الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول التحذير من الكذب على الله ورسوله وعظم خطورة ذلك وعقوبته، ويشدد على أهمية أخذ الدين من مصادر موثوقة ومتواترة. كما يحذر من ترويج الأخبار الكاذبة والافتراء على المؤمنين.
يؤكد على ضرورة التثبت في الأخبار التي تنقل عن العلماء والشخصيات المؤثرة، خاصة إذا كانت تحمل انتقاصا أو إثارة للفتنة، ويبين كيفية التثبت من خلال الرجوع إلى المصدر أو إلى أشخاص ثقات.
يتناول خطورة نشر الأخبار الكاذبة وتأثيرها السلبي على المجتمع، ويحذر من تصديق الأخبار الكاذبة التي تنتشر بين الناس، ويشير إلى أهمية حسن الظن بالمسلمين وبراءتهم من الإفك.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في الدرس الذي مضى تفسير قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، وذكرنا المعنى العام لهذه الآية. وهذه الآية جاءت في الأخبار، والخبر عن الغير أمره متوسع، إذ الخبر يعظم بنقله عن هذا الذي يخبر عنه، فأعظم الخبر أن ينقل عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا خبر عظيم. فلهذا الواجب فيه التثبت أكثر، وربنا جل وعلا قد حذر من القول عليه بغير علم، وكذلك التقول عليه، ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾، وأيضا يقول الله عز وجل عن اليهود: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وغيرها من الآيات التي جاءت في هذا. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من عدة طرق، وعن جمع من الصحابة، أوصلها بعضهم إلى سبعين صحابيا أو أكثر، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار». وجاء في حديث بعضهم: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، أن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». ولهذا علماء أهل الإسلام من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، وهم يأخذون الأخبار من الثقات، وأيضا يتثبتون فيها. ومن مزايا وفضائل هذه الأمة على الأمم السابقة أنها أخذت دينها بالنقل المتواتر الصحيح عن الثقات، وليس كالأمم السابقة مثل يهود، أسانيدها مجهولة، ما يدرون عن من جاءوا به، وهكذا ينقلونه عن كتب أيضا مجهولة. لكن هذه الأمة بحمد الله حفظ الله عز وجل لها دينها، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، نزلنا الذكر، أي الكتاب والسنة، وتكفل الله عز وجل بحفظهما، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. حفظ الله عز وجل هذا الدين العظيم حتى جاءنا في هذه الأزمان المتأخرة غضا طريا، كأننا نسمعه من رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. وهذه ميزة عظيمة ميز الله عز وجل به هذه الأمة، أنهم تثبتوا في أخباره، فما أخذوا الأخبار إلا من الثقات، وكذلك أيضا تتابعوا على هذه الأخبار، فكتاب الله عز وجل جاء متواترا من طرق كثيرة، وكذلك سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فيها المتواتر، وفيها الأحاد الذي رواه الثقات. فلهذا فالخبر عن الله عز وجل، وعن رسوله خبر عظيم، وأن الذي يتساهل فضلا عن الذي يكذب، فإنه متوعد بالنار والعياذ بالله. فلهذا ينتبه الإخوة من أن الإنسان يسند سيئا إلى الرب جل وعلا أو إلى النبي عليه الصلاة والسلام، سواء كان حديثا أو