قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 8

الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير الآية السابعة من سورة الحجرات وأهميتها

تناول المقطع تفسير الآية السابعة من سورة الحجرات التي تنبه على أهمية التثبت في الأخبار، خاصة إذا كان المخبر فاسقًا. كما أوضح سبب نزول الآية المرتبط بقصة الوليد بن عقبة والحارث بن أبي ضرار.

معنى الفسق وخبر الفاسق في القرآن والسنة

شرح المقطع معنى الفسق وعلاقته بالكفر والمعاصي، وكيفية التعامل مع خبر الفاسق كما جاء في القرآن والسنة، حيث يجب التبين والتثبت قبل قبول أو رد الخبر لتجنب الوقوع في الجهالة والندم.

وجوب التثبت في خبر الفاسق وتطبيقاته العملية

أوضح المقطع وجوب التثبت في خبر الفاسق وتحذير من الفسق والكذب، وأشار إلى أن خبر العدل مقبول بينما خبر الفاسق لا يقبل إلا بالتثبت، مع ذكر أمثلة على قبول خبر الفاسق في بعض المسائل.

حكم التعامل مع المسلم الفاسق وخبره

ناقش المقطع حكم قبول خبر المسلم الفاسق، حيث يتعامل المسلم بحسن الظن ولو كان فاسقا، ويقبل خبره في الأمور الحسنة، مع الإشارة إلى ذكر الفوائد في درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نعقد اليوم الآية السابعة، وهي قول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾. فهذه الآية العظيمة فيها أيضا أدب من الأداب التي يؤدب الله بها عباده، وخاصة فيما بينهم، وخاصة في نقل الأخبار عن الآخرين، ونقل الأقوال عن الآخرين. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، وهذا نداء الإيمان، نداء لأهل الإيمان أن ينتبهوا من هذه المسألة. قد تقدم معنا قول عبد الله بن مسعود، وكما قلنا أنه اشتهر عند المفسرين، وإن كان في إسناده شيء من الضعف، أنه كان إذا قال: «إذا سمعت الله عز وجل يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فأرع لها سمعك، فإنما هو أمر تؤمر به أو نهي تنهى عنه». فهذه الآية نبه الله عز وجل على أمر عظيم، وهو التثبت في الأخبار عن الآخرين. من أخبرك عن شخص من المسلمين أنه قال كذا وكذا، أو حتى من غيره، فهنا لا ينبغي لك إذا جاءك وتعلم أن هذا المخبر رجل فاسق. قد يكون فاسقا بعمله، مثلا يشرب الخمر، أو مشهور بالزنا، أو مشهور بالسرقة، أو غيرها من هذه المعاصي المعروفة التي يكون صاحبها فاسقا. أو أنه فاسق في مسألة الأخبار، يعني قد جرب عنه الكذب، يكذب دائما في الأخبار، أو في كلامه دائما يكذب في كلامه. فهذا أيضا فاسق. فإذا جاءك الفاسق بخبر عن آخر، فإنك لا تقبله ولا ترده، لكن تثبت. لا تقبل هذا الخبر ولا ترده، لكن تثبت، تثبت حتى لا تقول في هذا الذي أخبرت عنه شيئا وهو والخبر غير صحيح، أو كذلك الخبر يكون صحيحا وأنت رددته. ففي كل الأمرين قد تتندم على ردك لخبر هذا أو لقبوله. فلهذا هذه الآية جاءت بهذا المعنى، وجاء فيها سبب النزول. وكما قلنا أن سبب النزول يبين المعنى، فجاء فيها سبب نزول هذه الآية أن رجلا من الصحابة اسمه الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أرسله النبي عليه الصلاة والسلام إلى قوم. والحديث يرويه ضرار أو الحارث بن أبي ضرار المصطلقي، وهو مقدم بني المصطلق، وهو أيضا والد أم المؤمنين جويرية بنت الحارث، زوجة النبي عليه الصلاة والسلام. فالحارث بن أبي ضرار جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأسلم، وأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يجمع زكاة قومه، ثم سيرسل إليهم من يأتي بهذه الزكاة، وأعطاه وقتا أو حدد له وقتا. فذهب الحارث بن أبي ضرار إلى قومه ودعاهم وجلس فيهم وأخذ منهم الزكاة. فلما جاء الموعد الذي حدده له النبي عليه الصلاة والسلام لم يأت هذا الرسول الذي يأتي من النبي عليه الصلاة والسلام ليجمع هذه الزكاة ويأخذها. فاجتمع الحارث ببعض وجهاء قومه وأخبرهم أن النبي عليه الصلاة والسلام أعطاه وعدا، ولا يكون أبدا ويستحيل أن النبي عليه الصلاة والسلام يخلف وعده، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل الوليد بن عقبة إليهم حتى يجمع صدقاتهم. فلما كان الوليد في الطريق خاف، خاف أن يقتلوه. قيل جاء في بعض الروايات إن كان في أسانيدها ضعف أن الوليد بينه وبين بني المصطلق شيء، خاف أن يقتلوه لأنه شارك في غزوة بني المصطلق. فلهذا خاف أن يقتلوه، فرجع من الطريق وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الحارث رفض أن يؤدي الزكاة وأراد أن يقتلني. وفي رواية أن الوليد لما جاء إلى بني المصطلق من كثرة فرحهم بمجيء رسول الله، خرجوا كلهم يستقبلونه. فلما رآهم تجمعوا وأرادوا استقباله، لكن ظن أنهم سيقتلونه، فلهذا رجع وهرب. فلما تأخر هذا الرسول على الحارث، عزم الحارث أنه يأتي النبي عليه الصلاة والسلام، يظن مثلا أن هذا سخط منه، أن حصل هذا الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب عليهم، فلهذا لم يرسل لهم رسولا. فتحرك الحارث مع بعض أصحابه إلى المدينة إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وبعث النبي عليه الصلاة والسلام بعثا لأجل هذا، يقال أنه فيه خالد بن الوليد، حتى يأتي إلى الحارث. وظن النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الخبر أنه ارتد، فأرسل له بعض أصحابه. فالتقى معه في الطريق، التقوا معهم في الطريق، فقالوا: «هذا الحارث». فلما رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أبعثكم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ماذا؟» قالوا: «إليك». قال: «ماذا؟» قالوا: «أخبرك الوليد أنك أردت قتله». فقال: «والله لم يأتنا أو لم نره ولم نكن كذلك». فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أردت قتل رسولي وأيضا رفضت أن تعطيه الزكاة؟» قال: «والله لم أره يا رسول الله ولم يأتنا». فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾. فهذا سبب نزول هذه الآية يدلنا على أن هذا الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو من الصحابة ومسلم، لكن قد يكون خاف فلم يستطع أن يبوح للنبي عليه الصلاة والسلام بخوفه، فجاء بهذا الخبر الذي هو غير صحيح. ولهذا قال الله عز وجل في الآية الأخرى: ﴿واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعاندتم﴾، معنى لو اعلموا أن فيكم رسول الله، أي لأن هذا الرسول سيخبره الله عز وجل بما تقولون. فلو كذب أحد أو جاء بخبر غير صحيح لأخبر الله عز وجل رسوله بذلك. فلهذا لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يصدقكم في كل ما تخبرونه، وأيضا في كل ما تقولونه، لكان قد شق عليكم ذلك. كما سيأتي إن شاء الله تعالى في تفسير تلك الآية. فلهذا الله عز وجل قال لأهل الإيمان: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا�، الفاسق