمور التي يكون فيها سعادة المرء في الدنيا قبل الآخرة. ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة». إن في الدنيا جنة وهي محبة الطاعات في قلب العبد وطمأنينته. فإذا حصل له هذا المقصود فإنه يكون في سعادة عظيمة في راحة عظيمة. كما قال إبراهيم بن أدهم: «إننا لفي طمأنينة لو يعلمها الملوك وأبناء الملوك لجالدون عليها بالسيوف». لو علموا هذه الراحة العظيمة الذي يجدها العبد في صلاته وفي أيضا طاعته لله جل وعلا وتقربه إلى الله سبحانه وتعالى، فهذه منة عظيمة عباد الله. وكذلك المنة الأخرى التي ذكرها ربنا جل وعلا أيضا أنه هدى عباده المؤمنين، نعمة الهداية. فقال الله عز وجل: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون﴾. الراشد هو الذي هداه الله عز وجل لهذا الدين. ولهذا في الآية الأخرى قال: ﴿فضلا من الله ونعمة﴾. أي هذه الهداية فضل من الله ونعمة من الله سبحانه وتعالى أنعمها على العبد. ولهذا ربنا جل وعلا ذكر في القرآن هدايته لعباده، ومدح الله عز وجل بهذه الهداية، وحثهم على أن يدعونه لأجل هدايتهم: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾. ولهذا ربنا جل وعلا في أكثر من آية يمن على عباده أنه هداهم إلى هذه الطريق إلى دينه جل وعلا. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿ومن يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا﴾. وقال في آية الإسراء: ﴿ومن يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه﴾. أي يهدونهم ويدلونهم، وأيضا يوفقونهم في طريق الحق. وقال الله عز وجل ممتنن على الأمة في أكثر من آية: ﴿ولو شاء الله لهدى الناس جميعا ولو شاء الله لهداكم أجمعين﴾. فربنا جل وعلا بيده الهداية سبحانه وتعالى، فيمن بها على عباده الذين علم منهم الصدق وعلم منهم أيضا محبة الخير. فلهذا الله عز وجل جعل أسباب للهداية، فقول القائل مثلا أن الله لم يهدني بعد هذا خطأ. فالله عز وجل جعل هناك أسباب تسلكها للهداية، إن أردت هداية الله عز وجل، أسلك هذه الأسباب فيهديك الله عز وجل. وربنا جل وعلا هو أعلم بالقلوب، فهو يوفق بعض القلوب لما علم سبحانه وتعالى من محبتهم للهداية والخير. ولهذا قال في آخر الآية: ﴿والله عليم حكيم﴾. عليم بأفعالكم وعمالكم، وأيضا حكيم سبحانه وتعالى في أفعاله، فلا يفعل شيئا إلا بحكمة منه جل وعلا. فلهذا فيوفق عباده الذين علم منهم الهداية سبحانه وتعالى. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾. النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في البخاري حديث سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده أنه قال: دخل النبي عليه الصلاة والسلام أو لما احتضرت أبا طالب الوفاة جاءه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله». وكان عنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، فكان يقولان له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ قال: حتى قال آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾. فليس للعبد أنه يهدي ولو كان أقرب الناس إليه. فهذا نوح عليه الصلاة والسلام نادى ابنه وكان في معزل: ﴿يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين﴾. وهو ابنه الذي فلذت كبده: ﴿يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين﴾. قال: ﴿سأعوذ إلى جبل يعصمني من الماء﴾. قال: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾. ثم قال نوح مناديا لربه جل وعلا: ﴿وإني أعلم ما لا تعلم﴾. ففسرها الله عز وجل بقوله: ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾. وجاء في قراءة: ﴿إنه عمل غير صالح﴾. أي لأنه كافر. فيقول: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ حقيقة، لو كان من أهلك لاتبعك على ما أنت عليه. فقال: ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾. وإبراهيم عليه السلام أيضا دعا أباه بشتى الدعوات والوسائل وتلطف له أعظم اللطف: ﴿يا أبتي إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا﴾. غيرها من الآيات التي جاءت في تودد إبراهيم لأبيه حتى يهديه الله عز وجل، لكنه لم يهديه الله سبحانه وتعالى. وكذلك نوح، امرأة نوح، امرأة لوط، كما ذكر الله عز وجل. كل هؤلاء هم أقرب الناس للأنبياء، وهم أنبياء الله عز وجل ورسله، لكن الله عز وجل لم يهدهم لأنهم ما تسببوا في هذه الهداية، بل كانت قلوبهم خبيثة. فلهذا لم يكونوا من أهل الهداية وأهل الخير، مع أنه قد أرسل الله عز وجل لهم من يدعوهم إلى الخير. موسى رباه فرعون في قصره وفي بيته، ودعاه إلى الله عز وجل، لكن أعرض. وأيضا أراد أن يقتل موسى. فلهذا عباد الله، فالهداية من الله، وكذلك الإضلال من الله، يهدي من يشاء ويضل من يشاء. كما كان السلف يقولون: يهدي من يشاء فضلا، ويضل من يشاء عدلا، سبحانه جل وعلا. فلهذا فمن منة الله عز وجل على عباده أن هداهم إلى هذا الدين العظيم. وقوله أيضا جل وعلا: ﴿أولئك هم الراشدون﴾. الراشد هو المستقيم على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففيها أيضا الثناء من الله عز وجل على من استقام على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا﴾. ألا تخافوا على ما يأتي من أمور الآخرة، ولا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا. فإن الله عز وجل سيحفظه لكم. ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾. وما ألتناه من عملهم من شيء، لم ينقص الله عز وجل عملهم، بل زادهم فضلا أن جعل من ذريتهم من يتبعهم على ذلك الخير. فالاستقامة عرفها كثير من الصحابة، وخلاصة ما يذكر أنها الاستقامة على الأمر والنهي، أي امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه. ﴿واستقيموا إليه واستغفروه﴾. قال الله عز وجل: ﴿واستقيموا إليه واستغفروه﴾. وهذا كما قال العلماء: لأن المستقيم على أمر الله لابد أن يحصل منه النقص، لابد أن يحصل منه النقص، فيحتاج إلى الاستغفار. وجاء في حديث ثوبان عند أحمد والنسائي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «استقيموا ولن تحصوا». «استقيموا ولن تحصوا». واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن. «استقيموا ولن تحصوا»، معنى أنكم ما تستطيعون أن تحصوا كل ما أمركم الله عز وجل به. وكما جاء عند أحمد في حديث الحسن بن الحكم الكلفي قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يخطب ويقول للناس: «إنكم لن تستطيعوا أن تعملوا بكل ما أمرتكم به». «إنكم لن تستطيعوا أن تعملوا بكل ما أمرتكم به، ولكن سددوا وقاربوا». فلهذا فالمستقيم المراد به مستقيم على الأمر، يمتثل أمر الله ويجتنب نهيه، وهو بمعنى التقوى. وهذه الاستقامة لا بد أن يحصل فيها تقصير، معنى ما يستطيع الإنسان أنه لا يذنب أبدا ولا يخالف أبدا، هذا شيء طبعه الله عز وجل في الناس إلا من عصمه الله جل وعلا. ولهذا قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب، فاستغفروني أغفر لكم». وذكر من صفات المؤمنين أنه قال: ﴿وإذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾. فلهذا من النعم العظيمة التي بينها أو التي أنعم الله عز وجل بها على عباده أنهم يجعلهم مستقيمين على دين الله عز وجل. وهذا المراد قوله: ﴿أولئك هم الراشدون﴾. أي ثنى عليهم أن الله عز وجل بسبب رشدهم وبسبب استقامتهم حبب الإيمان في قلوبهم وزينه، وكره إليهم الكفر الذي هو مقابل الإيمان، والفسوق الذي هو مقابل عمل الطاعات، والعصيان الذي هو مقابل الإذعان لطاعة الله جل وعلا. فحبب إليهم هذه الأشياء وكره إليهم هذه الأشياء التي ذكرها ربنا جل وعلا. فلهذا فهؤلاء الراشدون هم الذين استقاموا على أمر الله ونهيه. وأيضا هناك فائدة عظيمة في هذه الآيات، وهي قوله جل وعلا: ﴿فضلا من الله ونعمة﴾. أي أراد الله عز وجل أن يبين أن هذه الهداية وغيرها من النعم إنما هي من الله. ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾. فالواجب على العبد أن يشكر نعمة الله عز وجل عليه، ولا ينسب العمر إلى غيره، بل هو كله من الله سبحانه وتعالى. فما أصابك من مصيبة أو من نعمة فهي من الله جل وعلا، تحتاج إن كانت نعمة إلى شكر، وإن كانت مصيبة إلى صبر. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث يحيى بن أبي كثير، صحيح مسلم: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر وكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن». فلهذا فالمؤمن يتقلب بنعمة الله عز وجل، إن جاءته الخير شكر الله وأعطاه الله عز وجل وزاده، وإن أصيب بمصيبة صبر ورضي بقضاء الله وقدره، فعوضه الله عز وجل خيرا من ذلك. من قال: «اللهم اجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها»، إلا أخلف الله عز وجل خيرا منها، أخرجه الإمام مسلم عن أم سلمة. فلهذا عباد الله، فالمؤمن يتقلب في طاعة الله وفي نعمه، وأيضا كذلك يعلم أنه كله من الله سبحانه وتعالى، فيشكر الله عز وجل على هذه النعم. وكذلك أيضا هذه الآية تبين أن هذه الأمور من الله عز وجل، فتبعد العجب عن العبد، معنى يبتعد العجب إن علم العبد. وكذلك وضع في قرارة نفسه أن هذا نعمة من الله، ليس بفضل ذكائه ولا بفضل أيضا أنه مثلا كذا وكذا أو أنه بسبب أنه يأتي إلى المساجد أو المهم أن هذا ليس لأسباب معينة، لكن هو فضل من الله. ولا شك أن هناك أسباب، لكن ليس هذه الأسباب هي التي سببت ذلك، وإنما هو الله سبحانه وتعالى. لكن تعبدنا الله عز وجل بالأسباب، فلهذا فيبتعد الغرور والعجب عن العبد. وأنه يفعل ويفعل وأنه بسبب ذكائه وبسبب أيضا حنكته وفطنته أنه كان يقوم الليل أو كان يفعل من الطاعات، لا أبدا، وإنما هذا توفيق من الله عز وجل. فلهذا تجد العبادة يوفق لها من هو متعلم أو من هو غير متعلم، وإن كان المتعلم أكثر توفيقا من الله عز وجل لأنه سلك الأسباب التي توصله إلى هذه النعمة العظيمة. فهذا شيء مما يذكر في هذه الآيات. فنسأل الله عز وجل أن يمن علينا بطاعته وبإيمانه جل وعلا. والحمد لله رب العالمين.