كلاما أو حكما، حتى الحكم، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَصِفُوا أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾. فلا يتكلم إلا إذا علم أن هذا عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول هذا حلال وهذا حرام، أما يحلل من نفسه ويحرم من هواه، هذا لا يجوز، وهذا من الإخبار عن الله عز وجل بالكذب، وبالقول على الله عز وجل بغير علم. وربنا جل وعلا يقول: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال الإمام ابن القيم: إن الله عز وجل جعل القول عليه بغير علم أعظم من الشرك، وليس أنه أعظم من ناحية الإثم، لكن القول على الله بغير علم من أسباب الشرك، من أسباب الشرك القول على الله عز وجل بغير علم. فلهذا كان الإثم العام الذي أدخل هؤلاء في هذه العثام كلها هو القول على الله بغير علم. فلهذا كان الخبر عن الله وعن رسوله عظيم، وأيضا كذلك الخبر عن العلماء، وعن الأمراء والملوك وغيرهم، مما يكون الخبر فيه مهم للناس، وأعظم من ذلك إذا كان عن العلماء، فإنه في الدين. فلهذا ينبغي أن يتحر أعظم في الخبر عن العلماء، لا ينسب شيئا للعلماء، وخاصة في الأمور العظيمة، إلا وهو متأكد منه. وكذلك أيضا الخبر عن غيرهم أيضا كذلك، وعظيم، لكنه كما قلنا يعظم الخبر بعظمة من يخبر عنه. فلهذا هذه الآية جاءت في الخبر عن الغير، وخاصة عن الناس، أن يخبر عن أهل الإسلام أو عن مسلم بشيء. فلهذا فيجب أن يتثبت فيه، ليس مستحب بل واجب أن يتثبت، إذا جاءه الخبر من فاسق، فإنه يتثبت. وقلنا: الفاسق أخذنا من مراد بالفاسق، ولهذا الفاسق لا تقبل منه الشهادة عند العلماء، بل بالإجماع، وإنما اختلفوا من هو الفاسق فقط، لكن إذا انطبق عليه اسم الفاسق، فهو لا تقبل شهادته. معنا الشهادة أقصد في الأمور العملية، ليس المراد شهادة أن لا إله إلا الله، فشهادته مثلا في القضايا، في الخصومات لا يقبل. لا تقبل عن شارب الخمر، الزاني، الكذاب المعروف بالكذب، المعروف أيضا بالنميمة بين الناس، والقالة، فهذا لا تقبل شهادته لأنه فاسق. لهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ شَهَادَةٌ أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، دل على أن الفاسق لا تقبل شهادته. وهل تقبل ولايته؟ ففيها خلاف، وأكثر أهل علم على أنها تقبل ولايته في النكاح. معنى لا ترد ولايته إذا كان هناك أب فاسق أراد أن يزوج ابنته، فهل يصرف عنه هذا الزواج؟ معنى يقال هذا الرجل فاسق أتو لنا بأخيه أو كذا، لا، لا زالت تكون ولايته، إلا إذا أعضل، إلا إذا أعضل. لأن مثل هؤلاء الفسقة غالبا لا يبالي بابنته وبأهله، فتجده كلما جاء رجل يريد أن يتزوجها منعها، خاصة ما يحصل بين الرجل إذا كان مطلق لزوجته وبنته عند أمها، فهذا كثيرا ما يحصل. لكن في مثل هذه القضايا جعل الله عز وجل حلا، فمن أعضل فإن القاضي ينحيه عن الولاية إذا أعضل، معنى منع كلما جاء رجل يريد أن تزوج ابنته منعه، منع هذا الزواج، فهذا القاضي يعضله ويمنعه من الولاية. والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِيَضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، ﴿وَلا تُعارِضوهُنَّ أَن يَنكِحنَ أَزواجَهُنَّ إِذا تَراضَوا بَينَهُم بِالمَعروفِ﴾. فلهذا لا يجوز للولي أن يعضل ابنته، يمنعها