قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 10

الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تتميم آداب خبر الفاسق ووجوب طاعة الرسول

بيّن المقطع أن آية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ جاءت تتميمًا للنهي عن اتباع خبر الفاسق، مؤكدة وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ولو خالف الهوى، لأن الله حبب الإيمان وزينه في القلوب وكره الكفر والفسوق. وضرب المثل بقصة ضُحَيْر بن رافع الذي امتثل لنهي النبي عن معاملة كانت تُرى مصلحة قائلًا: «طواعية الله ورسوله أحب إلينا»، دليلًا على رسوخ الإيمان وتقديم الشرع على الرأي الشخصي.

تحبيب الإيمان وتزيينه في قلوب الصحابة

شرح المقطع كيف زين الله الإيمان في قلوب الصحابة فظهر أثره في استقامتهم وأعمالهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، مستشهدًا بحديث تلقيح النخل وحديث حلاوة الإيمان، ومؤكدًا أن الرشد الحقيقي هو اتباع الكتاب والسنة وتهمة الرأي الشخصي كما فعل سهل بن حنيف.

الخضوع لأمر الله في صلح الحديبية والنهي عن الاختلاط بالأحماء

روى المقطع قصة أبي جندل في صلح الحديبية وكيف امتثل الصحابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم رغم قسوته ثقةً بحكمة الله، ثم انتقل للتحذير من الاختلاط في البيوت بالأحماء مستدلاً بحديث «الحمو الموت»، مؤكدًا أن أوامر الله كلها مصلحة للعبد ويجب تقديمها على الرأي والهوى.

تحريم التساهل في الاختلاط وحكمة الشرع في تحقيق المصالح

حذر المقطع من التساهل في اختلاط الرجال والنساء في مجالس الطعام ونحوها، مبينًا أن شرع الله جاء لجلب المصالح ودرء المفاسد، وأن اتباعه يبعد عن العنت والمشقة المستقبلية، كما أكد أن النبي ﷺ بُعث رحمة للعالمين يراعي مصالح المؤمنين في الدنيا والآخرة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى تفسير قول الله جل وعلا في سورة الحجرات، بعدما ذكر جل وعلا خبر الفاسق: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾. فهذا الخبر، أو هذا الأمر من الله عز وجل، أننا نجتنب خبر الفاسق، كما قد ذكرنا في تفسير هذه الآية. ثم قال ربنا جل وعلا تتميمًا لهذه الآداب العظيمة والفوائد: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾. فهذه الآية، أو هاتان الآيتان، يذكر الله عز وجل فيهما تتميمًا لما سبق من خبر الفاسق، وأنه لو أخذ خبر الفاسق أو ردّ من غير تثبت، فإنه يصبح بعد ذلك الأمر إلى الندامة، يندم الإنسان على هذا التصرف. وأيضًا كذلك ردّ بعد ذلك ربنا جل وعلا يبين أن أهل الإيمان، بحمد الله عز وجل، عندهم رسول، وعندهم نبي فيهم، يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر، ويدلهم على طريق الخير، وأيضًا يدلهم على طريق الشر، ويحثهم على الخير ويباعدهم عن الشر. فلذلك، فهذا النبي لو أنهم اتبعوه... وهنا خبر، لكنه خبر المراد به الأمر، معنى: لا بد عليهم أن يتبعوه. ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾، أي: هذا الرسول الذي فيكم، فهو يأمركم بأوامر وينهاكم عن نواهٍ، فلا ينبغي لكم أن تعدلوا عن قوله، وأن تعدلوا عن ما يخبركم به أو يأمركم به. فلا يجعل الإنسان ما في نفسه يراه هو صحيحًا، صحيحًا، وإنما ينبغي أن يخضع لشرع الله، وأنه يعلم أن الله عز وجل هو الذي يعلم مصلحته، سوا كان أمر خاص أو أمر عام. ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾. فهو جل وعلا يعلم مصالح عباده، ويعلم أيضًا كذلك سبحانه وتعالى ما تأول إليه الأمور. فالعبد غالبًا يجهل مثل هذا، يجهل حقيقة ما تأول إليه الأمر، سواء كان في الأمر الخاص أو العام، وسواء كان ذلك أيضًا في أمر أمر الله عز وجل به، أو كذلك مما يكون في نفس العبد. فينبغي عليه أن يعرض هذا الأمر على الكتاب والسنة. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾، أن لو جعلكم على رأيكم ولم يرشدكم، فإنه سيشق عليكم مآل الأمور ومآل هذه الأشياء التي تفعلونها. فهذه الآية نزلت بعد قول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾. فقال بعض المفسرين: إن الله عز وجل يقول للصحابة رضي الله عنهم: لو أن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ برأيكم، وأنكم مثلًا تغزون هذه القبيلة التي لم تؤد الزكاة، وهي قبيلة بني المصطلق، فلو كان أعطاكم نبي الله عز وجل ما أردتم، لكان هناك فساد: أولًا تقتلون أناسًا من المسلمين، وكذا أيضًا لم يثبت شيء عنهم أنهم تركوا الزكاة، أو قتلوا، أو أرادوا أن يقتلوا الرسول الذي أرسله النبي عليه الصلاة والسلام. فلذلك، فلو أنكم فعلتم ذلك، لكان شق عليكم هذا الأمر. لكن هذا الرسول عليه الصلاة والسلام فيكم، يخبركم بما يصلحكم، وما يكون أيضًا فائدة لكم ومصلحة لكم في الدنيا والآخرة. ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ﴾، لا، شق عليكم. ثم قال الله عز وجل: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ ﴾. وهذا يعتبر ثناء من الله عز وجل على الصحابة، معنى: ما يحملكم على أنكم لا تتخذوا أو لا تتبعوا آراءكم، ولا تتبعوا أهواءكم، إلا الإيمان الذي وقع في قلوبكم، الإيمان الذي زين الله عز وجل به قلوبكم. فهذا الذي يجعلكم تطيعون الله عز وجل ورسوله، ولو كنتم ترون أن المصلحة في خلاف هذا. أن الإنسان له آراء وله أشياء، معاني أفكار، فقد يرى أن المصلحة في الأمر كذا، لكن يأتي الشرع بغير هذا. فمن منطلقات الإيمان ومن مقتضياته أن العبد يدين لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم. ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾. ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يقدمون قول الله عز وجل ورسوله على أقوالهم، ولو كان فيه الظاهر عندهم أنه على خلاف ما يرون. بل هناك أشياء يرونها محببة إليهم، أو فيها مصلحة لهم، لكن يتركونها لأجل أن الشرع نهى عنها، أو أمر بخلافها، فيقدمون شرع الله عز وجل، لأنهم يرون أن المصلحة في ذلك، ومصلحتهم في ذلك. وكما أخرج الإمام البخاري من حديث ضُحَيْر بن رافع الأنصاري، وهو عم رافع بن خديج، وهو رجل كبير من كبراء الأنصار، يقول ضُحَيْر بن رافع رضي الله عنه: «نهانا النبي عليه الصلاة والسلام لأمر هو لنا فيه مصلحة»، معنى: يرون أنه فيه مصلحة. «قال: وطواعية الله ورسوله أحب إلينا». معنى: نهاهم عن كراء الأراضي وإيجار الأراضي بجزء منها معين، أنا يقول مثلًا: صاحب الأرض هذه، أرض ما أثمر من هذه الجهة الغربية فهو لك، وما أثمر من الجهة الشرقية فهو لي. كانت هذه المعاملة يتعاملون بها قبل الإسلام، فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام نهاهم عن ذلك. فقال ضُحَيْر بن رافع، وهو كما قلنا من عقلاء الأنصار وكبارهم: «نهانا رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم عن شيء هو مصلحة لنا، أو قال: محبة لنا»، معنى: نحن نحبه ونعلم أن هذا مصلحتنا أصلًا. «قال: لكن طواعية الله ورسوله أحب إلينا». فأطاعوا الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وعليه وسلم، وهذا لإذعانهم ولما ثبت من الإيمان في قلوبهم، وزينه الله عز وجل في قلوبهم. فكان هذه الزينة، وهو النور الذي يشع من هذا القلب، أنه لا يقبل إلا قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يقبل ما خالفهما. بل ولو كان فيه معنى أمره وفكره عن بعض الناس، مثلًا يعاف شيء، والله عز وجل ورسوله لم يعافه، فيقدم أمر الله ورسوله. أيضًا كذلك أحيانًا بعض الناس يحب شيئًا ويرى أن هذا من مصلحته، لكن لما يرى أن الله نهى عنه، أو أمر بخلافه، يتبع أمر الله ورسوله. ولهذا الصحابة رضي الله عنهم قد جاء عنهم مثل هذه الأمور ما يفوق الخيال، معنى: أنهم يطبقون أمر الله عز وجل، وإن رأوا أنه فيه مصلحة