سمي فاسقا من فسقه، والفسق هو خروج عن طاعة الله جل وعلا، أو عن شرع الله سبحانه وتعالى. ولهذا تجد في القرآن الفسق يطلق على الخروج العام، هو الكفر. والفسق أيضا يطلق على خروج على الطاعة، وهو لازال في الإسلام. وهذا هو مذاهب أهل السنة رحمهم الله، يقولون أن الفسق على نوعين، هناك فسق أكبر، وفسق أصغر. وكما فسر ابن عباس رضي الله عنه قول الله عز وجل: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾، قال: «فسق دون فسق». هناك فسق أكبر، لكن هذا الفسق ليس هو الأكبر. ولهذا من تأمل الآيات، ولا حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، يجد أن في بعض الآيات فيها يطلق الله عز وجل الفسق، ويريد به الكفر. مثلا مثل قول الله عز وجل على قوم فرعون: ﴿أولئك هم الفاسقون﴾، ففرعون معروف كفره، فوصفه الله عز وجل بالفسق. وقال الله عز وجل: ﴿وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾، فهذا الفسق المراد به الخروج عن ملة الإسلام، الفسق الأكبر. وأطلق أيضا الفسق على ما هو دون الكفر، مثل قول الله عز وجل في القاضي: ﴿ولا تقبل لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون﴾. وهنا أيضا في هذه الآية المراد به الفسق الذي هو عدم الخروج عن الملة، لأن الله عز وجل أراد معنى المؤمن أن يتثبت فيه، ولو كان هذا الفاسق مسلما. ويبين ذلك أيضا الآية سبب النزول، يبين سبب النزول أن هذا الذي نزلت فيه الآية هو مسلم، بل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، لكن حصل له شيء من هذا العذر، فقال بهذا الكلام. فالفاسق يطلق كما قلنا في القرآن والسنة على الفاسق الذي هو كافر، وكذلك على المسلم الذي ارتكب المعاصي. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر». سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر، أعلى من الفسق، لكنه لا زال في مرتبة الإسلام. فأيضا قال الله عز وجل: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ﴾، النبأ هو الخبر. لكن قال بعضهم للغة أن الخبر ما يسمى نبأ إلا إذا كان ذا أهمية عظيمة، إذا كانت له أهمية عظيمة يسمى نبأ. فلهذا الله عز وجل ذكر النبأ في أماكن عظيمة. ﴿هل أتاك نبأ الخصم﴾، وقال الله عز وجل: ﴿واتلوا عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا﴾، وقال: ﴿واتلوا عليهم النبأ ابني آدم﴾، وغيرهم. الآيات التي جاء فيها النبأ تجد أن الأمر فيها عظيم، وخبر عظيم. فلهذا قال العلماء علماء اللغة أن النبأ هو خبر، لكن لا يسمى نبأ إلا إذا كان له أهمية عظيمة عند الناس. فلهذا قال: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ﴾. ثم قال: ﴿فتبينوا﴾. معنا في قراءة أكثر القراء: ﴿فتبينوا﴾، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿فتثبتوا﴾. معنى التبين والتثبت وهو بمعنى واحد هنا، لكن قد يكون أحدهما أوضح في المعنى من غيره، أو أكثر في المعنى من غيره، زيادة في المعنى من غيره. فلهذا يقولون التبيان أكثر من التثبت، لأن التبين تثبت وزيادة، يعني توضيح الأمر أكثر. ليس فقط أنه يتعرف على من أين جاء الخبر، أو هل الخبر صدقا أو كذبا، بل يتبين أكثر. فلهذا: ﴿فتبين﴾ أكثر من: ﴿فتثبت﴾، لكنها بمعنى واحد. وجاءت كما قلنا في القراءة السبعية هذا وهذا. فلهذا قال الإمام ابن جرير الطبري: «أجمع أهل العلم أن من قرأ بهذه: ﴿تبين﴾ أو: ﴿تثبت﴾ فهي صحيحة قراءة صحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام». معنى قراءة من القراءات السبع. فقراءة حمزة والكسائي: ﴿فتثبتوا﴾، فهذا التثبت لماذا يتثبت؟ لأجل خبر هذا الفاسق. خبر هذا الفاسق الذي جاء الآن من الواقع، الصورة الواقعية والتي جاءت بها النصوص. مثلا الفاسق مثل النمام، النمام الذي يأتي لك بخبر عن أخيك أنه قال فيك كذا وكذا. هذا يعتبر فاسقا وإن لم يعرف عنه الفسق. لماذا هو فاسق؟ لأنه نمام. فالنمام النميمة من الكبائر. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة نمام». وأيضا جاءت أشياء كثيرة في هذا النمام، وهو شر الناس كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا هذا النمام يعتبر فاسقا. فتجد إذا جاءك وأخبرك أن فلان تكلم فيك، وفلان مسح بك الأرض، وفلان فعل وفعل. فهذا النمام فهو فاسق. فهنا يجب عليك أن لا تقبل خبره ولا ترده. الآن ذكر الله عز وجل قال سبحانه وتعالى: ﴿فتبينوا﴾، وهذا لم يقل الله عز وجل: «فردوه»، ولم يقل: «فاقبلوه»، وإنما قال: ﴿تبينوا﴾. فالآن صارت ثلاث حالات، الحالة الأولى القبول، أنه لا يقبله. والحالات الثلاث إما أن يقبله، وإما أن يرده، وإما أن يتمهل فيه وتثبت فيه. فلهذا الله عز وجل هنا قال لم يقل يقبلوه ولا ردوه. فلهذا فخبر الفاسق لا يقبل ولا يرد، لكن يتثبت منه ويتبين منه. لأنه قد يكون صدق في خبره. وقد يكون كذب في خبره. وحيانا ليس كل الأخبار مثلا تأتي مثلا كلام على غيره، قد يكون مثلا خبر فيه حكم فيه حق لآخر، فيه أيضا قضية ميراث، قضية مثلا حقوق، وغيرها من هذه القضايا التي تأتي في الأخبار. فلهذا الله عز وجل لم يأمر بقبوله، ولم يأمر برده، لكن أمر بالتبين. وهذا التبين يأتي بنتيجته إما بالقبول وإما بالرد. أنه يكون القبول والرد بعد التبين. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿فتبينوا﴾، ثم قال: ﴿أن تصيبوا قوما بجهالة﴾، تصيبوا أي تقولوا فيهم أمر فيه جهالة، بسبب أنكم قبلتم قول هذا الفاسق أو رددتم قول هذا الفاسق. فقد يكون الإنسان عنده خبر عن صاحبه أو عن أقاربه أنه مثلا يفعل كذا ويقول كذا، عنده خبر كذلك. فيأتيه إنسان وإن كان يعرف منه الشر ويعرف منه الفسق، رجل مثلا مشهور بخمر. فيأتيه ويقول له: «إن أخاك أو خلانك يقول كذا وكذا»، معنى من كلام الطيب فيك. وأيضا أعطاك أو البيت الذي أو بيتكم فهو يهديه لك، وكذا من هذا الكلام الذي يكون على خلاف ما عندك. فهنا أيضا كذلك لا تقبل هذا ولا ترده، وإنما تتبين فيه حتى قد يكون صدقا وقد يكون كذبا. فإنك إذا قبلته فقلت في أخيك ما ليس فيه، فهذه جهالة. أو رددته وقلت أو ما تظن به في أخيك، وجاء لك هذا الشخص بخلاف ما كنت تظن، لكنك رددته، فلازلت تأتي بكلام على أخيك فيه جهالة. فلهذا قال: ﴿فتصيب قوما بجهالة﴾. قال: ﴿فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾، تصبحوا هنا تصيروا، لأن تأتي كلمة الصباح أو هذا الفعل المشتق يأتي بمعنى الصيرورة. مثل المبيت، كذلك المبيت أيضا يأتي بمعنى المبيت الليلي، ويأتي بمعنى الصيرورة. ولهذا بعضهم فسر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدري أين باتت يده»، أي أين كانت وصارت، أين. وهذا أيضا هنا: ﴿فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾، أي ليس من الصباح وإنما ستصيروا نادمين، سواء