من الزواج كلما جاءها زوج منعها منه. فلهذا فيجب التثبت في مثل هذه الأخبار التي تأتي، وخاصة كما قلنا أيضا الأخبار التي تأتي عن العلماء في دين الله جل وعلا، لأنه قد يأخذ عن عالم شيئا غير صحيح من غير تثبت، فإذا تبين من هذا العالم وجد أن الكلام الذي نقل عنه خطأ، وهذا كثير يحصل في مجتمعات الناس قديما وحديثا. حتى أحيانا حصل كذلك في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وشيعت أشياء خطأ، فهذا حديث الإفك عندما اتهمت فيه السيدة عائشة، صديقة بنت الصديق رضي الله عنها، حصل كلام من أناس، بل بعضهم من الصالحين، وأشيعت هذا الكلام، لكن الله عز وجل برأها فوق السبع السماوات، كما سيأتي إن شاء الله معنا في التثبت في أخبار الثقات. فلهذا كما قلنا يجب أن يتثبت الشخص من قول الفاسق، لا يرده ولا يقبله، لكن يتثبت فيه ويتبين فيه، حتى يعرف أنه حق أو يعرف أنه صدق أو ليس بصدق. فالتبين إما أن يكون مثلا يذهب إلى نفس الشخص الذي تكلم، يقول له: فلان نقل عنك أنك قلت كذا وكذا، هل هذا صحيح؟ أو يقول له: أن نقل إلي أنك تكلمت في بكذا وكذا، فهل هذا صحيح؟ أو إن كان مثلا هذا شخص أتى بكلام حصل في مجلس، فيقول له: من كان معك في المجلس؟ وهو يعرف أن هذا الرجل فاسق، الرجل لا يبالي بالكلام ويتقول ويتقول على الناس. فيقول له: من كان معك في المجلس؟ فيقول له: معي فلان فلان، فيذهب إلى أحد هؤلاء ممن يثق بهم، فيقول: هل فلان قال كذا وكذا؟ تحرى في الأمر. وإلا إذا كان كلام مثلا ليس فيه انتقاص من حقه، أنا أقصد من الحقوق التي تكون بين الناس، من الأموال والأعراض وغيرها، فالأولى أنه يسكت عنه، ومعنى يصرف عنه أمره، ولا يصدق مثل هذه الأشياء، أو أنه يتركها من غير تصديق ولا تكذيب، لأن الدخول في مثل هذه الأشياء سيأتي بالشحناء والبغضاء وغيرها. ولهذا كما ذكرنا قبل عن السلف، أنهم كانوا يصرفون المخبر بذلك، ولا يتحققون، بل يتغافلون عن مثل هذه الأمور، لأن في كشف مثل هذه الأشياء أحيانا يكون فيه فتنة، وفيه شر. فلهذا يتغافل عنها لأجل أن لا يدخل في هذا. لكن إذا كان هناك أمر مهم، وفيه حق من الحقوق، أو فيه افتراء على كلام يضر الناس، فلابد أن يتثبت. أنا قيل مثلا: أن فلان قال: إنك قلت كذا وكذا على فلان، فهذا فيه إيقاع في الفتنة، فلابد أن يتثبت في مثل هذه الأخبار. كذلك قلنا من الفوائد: أن مفهوم الآية أن خبر الثقة يقبل، أن خبر الثقة يقبل، هذا الأصل، لكن إذا كانت هناك قرائن تدل على أن هذا الخبر قد يكون مستحيل، أو أن هذا الخبر غير ممكن، أو أن هذا الخبر لا يتوقع أن يقوله فلان. مثلا إنسان عالم، مثلا من علماء السنة، فيخبر عنه أنه يؤيد بعض البدع، أو مثل ما يحصل الآن يؤيد مثلا بعض الثورات أو الحركات أو المظاهرات أو البرلمانات أو غيرها. مثل ما حصل للشيخ الألباني رحمه الله عليه، ما نقل عنه أهل الجزائر أنه يؤيد الانتخابات والبرلمانات، ففهموا كلام الشيخ خطأ. فالشيخ كان يحاجهم على أن هذه الأشياء ليست من دين الله، وأنها من أعداء الله عز وجل، وأنها لا تأتي بخير. فكان السائل يقول له: يا شيخ إنما بيننا وبين أن نمسك الحكم هذه الانتخابات الآن، معنا 99% أو كذا. يقول له: معنا أن الناس أكثرهم معنا، فقال له بعد ذلك مثلا الذي يقول له جدلا: إن كانت كما تقول يا عجل عجل بهذا، وإلا