الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 669، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
كان هشيم بن بشير من كبار الحفاظ ومقارناً بسفيان الثوري، غير أن تدليسه الكثير أنزل حديثه عن مرتبة كبار الحفاظ. كما يبرز المقطع مكانة سعيد بن جبير العلمية وقتله على يد الحجاج بن يوسف، وما تبع ذلك من انتقام الله منه.
تروي القصة امرأة نذرت صيام شهر إن نجاها الله في البحر فلم تصم حتى ماتت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ابنتها أو أختها بصيامه عنها. يناقش العلماء أنواع النذر وحكمها، فذهب الجمهور إلى كراهة النذر كله دون تحريمه، بينما رأى ابن تيمية تحريم نذر المقابلة، مع اتفاق على وجوب الوفاء بالنذر إذا وقع.
ذهب الجمهور إلى جواز صيام الولي عن الميت في كل صوم واجب (رمضان، نذر، كفارة) إذا أدرك الميت وقتاً للقضاء، ويجوز لغير الولي التبرع بالصيام قياساً على الحج والصدقة. كما أجاز كثير من العلماء النيابة في أعمال العبادة كصوم، صدقة، حج وعمرة، مستدلين بالحديث النبوي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا عمر بن عون، قال: أنبأنا هشيم. وهشيم هو ابن بشير الواسطي، كان من الحفاظ الكبار، كان حفظه يقارَن بالثوري، لا يقولون: هشيم حفظه كالثوري، أي كسفيان الثوري، وهذا يدل على كثرة حفظه؛ لأن سفيان كان آية في الحفظ، يعني يحفظ الشيء من أول ما يسمعه، يعني لو سمعه مرة حفظه، وأيضا ليس حفظا عاديا وإنما حفظ إتقان. ولهذا كان يحيى بن سعيد القطان يقول: الحديث إذا سمعته من سفيان عن الأعمش كان أحب إلي من أن أسمعه من الأعمش نفسه. يعني: الحديث الذي أسمعه من سفيان عن الأعمش أفضل عندي وأحب إلي من أن أسمعه مباشرة من الأعمش. لماذا؟ لأن سفيان قد سمع من الأعمش قديما، وغالبا الإنسان إذا كبر تجد أنه ينسى، والناس يختلفون في ذلك، ومنهم من ينسى كثيرا، ومنهم من ينسى قليلا، فيقل الحفظ كلما كبر الإنسان قل حفظه. فلذا فالحديث الذي يحدث به الإنسان في شبابه، أو في لازال في قوة عمره، لم يشخ ولم يكبر سنه، تجد أن حفظه أفضل. فكان سفيان يحفظ هذا الحديث عن الأعمش في إتقان، وكأن الأعمش يحدث بها. ويحيى بن سعيد قد أدرك الأعمش وسمع منه، لكن يقول: إن حديث سفيان عن الأعمش أحب إلي من أن أسمعها من الأعمش نفسه. وهكذا هشيم كان حافظا كبيرا، لكن كان يدلس، كان يدلس كثيرا في الأحاديث، ولهذا نزل حديثه عن كبار الحفظ كشعبة وسفيان بسبب التدليس في الأحاديث. لكن غالبا ما يدلس عمن سمعه كثيرا، كأبي بشر جعفر بن أبي وحشية، والحسين بن عبد الرحمن، وغير هؤلاء، ما كان يدلس عنهم. واشتهر عنه أيضا تدليس لم يكن مشهورا عند الناس في ذلك الوقت، حتى جاء مرة إلى تلاميذه فقالوا له: حدثنا دون أن تدلس. فقال: اكتبوا: حدثنا فلان وفلان، حدثنا فلان وفلان، حتى انتهى. فقال: هل دلستم عليكم اليوم؟ قالوا: لا. قال: بلى، قد دلست عليكم، فإن قولي: وفلان، فإني لم أسمعه من فلان، وإنما سمعته من المباشر، معنا سمعه من الشيخ الذي باشر به السماء. لكن هذا الشخص أيضا روى هذا الحديث، لكنه لم يسمعه منه. وهذا سماه العلماء تدليس العطف. قال: أنبأنا هشيم عن أبي بشر، وهو جعفر بن أبي وحشية الكوفي، قال: عن سعيد بن جبير. وهذا علم من أعلام الإسلام، وكان فقيها من فقهاء الإسلام، كما قال الإمام أحمد: «ومن للناس مثل سعيد بن جبير؟» يرحم الله سعيدا، لما مات سعيد فقدت الأمة علما من أعلامها. وقد قتله ذلك الحاكم الظالم حجاج بن يوسف، وقتل سعيد بن جبير، ومات بعده بخمسة عشر يوما، لم يهْنَ بعيش بعد قتله سعيد بن جبير، بل كان يصيح في مرضه، وقد ثبت أنه كان يقول: «ما لي ولسعيد؟ ما لي ولسعيد؟» حتى مات، أو قتل، أو حتى مات بعده بخمسة عشر يوما. وانتقم الله عز وجل لأوليائه، فإن الحجاج ما كان يجل حتى أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ما كان يجلهم، كان يغلط قوله حتى على الصحابة، إلا بعضهم مثل عبد الله بن عمر وغيره، فكان يعظم عبد الله بن عمر، وأيضا يلطف له بالقول. ولما أصيب عبد الله بن عمر في المسجد الحرام جاء الحجاج يزوره، وقال: لو أدري من فعل بك هذا لقتلته. قال: أنت فعلت بهذا، أنت الذي أمرت بإدخال السلاح إلى المسجد، ولم يكن يدخل. وجاء في رواية أنه قال: ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إدخاله، لأنه أصابه شيء من السلاح الذي كان مع العسكر في المسجد الحرام. فلذا كما قلنا: الحجاج ما كان يعبأ بأحد إلا ببعض الصحابة، وإلا فبعض الصحابة أيضا لم يكن يتلطف إليهم، فكان يقول لسلمة بن الأكوع: «ما لك يا سلمة؟ ارتدت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعربت؟» ما لك ارتددت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعربت وتنصرت عربيا؟ فقال له سلمة: لم أرتد، ولكني استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في البدو فأذن لي. لأن المهاجر والأنصار، أو المهاجر، لا يجوز له أن يتعرب، يكون بدويا أعرابيا بعد الهجرة. فلذا قال الحجاج لسلمة هذا الكلام: ارتددت على عقبيك وكذا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعربت. قال: والله لم أرتد، لكن استأذنت النبي عليه الصلاة والسلام في البدو فأذن لي. قال: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن امرأة ركبت البحر فنذرت: إن نجاها الله أن تصوم شهرا، فنجاها الله فلم تصم حتى ماتت، فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تصوم عنها. قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وأصله في الصحيح. أصله في الصحيح: أي المرأة التي جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالت: إن أمي ماتت، أو قالت: إن فلتت نفسها، وأنها لو تكلمت لتصدقت. وجاء في رواية أنها كان عليها صوم نذرت أن تصوم، فماتت ولم تصم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «دين الله أحق أن يقضى، صومي عنها». فأصل هذا الحديث موجود في الصحيحين، لكن من حديث عقبة بن عامر. فابن عباس رضي الله عنه فصل هذا الحديث، وذكر سبب هذا الحديث، وسبب النذر الذي نذرته هذه المرأة، فقال: أن امرأة ركبت البحر فنذرت: إن نجاها الله أن تصوم شهرا. وهذا نذر يسمى نذر المقابلة، وقد كرهه جماعة من العلماء، وقال شيخ الإسلام بتحريمه. لكن الصحيح، وهو قول الجمهور، أنه ليس محرما، وإنما داخل في الكراهة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن النذر، وقال: «إنما يستخرج من البخيل». ثم جاء في الصحيحين عن ابن عمر: نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن النذر، وقال: «إنما يستخرج من البخيل». معناه: أن البخيل الذي يفعل هذا، ما يصوم وما يطيع الله، أو ما يطيع الله عز وجل إلا إذا نذر على نفسه وألزم نفسه، وأما إذا لم يلزم نفسه فهو يفلتها. فقال: «إنما يستخرج من البخيل». فأكثر العلماء حمل هذا الحديث على النذر كله، سواء كان نذر المقابلة، أو نذر اللجاج، أو نذر البر الذي ينذر في البر والطاعة، أو غيرها من النذور. ونذر اللجاج هو نذر الغضب، أن ينذر في غضب، وغيرها من هذه النذور التي جاءت، أو التي يستعملها الناس. فجاء النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن لا ينذر. لكن إذا نذر فإنه يجب عليه أن يوفي نذره. ولهذا الله عز وجل يقول: ولما أثنى على من ينذر ويفي: ﴿وَالَّذِينَ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾. وأما قوله جل وعلا: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، هذا ليس فيه أنه مدح أو ذم، وإنما أن الله عز وجل يعلم الأعمال. فلذا قال كثير من أهل العلم: إن النذر مكروه كله، مكروه، سواء كان نذر المقابلة أو غيره. وخصه، كما قلنا، شيخ الإسلام، والظاهر أنها رواية عن الإمام أحمد، أن النذر، أن هذا الحديث المقصود به نذر المقابلة. نذر المقابلة؛ لأن نذر المقابلة كما قال شيخ الإسلام: فيه سوء أدب مع الله، وكأن الله عز وجل يحتاج إلى طاعة هذا الطائع حتى ينظر، فيقول مثلا: إن نجى الله عز وجل، أو أنجانا الله، سأصوم كذا وكذا، أو يقول: إن شف الله مريضي أتصدق بكذا وكذا، يعني كأن الله عز وجل محتاج إلى هذه الطاعة من هذا العبد. لكن هذا فقط، كما قال بعض العلماء: هو حث النفس على الطاعة، وأيضا كذلك تعليق هذه الطاعة بالدعاء لله عز وجل، وهذا من باب حسن الظن بالله سبحانه وتعالى. هكذا فسره بعض أهل العلم. قال: فنذرت: إن نجاها الله أن تصوم شهرا، فنجاها الله، ولم تصم حتى ماتت. ولم يذكر ما سبب عدم صومها، هل هي أهملت ذلك، أم أنها أصابها مرض، أو شغلت، أو كذا، فلم يذكر لماذا لم تصم. قال: فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرها أن تصوم عنها. وهنا الأمر: هل هو أمر وجوب، أم أمر ندب استحباب؟ والصحيح أنه أمر استحباب؛ لأنها ليس هذا الصوم عليها، وإنما على ابنتها، على أمها مثلا، وليس عليها. فلذا فهموا باب الاستحباب أنها تصوم عنها. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. فالأمر على أمها، وليس عليها، لكن من باب قضاء الدين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دين الله أحق أن يقضى، دين الله أحق أن يقضى». فهي دين على هذا الميت، يقضيه ورثته. وقد جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه». من مات وعليه صوم صام عنه وليه. وقد اختلف العلماء في هذا الحديث: هل هو المراد به النذر، أم أنه مطلق الصوم الواجب، سواء كان نذرا أو قضاء رمضان أو كفارة؟ فذهب الجمهور إلى أنه مطلق الصوم، وقول الشافعي ومالك، وذهب أحمد في الرواية المشهورة عنه إلى أن هذا في النذر، أن القضاء لا يكون إلا في النذر. لأن الأحاديث التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام في الإذن بالصوم جاءت في النذر. وهذا صحيح، هذا صحيح، لم يأت حديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأحد: صم عن أبيك، أو صم عن أمك، أو كذا، لأجل أنها فاتتها أيام الصيام. لكن جاء في النذر، جاء في حديث عقبة بن عامر، وجاء أيضا من حديث عائشة، وجاء من عدة أحاديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أيضا في حديث القثعمية، حديث أسامة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصوم عن أبيها. أيضا في رواية خارج الصحيح، وإلا في الصحيحين أنها سألته عن الحج، قالت: إن أبي قد أدركته فريضة الحج، وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يستقر على الراحلة، أفحج عنه؟ قال: «نعم، حجي عني». فلذا اختلف العلماء كما قلنا في هذه المسألة. وظاهر حديث عائشة: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه»، دل على أنه كل صوم، أنه كل صوم واجب عليه أن يصوم، فمات وهو قد استطاع أن يصوم، معنا كان عنده الوقت الذي يصوم، الساعة التي... الساعة في الوقت في صيامه. أما إذا لم يجد ساعة، ولم يجد وقتا يصوم هذا القضاء، فهنا لا شيء عليه، ولا على أوليائه أن يصوموا. وهذا ذكر ابن قدامة أنه لا خلاف يعلمه في تلك المسألة أنه لا يصوم. وأما إن كان وجد ساعة ثم لم يصوم، أنا مثلا جاءه المرض في رمضان، ثم شفي في شوال، وجلس مثلا إلى ذي الحجة ولم يصم، فهنا يبقى الصوم عليه، يبقى الصوم هذا عليه دينا، يصوم عنه أولياؤه، أو من أراد أن يتبرع، ولو لم يكن من أوليائه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أجاز صيام الغير، أجاز النيابة في الصيام، أجاز النيابة في الصيام. فلذا فلا فرق بين أن يصوم وليه، أو يصوم غيره، أن لو كان إنسان صديقه أراد أن يصوم عنه، فلا بأس أن يصوم عنه، مثل الصدقة كذلك، مثل الحج، النيابة في الحج، في العمرة، وكل ذلك جائز، مادام أنه قد أجيزت النيابة، فلا فرق بين ابنه أو وليه وبين غيره، فيصوم عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز النيابة عنه، فلذا فيجوز أن يصوم غير أوليائه، يجوز أن يصوم غير أوليائه من باب التبرع، من باب التبرع عنه. وهذا أيضا كما قلنا اضطرد في الحج، أنه يجوز أن يصوم نيابة عن شخص، لا مثلا لا علاقة له به. وهذا قول جمهور العلماء، وخالف الظاهرية. وصحيح أنه جائز، لأن النبي عليه صلى الله عليه وسلم إذ أجاز النيابة فهو جائز، حتى في الصدقة يجوز. وقول الشيخ الألباني رحمة الله عليه في هذا ليس صحيحا، أنه يقول: إن الصدقة والنذر لا يكون إلا للابن، يعني لا يجوز أن يصوم أو أن يتصدق إلا الابن؛ لأن الحديث جاءت في الابن. وصحيح جاءت في الابن، لكن ما دامت النيابة جازت، جازت لغيره، جازت لغيره؛ لأنه لا فرق، وكما يقول العلماء: الشرع لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق. فلذا أجاز كثير من العلماء النيابة في هذه الأعمال، سواء كانت صوما أو صدقة، أو كذلك حجا أو عمرة، فيجوز أن يفعلها غير الأولياء، يجوز أن يفعلها غير الأولياء. هذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.