كان في الليل أو في الصباح. وهذا موجود في كتاب الله جل وعلا، أي مثلا عن إطلاق كلمة: ﴿فتصبحوا﴾، ويراد به أنكم تصيروا. فلهذا فالمراد هنا: ﴿فتصبحوا﴾، أي فتصيروا على ما فعلتم نادمين، على فعلكم تندموا. هذا الفعل الذي فعلتم، إما بقبولكم خبر الفاسق أو بردكم لخبر الفاسق. فتصبحوا على ما فعلتم نادمين، الندم هنا قد يكون الندم على أنك صدقت هذا الخبر فقلت في أخيك ما ليس فيه. أو قد يكون الندم على أنك رددت هذا القول فقلت أيضا في أخيك ما ليس فيه. أو أنك نشرت هذا الخبر لأنك قبلته وصدقته. مثل ما يحصل الآن في الأخبار التي تعلمون أن باب الأخبار الآن صار واسعا جدا، خاصة في انتشار مثل هذه الجوالات وغيرها من التواصل. فتجد أن الأخبار كثرت، وأيضا قد جعل الله عز وجل للناس مثل الطبيعة في محبة الأخبار، وهو حب الاستطلاع. أن الناس يحبون الأخبار غالبا. ولهذا الله عز وجل حكى لنا أخبارا كثيرة في القرآن. فلهذا فتجد أن النفس تحب هذه الأخبار. فلهذا الله عز وجل قال: ﴿فتبين﴾، لا تقبل هذا الخبر ولا ترده إذا جاءك من الفاسق. ومعنى ذلك أنه إذا جاءك من العدل فالاصل أنه يقبل. فالعادل أنه يقبل، إلا إذا دلت هناك قرائن على التشكيك في الخبر. فهذا هنا لابد أن تتبين. وسيأتي إن شاء الله معنا هذه المسألة بأدلتها. فالآن عندنا قال الله عز وجل: ﴿فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾، يندم على رد الخبر، على قبول الخبر، على أيضا نشره للخبر بدون تثبت. في جميع الحالات هذه الغالب أنه سيندم. لماذا؟ لأنه لم يأخذ بإرشاد الله عز وجل له، وبأمر الله عز وجل له بالتثبت. فلهذا غالبا أنه سيندم، غالبا أنه سيندم. وقد يكون مثلا فعله كان يوافق الصحة، لكن ليس هذا التصرف صحيحا. معنى جاءك خبر من فاسق فقبلته. جاءك خبر من نمام فقبلته. ولهذا تجد أن الصحابة رضي الله عنهم، وكذلك السلف ما يقبلون الخبر من النمام. حتى قال بعض السلف لرجل جاءه ينم على أخيه: «ما لقي الشيطان أحدا إلا أنت، حتى تأتي تقول لي هذا». معنى الشيطان كأنه بحث وما جاء إلا بك، حتى تخبر عن أخيك أنه قال فيك كذا وكذا. وأما الحسن البصري جاءه رجل نمام، قال له: «يا أبا سعيد، فلان يقول فيك كذا وكذا». قال: «فدخل بيته وأعطاه تمرا»، وقال له: «اذهب إلى إن كان حقا، اذهب له بهذا التمر، لأنه أهدى لحسناته، أعطيه هذا التمر مقابل ما أعطاني من الحسنات». وهذا لطف هؤلاء السلف رحمهم الله، لأنه لو كان هذا النمام نم بخبر غير صحيح وأتى بخبر غير صحيح، سيستحي ولا يستطيع أن يعطي هذا التمر لذاك الرجل، لأنه يريد هنا أن يفسد. ولو كان قصده عدم الفساد، وإنما يريد أن يخبر فقط، مثل ما يفعل كثير من الناس، مع أنه يفسد في خبره، لكن يقول: «إن نيتي طيبة». لكن النية الطيبة هنا لا تنفع. أن بعض الناس مثلا يقول: «يأتي وينم وينقل خبرا سيئا مثلا عن فلان أنه قال فيك كذا وكذا»، يقول: «أنا أريد أن أنبهك، أنا أريد أن أنبهك». لا، هذا ليس تنبيها، إلا إذا كانت هناك مفسدة وأردت أن تنصحه، لا تخبره: «فلان قال»، تعال وقل له: «ورد عندي خبر أنك قلت كذا وكذا»، إذا كنت تريد أن تنصحه أو تتثبت من الخبر وتتبين من الخبر، هل هو صحيح أو لا. أما تأتي فتقول له: «فلان قال فيك كذا، وقال فيك كذا، وقال فيك كذا». فهذا نميمة. والنمام يفسد كما قال بعض السلف: «يفسد ما لا يفسده الشيطان في يوم»، معنى يفسد في