لهم. حتى لما نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، أو لم ينههم، وإنما لما رأاهم يلقحون النخل، يلقيحونها، مر عليهم وهم يلقحون هذه النخل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أرى هذا ينفع». أنا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أرى هذا ينفع». فامتنعوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أرى هذا ينفع». فلم تثمر نخلهم، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أنتم أعلم بأمور دنياكم». أنا هذا كأنه يقول: هذا رأي فقط قلته، وإلا فأنتم أعلم بأمور دنياكم. ثم جاء بعد ذلك تقريره في الشرع، جاء تقرير هذا التلقيح، جاء أيضًا تقريره في شرع الله جل وعلا، كما جاء في الصحيحين حديث عبد الله بن عمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من اشترى نخلًا قد أبرت، فهي للبائع، إلا أن يشترط المبتاع». طيب. فللهذا فالصحابة رضي الله عنهم أثنى عليهم ربنا جل وعلا في هذه الآية، وأنهم قد حبب الله عز وجل إليهم الإيمان. قال: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾. هذه الزينة التي في قلب العبد، وأصل الزينة هي التي تظهر، أصل التزين هو الشيء الظاهر المستحسن. لكن هنا يقول الله عز وجل: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾. هذه الزينة التي في قلب العبد، وزينة الإيمان هي التي تظهر في أعماله، هي التي تظهر في أعماله. أصل هذه الأعمال والاستقامة، وأيضًا الثبات بأمر الله وأمر رسوله، أصلها أصلًا في القلب، وإنما ظهرت هذه لأن القلب مليء بالإيمان، زينه الله عز وجل بهذا الإيمان. فزينة الإيمان في القلب هي ما يخرج من أثر هذا الإيمان في الأعمال الظاهرة، معنى: أثر هذا الإيمان وزينته في الأعمال التي يعملها العبد، وهي الاستقامة التي يستقيم بها العبد على شرع الله جل وعلا. وهذا مثل قول الله عز وجل: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾. فهذا هو الصراط المستقيم الذي سلكه أهل الإيمان، فجعل الله عز وجل أصله في قلوبهم، وفرعه في أعمالهم واعتقاداتهم وغيرهم. فلذلك أطلع الله عز وجل على أهل الإيمان، وأيضًا كذلك لم يثنِ عليهم فقط بتزيين الإيمان في قلوبهم، بل قال جل وعلا: ﴿ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾. وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان، أنه كره الله عز وجل في قلوب عباده المؤمنين. وهذا أيضًا كما قلنا ثناء على الصحابة، ومن سار على نهجهم وسلك سبيلهم. فكره الله عز وجل إليهم الكفر، معنى: أنهم يكرهون الكفر كراهية عظيمة، وبغضًا يبغضونه، ويبغضون أهله، يبغضون الكفر ويبغضون كذلك أهله، ويبغضون الفسق ويبغضون أهله، ويبغضون العصيان ويبغضون أهله. وإن كانوا هم منهم، أو قد يكون أحدهم يعصي، لكنه يكره هذا الفسق، يكره المعاصي. لكن قد يقع فيها، وهذا بطبيعة البشر، لأن كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي، إنكم تخطؤون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب، فاستغفروني أغفر لكم». فلذلك فربنا جل وعلا من نعمة على الصحابة وعلى عباد المؤمنين أنه يكره إليهم هذه الأشياء، يكرهها في قلوبهم، يكره لهم الكفر. ولهذا جاء في الصحيحين في حديث أنس بن مالك، وجاء في البخاري عن أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار». انظر إلى هذا الحديث العظيم، بين النبي عليه الصلاة والسلام أن من حلاوة الإيمان التي تكون في قلب العبد ولذته، وكذلك الطعم الذي يجده الإنسان في قلبه، أنه يكره الكفر، يكره ويبغض الكفر، ويبغض أهله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن يكره الكفر كما يكره أن يقذف في النار». يكره للكفر كما أنه يكره أنه يقذف في النار، يوضع في النار. فلذلك فهو يكره أن يكون منه شيء من هذا الكفر، أو يتقول به، أو يفعل شيء من أعمال