فأنا لا أرى ذلك، وأرى ... وهما. ولما رجعوا إلى الشيخ الألباني، قال: هذا الذي قلت له ما قلت له عجل أني أرى أن ذلك تدينا حكما، وإنما أردت أن أعطيهما أراد جدلا، وأنه سيفهم الحقيقة في الواقع، سيفهم الحقيقة في الواقع. وفعلا حصل ما حصل في الجزائر، وضر الدعوة كثيرا، قد كانت الجزائر شعلة عظيمة في الدعوة إلى الله، وفي أيضا كذلك السنة. فلما فعلوا مثل هذا الفعل، ودخلوا في الانتخابات وغيرها، انعكست عليهم القضية، وصارت فتنة عظيمة بين الدولة وبين كثير من الناس، وظهر أهل الجهاد كما يقولون، والتخريب، وظهر أيضا ممن يقتل بغير أناس أبرياء، وغيرها، حصلت فتن كثيرة، وتشتت الناس في الجبال وفي غيرها. فهذا كله بسبب هذه الخفة من هؤلاء، ونسب ذلك إلى العلماء، كذلك أيضا حتى في الجزائر أيضا، نسب إلى الشيخ بن باز، والشيخ العثيمين، والشيخ ربيع وغيرهم، على أنهم أفتوهم بالجهاد. لكن لما تحققوا وجدوا أن هذا كذب، ولم يفتوهم بالجهاد أبدا، بل أمرهم الشيخ العثيمين أن يخرجوا من الجبال، وأن يصالحوا الدولة، وفعلا خرج كثير منهم. وكذلك الشيخ ربيع حفظه الله أيضا أمرهم أن يخرجوا من هذه الأماكن التي يعني يشعلون فيها الفتن، فخرج أناس كثير في ذلك الوقت، بفضل الله عز وجل، ثم بفضل هؤلاء العلماء، وهدأت الفتن كثيرا. فلهذا فمثل هذه الأخبار أحيانا تشعل الفتن بخبر عن عالم من العلماء، وهو خطأ، وهو خطأ. فكيف إذا كان أيضا هذا الخبر في عرض إنسان؟ فهذا أيضا يكون أعظم. فلهذا الأصل كما قلنا في الأخبار عن الثقات أنها تؤخذ، أنها تؤخذ، لكن إذا كان هناك إشكالات وقرائن على عدم الأخذ، فهنا يتثبت فيها. ولهذا أقرب مثال عندنا ما حصل في حديث الإفك، ما حصل في حديث الإفك، فإن الذي تكلم به أناس صالحون معنا، أقصد ممن تكلم به، وإلا الذي تولى كبره هو رأس المنافقين، عبد الله بن أبي بن سلول. لكن قد تكلم فيه بعض من الصالحين، كمسطح بن أثاثة، وهو من أهل بدر، وكحسان بن ثابت، وهو شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم. والنبي عليه الصلاة والسلام لم يقبل قوله، ولم يرده، لكن تثبت. كان يسأل: هل رأى أحد في عائشة تغيرا؟ هل رأى كذا؟ فكلهم كان يثني عليها رضي الله عنها، حتى زينب بنت جحش، مع أن حماة أختها كانت تتكلم. فلما سأل زينب، قالت: أحمي بصري وأذني، أنا ما سمعت شيئا ولا رأيت شيئا. وهكذا قالت أيضا غيرها من نساء النبي عليه الصلاة والسلام. وسأل أسامة، وسأل عليا، وغيرهما. وهذا من التثبت في الأخبار، مع أنها جاءت من بعض الصالحين. بل أم مسطح لم تصدقه، حتى لما تعست، قالت: لعن الله مسطحا. فقالت لها عائشة: أتسبين رجلا قد شهد بدرا؟ أنا كيف أسبه وهو ابنها؟ قالت: ما سمعت ما قال. ثم أخبرت عائشة رضي الله عنها بما قال، وبما قال هؤلاء. ثم برأ الله عز وجل هذه المرأة الصالحة الصديقة. وهذا فيه عبرة، وأيضا آية من آيات الله عز وجل، برأ الله عز وجل هذه المرأة من هذا. أهل الإيمان لما جاءتهم مثل هذه الأخبار، لم يؤمنوا بها، ولم يصدقوها، بل جاء في الآيات أن الله عز وجل يقول: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾، في الآية التي قبلها، قال: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾. ولهذا جاء في الصحيحين: أن أبا أيوب لما سمع هذا الخبر، قال لأم أيوب: أسمعت ما قال على عائشة يا أم أيوب؟ قالت: نعم، قال: لو كنت أنت مكان عائشة، أكنت فعلت ذلك؟ قالت: لا والله. فقال: عائشة خير منك. قال أبو أيوب: عائشة خير منك. وهذا يدل على حسن ظن الصحابة بهذه الصديقة، وهذا آية عظيمة جعلها الله عز وجل لأهل الإيمان. فجاء هؤلاء الروافض الأرجاس، ويتكلمون فيها، وهؤلاء الحوثة أيضا الأنجاس في اليمن أيضا يتكلمون في هذه الطاهرة المطهرة، بعد أن برأها الله. فأي كفر بعد ذلك؟ فهذا تكذيب للقرآن الذي يتكلم في عائشة، ويصفها بما برأها الله عز وجل منها، فهو كافر بكتاب الله، بإجماع العلماء، فهو كافر بإجماع العلماء. لم يختلف في هذا، بل قال شيخ الإسلام: بل لا شك في كفر من لم يكفر مثل هذا، لأنه يناقض القرآن، ويكذب القرآن. فكيف يكون مثل هذا مسلما؟ هؤلاء كفار، ولهذا جهادهم جهاد صحيح، ولا ينبغي المسلم أن يتعاطف مع هؤلاء الذين يفترون على الله عز وجل الكذب، ويكذبون بكتاب الله جل وعلا، ويناقضونه. ويقول: هؤلاء فعلوا وفعلوا، انظر إلى ما افتروا في دين الله عز وجل. المسلم ينبغي أولا أن ينظر إلى الدين، لا ينظر إلى الأمور الاجتماعية، الاجتماعية الاقتصادية وغيرها من هذه الأمور، فيقدم أولا أمر الدين، ينظر ماذا فعلوا في الدين. فكذلك أيضا النظر إلى الكفار، لا ينظر إليهم نظرة اجتماعية اقتصادية، وكذا، ينظر أولا أنهم كفروا بالله. وهؤلاء أيضا الروافض كذلك أعظم، ليس عندهم أخلاق، لأنهم كفروا بالله، كفروا بالله عز وجل، وبرسوله صلى الله عليه وسلم. فمن أين لهم الأخلاق؟ لهذا تجد أنهم يقتلون أهل الإسلام، حتى في المساجد، وقد جاء الخبر، وهو خبر صحيح، أنهم قتلوا رجل إمام مسجد، وذبحوه في القبلة، وهذا إجرام عظيم. يعني يفعلون مثل فعل اليهود، بل حتى اليهود ما يفعلون هذا في الفلسطينيين وغيرهم من المسلمين. فلهذا تجد أن هؤلاء يتقولوا على الله عز وجل، وكذلك عندهم حنق على المسلمين، وغضب. فلهذا ينبغي علينا أولا كما قلنا: أننا نتثبت من الأخبار التي تكون فيها شيء من هذه الأمور، يعني ينقل عن شخص مؤمن، رجل صادق، ينقل عنه خبر غير صحيح، أو ينقل عنه خبر مناقض لما هو عليه. فمثل هذا لا يصدق أبدا، ولو كان من ثقة، ولو كان من ثقة، كما هنا في هذه القضية، وفي قضايا أخرى كذلك أيضا. كذلك أحيانا أمر يشاع بين الناس، أمر يشاع بين الناس، ويتلاقفه الناس بعضهم بعضا، فهذا غالبا أو قد يكون هذا الخبر كذب، والذي أول من بدأ فيه كذب فيه. ثم أشيع هذا الخبر، بل بعض الأخبار مثلا تشاع إلى أمة كاملة، انظر إلى النصارى، النصارى أشاعوا أن عيسى بن الله، وكتبوا في كتبهم أن عيسى بن الله، حتى حرفوا التوراة، وذكروا نصوصا ليست من التوراة أن عيسى بن الله. فهل هذا صار؟ هل إشاعة مثل هذا الخبر يكون صدقا؟ لا، كذبه الله عز وجل في القرآن، وفي غيره، ليس هناك في التوراة شيء يدل على أن عيسى بن الله أبدا، وإنما في التوراة المحرفة. فهذا أمر أشيع بينهم حتى صار مثل اليقين عندهم، لكنه كذب، وافتراء على الله عز وجل. وكذلك أيضا اليهود، أقصد اليهود أيضا يقولون: عزير ابن الله، وشاعوا ذلك، وكذبهم الله عز وجل. ولا شك أن هذا كذب، ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله. وقال أيضا ربنا سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وقال أيضا: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾. وقال أيضا: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، وقال أيضا: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾. وقال أيضا: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، وقال أيضا: ﴿نَفْهَمُ عَنْهُ الصَّاحِبَةَ﴾، وهي الزوجة، فكيف يفتري هؤلاء مثل هذه العظائم؟ فمثل هؤلاء يكون خبرهم كذب، ولو كانوا على صلاح، ولو كانوا على صلاح. معنى هذا كان قبل النبي عليه الصلاة والسلام، كانوا ناس من القسيسين والرهبان، وأحبار اليهود، كانوا يقولون مثل هذه الأشياء، وهم عند الناس أنهم أهل صلاح، لكنه كذب. كذلك أيضا كما قلنا: الأمور التي تشاع، وغالبا لم يتأكد منها الشخص، فمثل هذا ولو كثر ترويجها، لابد من التثبت فيها. ولهذا جاء في الصحيحين، عن ابن عباس، عن عمر رضي الله عنه، في حديث المرأتين اللتين تآمرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه، وعن أسيد بن حضير، أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق أزواجه، فجاء رجل من الأنصار، وكان يعمل مع عمر، وكان يتناوب معه العمل، فقال: يا عمر، إن النبي صلى الله عليه وسلم قد طلق نساءه. فعمر رضي الله عنه لم يستحمل هذا الخبر، فخرج حتى ذهب إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل عنه، فقيل له: إنه غير موجود. فدخل على عائشة، وكان قبل الحجاب، وقال: يا بنت الصديق، ما أمرك؟ ما الذي فعلتموه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: يا ابن الخطاب، خلني، معنى تقول له: أنا مشغولة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم تركني. فقالت له: خلني من ذلك، واذهب إلى عيالك، معنى يذهب إلى ابنتك، وعيها، لا تعبني، أنت إنما عب ابنتك، إذا كنت تريد أن تعب. فذهب إلى حفصة، فقال لها بهذا الكلام، فكانت تبكي رضي الله عنها. ثم قال لها: أين رسول الله؟ قالت: في المشربة، معنى عمل له غرفة. فجاء عمر رضي الله عنه، واستأذن عدة مرات، حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، ووجد النبي صلى الله عليه وسلم كان ما به إلا إزار، وليس عليه رداء في أعلى الجسم، حتى وكان نائم في حصير، حتى أثر الحصير في جنبه. فلما رآه عمر، بكى عمر رضي الله عنه، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ قال: يا رسول الله، هذا كسرى وقيصر، وأنت رسول الله في هذا الحصير، معنى أولئك يتنعمون، وأنت رسول الله، ليس عندك شيء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك عجلت لهم طيباتهم في هذه الحياة، عجلت لهم الطيبات، أي هؤلاء الكفار. ولهذا ترى الكفار عندهم من الأموال، وعندهم كذا، فلا ينبغي أن يغتر الإنسان بما عند الكفار. لا، فلا يغررك تقلبهم في البلاد. فلهذا قال: قد عجلت طيباتهم. ثم تكلم عمر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال له: يا رسول الله، طلقت نساءك؟ قال: لا. فرفع صوته عمر بقول: يا الله أكبر. قال: أخبر الناس. قال: أخبرهم. فأخبرهم عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلق، مع أنه قد أشيع أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق. فلهذا فقد يكون هناك إشاعات تخرج، أو تشيع تشاع في البلاد، فيتلقفها بعض الناس، ويظن أنها صحيحة، فيتكلم بها. ولهذا مثل هذا الباب قد يكاد أنه لا يسلم منه أحد، إلا من رحم الله، ومن راقب الله عز وجل في مثل هذه الأمور، لأنها خاصة مع هذه ما يحصل من التواصل، والرسائل في الواتساب، والفيسبوك وغيرها، فتحصل إشاعات كثيرة، وأخبار كثيرة. فلهذا تجد الناس يشيعونها، كلما جاءهم رسالة، يوزع هذه الرسالة في أكثر من موقع، وهذا يوزع، وهذا يوزع، فيشيع الخبر، وتجد أن هذا الخبر كذب، وتجد أن هذا الخبر كذب. وهذا كثيرا ما يحصل. ولهذا في الإشاعات الواجب على المؤمن أن يتثبت. والنبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث المغيرة، قال عليه الصلاة والسلام: «وإن الله كره لكم ثلاث: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». «قيل وقال» معناه: قال فلان، وقال كذا، وقال كذا، من إشاعة الأخبار التي لا زمام لها، ولا خطام، وتكون إشاعات، وغالبها يكون كذبا، فيدخل الإنسان في إشاعة الكذب، وإن كان هو الذي كتب الكذب، فهذا يدخل في حديث سمرة بن جندب فيما رآه النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة من عذاب من يكذب، وينتشر كذبه. حتى جاء في صحيح البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا جالسا، ورجل عليه قائم، ومعه كالكل يطعمه في فمه، ويشرشر فمه، وعينه، وأنفه من أمامه إلى قفاه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فقلت: يا جبريل، من هذا؟ فقال: هذا الكذاب الذي يكذب الكذبة، ثم تبلغ الآفاق، يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق. وهذا الآن حاصل، رجل يكتب، وهو في مثلا دولة أوروبية، وينتشر إلى هنا، رجل يكتب، وهو في الخليج، وينتشر في بقاع الأرض، وهو كذب، وهو يتعمد هذا الكذب، مثل ما يفعل الآن بعض السياسيين، سواء كان معناه في هؤلاء الأحزاب، فهذا يكتب لصالحه، وهو يعلم أنه كذب، يمدح إنسانا، أو يذم إنسانا، أو يأتي بخبر في ثناء على إنسان، وكذا، وهو يعلم أنه كذب، لكن مصلحة حزبه، ومصلحة ما هو عليه. فهذا كله يعتبر من الباطل، وأيضا من الكبائر، يعتبر من الكبائر التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيها هذا الوعيد. فلهذا يحذر الإنسان من هذه الإشاعات التي تشاع، كذلك أيضا في هذا الحديث، أو في هذه الآية، التحذير من الفسق والكذب. قد ذكرنا الفسق، والكذب أيضا قد حذر الله عز وجل عنه، وخاصة الكذب على الله عز وجل، وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، كما ذكرنا آنفا. وأيضا كذلك في هذه الآية: فيها أن المعتمد عند أهل الإسلام: أن هذه الأخبار التي جاءت عن العلماء والثقات أنها مقبولة. وقد ذكر جميع العلماء، وحكوا إجماعا، كما ذكره الشافعي وغيره: أن العلماء قبلوا أحاديث هؤلاء الثقات عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإن كانوا من الأحاد، ولو كان واحدا، أو اثنان، أو ثلاثة، وإن كانت مثلا في الصحيحين، فهي تعتبر من المتواتر، تعتبر أقصد من الأحاد التي يقطع بها أن النبي عليه الصلاة والسلام قالها. فلهذا فهذه بعض الفوائد التي تأخذ من هذه الآيات باختصار، أو هذه الآية باختصار، وإلا فهذه المواضيع واسعة، لكن حسبنا أن نكتفي بهذا. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير. والحمد لله رب العالمين.