يوم ما يفسده الشيطان في شهر. الشيطان يأتي يفسد بين الاثنين، يأتي بخطوات، معنى يقول له: «الظاهر شوف الآن ما كلمه مر عليك بدون ما يسلم عليك، الظاهر في قلبه شيء عليك». ثم يكبر هذا، يكبره الشيطان حتى لا يأتي لأخيه ولا يكلم أخاه، بسبب أنه وقع في نفسه هذه الأمور الشيطانية. هذا يحتاج إلى وقت، لكن النمام يفسد في يوم، في لحظة، يفسد بين الأحبة. فلهذا يقولون: «النمام يفسد ما يفسده الشيطان في شهر أو في أكثر من شهر». فلهذا ينبغي للمسلم أن لا يفعل مثل أن يكون النمام ويفسد بين الأحبة، يفسد بين الإخوان، ينقل كلام هذا ويعطيه هذا. فتجد أنه يؤمنه في كلام ويذهب به إلى هذا شخص: «فلان قال فيك كذا». فهذا خطأ. ولهذا الله عز وجل حذر من هذه الأخبار التي يأتي بها النمامون وغيرهم من الفسقة، فقال: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾. فهذا مجمل معنى هذه الآية، وفيها فوائد كثيرة. إن شاء الله تعالى نأخذ هذه الفوائد في درس لاحق. فمن هذه الفوائد التي تأخذ من هذه الآية، أولا وجوب التثبت في خبر الفاسق. وجوب التثبت في خبر الفاسق. والأمر الآخر أيضا أن خبر الفاسق لا يقبل ولا يرد، وإنما يتثبت فيه. وأيضا يأخذ من هذه الآية تحذير من الفسق والكذب، التحذير من الفسق والكذب. ويأخذ من هذه الآية أيضا ومفهومها أن العدل يأخذ خبره، أن العدل يأخذ خبره، إلا إذا دلت قرائن هناك قرائن قوية على خلاف ذلك. وسيأتي معنا إن شاء الله وتعالى الكلام على أدلة هذه المسألة. أيضا كذلك من فوائد هذه الآية أن من قبل خبر الفاسق أو رده، فإنه غالبا سيندم، كما ذكر الله عز وجل، غالبا سيندم. وغالبا أيضا تكون النتائج سيئة، تكون النتائج في هذا سيئة، لأنه لم يأخذ بأدب الله عز وجل الذي أدبه لعباده. كذلك أيضا من فوائد هذه الآية ما ذهب إليه أهل السنة، أن خبر الواحد العدل مقبول، سواء كان في العقائد أو في غيرها. وكذلك أيضا من فوائد هذه الآية أن من قبل خبر الفاسق أو رده، فإنه سيتكلم على أخيه بجهالة، سيتكلم على أخيه بجهالة. والأصل أن خبر الفاسق لا يقبل، الأصل أن خبر الفاسق لا يقبل إلا بالتثبت. وكذلك لا يرد إلا بالتثبت. لكن ذكر بعض العلماء كما ذكر الجصاص وغيره، أن العلماء اتفقوا على قبول خبر الفاسق في بعض المسائل، وخاصة مسائل المعاملات، التي يكون فيها مثل البيع والشراء وغيره. أو مثلا الهدية، فيقول مثلا لك رجل فاسق: «فلان أعطاك هذه الهدية». فهذا غالبا مثلا هذا يقبل. أو إنسان قال: «تعرف أنه فاسق، لكنه قال: فلان وكلني على البيع». وجدته يبيع شيئا، فقال: «فلان وكلني على البيع». فهذا الأصل أنه يقبل منه، إلا إذا كان هناك قرائن تدل على عدم القبول. مثلا أن يكون هذا الشخص معروفا بأخذ أو بالسرقة، يسرق أموال الناس ثم يبيع. فمثل هذا لا شك أنه لا يصدق في كلامه. والمهم الأصل أنه يقبل معاملاته هذه التي تكون بين الناس، بالبيع والشراء وغيره. لأن هذا لم يأت عن الله عز وجل أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم، عدا بقبوله من الفاسق. بل الله عز وجل والنبي عليه الصلاة والسلام تعامل مع اليهود في البيع والشراء. فمن باب أولى المسلم ولو كان فاسقا، فإنه يتعامل معه كذلك، ويقبل خبره في مثل هذه الأمور. فهذا إن شاء الله ما يذكر. وفوائد هذه الآية إن شاء الله نذكرها في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.