الكفار. فلذلك تجده مبتعدًا عن أعمال الكفار، وأيضًا مستقيمًا لله عز وجل. فقال الله عز وجل في هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم، ومن كان على نهجهم وسار على طريقتهم: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾. هنا ربنا جل وعلا غير الأسلوب، بدل ما كان يخاطبهم، جعل أنهم كغاية. أولًا كان كأنه يكلم شخصًا حاضرًا، ثم بعد ذلك جعلها الغاية: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾. وهذا يقول العلماء: إن الالتفات هذا في القرآن وفي لغة العرب يدل على الأهمية، أهمية هذا الشيء العظيم وعظمته وجلالته. قال: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾. والرشد هنا هو الاستقامة، وأيضًا الإيمان. قال: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾. إذا أردت أن تعرف أهل الرشد، فهم الذين حبب إليهم الإيمان، وحبب إليهم أعمال الخير، وحبب إليهم الصالحات. هؤلاء الذين يبغضون الكفر، ولا يحبون الفسق، وكذلك المعاصي. فهؤلاء هم أهل الاستقامة والخير، الذين أثنى الله عز وجل عليهم، وجعل ذلك في قلوبهم. فهذا هو معنى هذه الآية. ثم قال الله عز وجل ممتنًا على عباده: ﴿ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ﴾. أي: هذه النعمة العظيمة، وهي نعمة الهداية، فهي من أجل النعم، أن الله عز وجل يوفقك للسلوك الصراط المستقيم، يوفقك أنك تحبب الإيمان في قلبك، وكذلك أيضًا يوفقك إلى كره وبغض الكفر والفسوق والعصيان. فهذه نعمة عظيمة من الله عز وجل. فلذلك قال: ﴿ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ﴾. فهذه الآية نستفيد منها فوائد عظيمة. من أجل هذه الفوائد التي تذكر في هذه الآية، أن العبد ينبغي عليه أن يضع رأيه وفكره، وكذلك أيضًا كلما يظنه الإنسان أنه فيه مصلحة، يزن ذلك بالكتاب والسنة، ويضع ذلك بالكتاب والسنة، يتهم رأيه. كما قال سهل بن حنيف، سهل بن حنيف لما رأى أو رأى الناس أنهم سيختلفون، فقال: قام في الناس وقال: «يا أيها الناس، اتهموا رأيكم». وجاء في الرفض قال: «اتهموا رأيكم في دين الله»، ولا تقدموا آراءكم. اتهم رأيك، ولو تراه مصلحة أمامك. فقال سهل بن حنيف: «يا أيها الناس، اتهموا رأيكم، فإنا قد كنا سنرد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أبي جندل». أنا كاد الصحابة أن يردوا أمر رسول الله، لكن ما وضع الله عز وجل في قلوبهم من الإيمان والإذعان، أدعنوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لما رد أبا جندل ابن سهيل بن عمرو. لما جاء في صلح الحديبية، وكان سهيل بن عمرو يعقد الصلح مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما كان يعقد الصلح وهو لم يتمه بعد، جاء أبو جندل هاربًا من مكة يريد إلى المسلمين. فلما جاء وارتمى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سهيل بن عمرو: «هذا أول ما قضيت به». لأنه في الشروط التي ذكروها في صلح الحديبية، قال سهيل بن عمرو: «أن من جاءكم منا فتردونه، فتردونه، ومن جاءكم ومن جاءنا منكم نقبله». أنا يقول: أنا من الشروط التي ذكروها، وهذا أعظم شرط كان فيه، رأوا الصحابة أن فيه جحافًا عليهم. لكن أدعنوا لله ولرسوله. قال سهيل بن عمرو: «أن من جاء منكم إلينا نقبله، ومن جاء منا إليكم تردونه». فهذا صعب على الصحابة، كيف هذا؟ من جاء من ذهب من عندنا إليهم يقبلونه ولا يردونه، ومن جاء من عندهم إلى المسلمين ردوه. ومعنى هذا عقد عليه الصلح النبي عليه الصلاة والسلام. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لسهيل بن عمرو: «لم نعقد بعد، لازلنا في الاتفاق». فقال: «والله لا أقاضيك شيئًا حتى تعمل بهذا». وكما قال: فرده النبي عليه الصلاة والسلام. فقال أبو جندل، معنى مستعطفًا الصحابة رضي الله عنهم: «يا إخوتي، أرد إلى قوم كفار، أفتن في ديني». فقال: «كيف تردوني لهؤلاء الكفار، قد أفتن في ديني». فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «سيجعل الله لك فرجًا ومخرجًا، سيجعل الله لك فرجًا ومخرجًا». وفعلًا الله عز وجل جعل لهم مخرجًا. فكل من جاء من مكة إلى المسلمين، جعل الله عز وجل له مخرجًا، وكونوا جماعة مع أبي بصير في الساحل، فكانوا يعترضون لعير قريش وغيرها. فالمهم أن سهل بن حنيف كان يقول للناس، وهذا كان في بعد صفين، يقول: «اتهموا رأيكم». أنا لا بد الإنسان يتهم رأيه، ولو يراه يقينًا مئة في المئة، لكن إذا كان يخالف أمر الله، فهو رأي باطل، هو رأي باطل، أو رأي ليس فيه مصلحة للإنسان نفسه. أيها الإخوة، تجد أن أحكام الله عز وجل وأوامره في دين الله عز وجل، هذه الأوامر إنما تعود إلى مصلحة للعبد، غالبًا تكون مصلحة للعبد، إما خالصة وإما راجحة. فأوامر الله عز وجل كلها تكون للعبد إما مصلحة خالصة، وإما مصلحة راجحة، ليس فيها شيء يضر العبد أبدًا. لكنه الواجب علي أن أدين لله ولرسوله، ولو رأى أن هذا على خلاف ما رأى، يجعل رأيه على رأي الكتاب والسنة. فلذلك كان الصحابة رضي الله عنهم فازوا بهذه الدرجات العظيمة، بهذا الأجر العظيم، أنهم جعلوا أنفسهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، لم يقدموا آراءهم، ولم يقدموا أهواءهم على أمر الله عز وجل ورسوله. أحيانًا كما قلنا، أحيانًا يرى الإنسان أن هذه مصلحة، لكن إذا اتبع النبي صلى الله عليه وسلم كانت المصلحة عظمى. يذكر عبد الله بن عمر، كما في الصحيحين، أن النبي عليه الصلاة والسلام لما حاصر الطائف، حاصر الطائف فلم يجدي شيئًا، معنى: لم يتفوا بشيء. حاصرهم فترة من الزمن، قرابة شهر. فرأى النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا منفعة بذلك، لأن أهل الطائف متحصنون، وعندهم أقواتهم. فلذلك لو جلس النبي صلى الله عليه وسلم عدة أشهر، لما وجد نفعًا. فأمره الله عز وجل أنه ينصره. فقال النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة: «أغدوا إن شاء الله ننصرف». فقالوا: «يا رسول الله، كيف ننصرف؟ أنا كيف ننصرف، لا بد أننا نفتح هذا الحصن». فقال: «اغدوا من الغد»، معنى: افعلوا من الغد. قال: «فكثرت فيهم الجراحات، لأن أولئك متحصنون ويرمونهم بالنبل، فكلما هاجموا في شيء في مكان من الحصن، رموهم من نبل، فقتلوا بعضهم أو جرحوهم، فكثرت فيهم الجراحات». فقالوا: «يا رسول الله، أنا نذهب أو نخرج من هذا». فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام، ثم خرجوا. فجاء الله عز وجل بالخير، وجاء بأهل الطائف كلهم، جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأسلموا. فالمهم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أمره مصلحة للعباد، مصلحة للعباد في كل شيء. ولهذا لا ينبغي المسلم أن يقدم رأيه ويقدم هواه على أمر الله عز وجل. وأردت أن أطرق قضية من القضايا الاجتماعية، وإن كانت القضايا كثيرة، لكن لو أسهبنا فيها لذهب علينا الوقت. لكن هناك قضية من القضايا الاجتماعية، وهي قد تفشت في مجتمعاتنا، وهي خطر، وهي مسألة الاختلاط الذي يحصل في البيوت. مسألة الاختلاط الذي يحصل في البيوت، معنى: أن هذا الأخ يرى زوجة أخيه، ويتكلم معها، ويصافحها، وغيرها من هذه الأمور. وأيضًا ذاك يفعل هذا. معنى: كما يقول بعضهم، معنى: بعض الناس، بل بعضهم من فيه الصلاح وفيه الخير، يقول: «نحن ما نستحي، نحن ما عندنا هذا الحياء». قد معنى: يقول: «هذا تشدد، هذا كذا، نحن عندنا في البيت ما يستحي أحد من أحد». معنى: لا يستحي هذا، لا يستحي الرجل من زوجة أخيه، ولا زوجة الأخ تستحي منه. فهذا الأمر انتشر في بيوتنا، وهذا ليس صحيحًا، وليس أيضًا هذا الأمر من أهل السنة. مثلًا: تشدد من عندهم؟ هذا من النبي عليه الصلاة والسلام، هذا من شرع الله. أخرج الإمام البخاري ومسلم من حديث عقبة بن عامر، قال النبي... قال عقبة: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى عليه وسلم: «إياكم والدخول على النساء، إياكم والدخول على النساء». أي: الانفراد بهن، والدخول في أماكن... أماكن... أماكن هن الخاصة. فقالوا: «يا رسول الله، أرأيت الحمو؟» أنا لأن أكثر الناس مخالطة لهذه المرأة هم الأحماء، أنا إخوان الزوج، أيضًا كذلك من يقرب له من أبناء أخيه. فقال: «فقالوا: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟» قال: «الحمو الموت». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمو الموت». لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحمو الموت»؟ أي: أقرب الناس للرجل من إخوانه هم موت لهم، معنى: هلاك، مراد به الهلاك، لأن الإنسان غالبًا يظن في أخيه الظن الحسن، فلهذا يتساهل معه، والمرأة أيضًا تتساهل مع أصهارها، ومع أحمائها، أحماء زوجها أقصد. فلذلك يحصل من هذا التساهل ما لا تحمد عقباه. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إياكم والدخول على النساء». فلذلك فهذا الاختلاط ليس من أهل السنة، وإنما هو من شرع الله، أمر الله عز وجل بعدم هذا الاختلاط. قد يقول مثلًا الإنسان: «أنا مضطر، نحن مضطرون، ما عندنا إلا بيت واحد». هذا من ناحية صحيحة، لكن الاضطرار عند العلماء أنه كل اضطرار يقدر بقدره. ليس معنى أن الإنسان مضطر، معنى: كما يقولون، يجعل الحبل على غاربه، معنى: ما يحرم حرامًا ولا يتحاشى من شيء. لا. هنا إذا كنتم مضطرين، ما في شيء، كما قال الله عز وجل: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾. على حسب الاستطاعة، تتحاشى من المرأة، وتحتجب من... من أحمائها. وأيضًا على حسب استطاعة الرجل أن يبتعد، وأيضًا يتحاشى زوجة أخيه. فلا سهل، معنى: بعض الناس تجده حتى إذا أراد شيئًا ينادي بزوجة أخيه. معنى: لماذا لا تنادي بزوجته؟ فيجعل الأمر سهلًا. وأيضًا بعض الناس مثلًا يجعل صالة الأكل النساء والرجال، معنى: هؤلاء لا لا دخل لهم بها، معنى: المرأة هذه تستحي أخو زوجها وابن أخيه، فيجعلون المكان واحد، يقول: «نحن ما عندنا تحاشٍ، مثل هذه أو استحياء، وهذا المكان مكان الأكل، يجعلونهم في مكان واحد، يأكلون الرجال والنساء». فهذا خطأ أيضًا، وهو من التساهل الذي يحصل في هذه البيوت. وهذا لا يدركه الشخص، يرى أن هذا مصلحة، فيه تنفس له، يعني: يقول: «ضيق على نفسي، سيضيق عليه الأمر، أو يضيق على المرأة، كل يوم مثلًا تتحجب، كل يوم مثلًا تأخذ معنى نقابها معها أو كذا». فهذا ليس فيه شيء، مدام أنه على شرع الله عز وجل، فيه مصلحة لك، وفيه مصلحة أيضًا لهذه المرأة. وهكذا فالشرع، شرع الله عز وجل، إنما جاء للمصالح وتكثيرها، وكذلك تقليل المفاسد، معنى: اجتناب المفاسد وتقليلها. فلذلك فاتباعنا لشرع الله عز وجل هو الذي يبعدنا عن العنت، وعن المشقة التي تأتي بعد ذلك من جراء عدم اتباع الكتاب والسنة. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. فنبينا عليه الصلاة والسلام رحمة لهذه الأمة، بل للعالمين، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾، كما قال الله عز وجل. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إني كما جاء في الصلاة المسلم، إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة، وإنما بعثت رحمة». وهذه من فوائد هذه الآية العظيمة، أن نبي الله صلى الله عليه وعلى وسلم كان رحيما عليه الصلاة والسلام بأهل الإيمان، وينظر مصالحهم، وكذلك ما يكون فيه صلاحهم وخيرهم في هذه الحياة، وكذلك ما يقول به العبد إلى يوم القيامة. فهذا شيء مما يذكر من هذا، وإن شاء الله وتعالى بقية الفوائد نذكرها في الآية الأخرى، الآية الثامنة، ويقول جل وعلا: ﴿ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً ﴾. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، وأن يجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين. والحمد لله رب العالمين.