الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 668، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يقر الإسلام العقود والقسمة الصحيحة التي تمت في الجاهلية فتبقى على ما كانت عليه، ويميز بين العقد الصحيح الذي يُبنى عليه النكاح فيبقى بعد الإسلام، والصحبة المحرمة التي تتطلب عقداً جديداً. كما يظل الناس على ما كانوا عليه في المعاملات والمواريث التي لم يأتِ الإسلام بتغييرها.
يحرم أخذ الأموال بالباطل ك الربا والسرقة، ويجب ردها إلى أهلها أو صرفها في مصالح المسلمين العامة كالمدارس والمرافق إذا تعذر ردها، ولا تصرف في المساجد. وهذا الحكم يشمل أرباح الربا غير المقصودة التي حصل عليها المسلم فلا يحل له الاحتفاظ بها.
يؤكد الحديث النبوي أن كل قسمة أدركها الإسلام فهي على قسمة الإسلام، ولا يجوز الرجوع إلى أحكام الجاهلية أو القوانين الوضعية المخالفة للشريعة. وما كان من أحكام جاهلية لم يرد فيها نص شرعي فالأصل بقاؤها إلا إذا خالف حكماً شرعياً ثابتاً فيصحح بما يوافق الشرع.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال الإمام أبو داود رحمه الله: حدثنا سليمان بن الأشعث بن بشير السجستاني، قال: حدثنا حجاج بن أبي يعقوب، وهو حجاج بن يوسف بن حجاج الشاعر، وهو حافظ، وصفه بالحافظ جماعة من العلماء، منهم أبو حاتم رحمه الله، ولم يأخذ ابن معين فيه. قال: أخبرنا موسى بن داود، وهو كوفي، تكلم بعض أهل العلم في حفظه، لكن حديثه لا ينزل عن الحسن. قال: أخبرنا محمد بن مسلم، وهو أبو عبد الله الطائفي المكي، وأيضا تكلم في حفظه، لكن أيضا حديثه حسن. عن عمر بن دينار، وهو الجمل المكي، وهو من حفاظ الحديث، حتى قال شعبة: ما رأيت أحدا يؤدي الحديث كتأدية عمر بن دينار. عن أبي الشعثاء، وهو جابر بن زيد، صاحب عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، قال: عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام فإنه على قسم الإسلام». قال: هذا حديث حسن. ومحمد بن مسلم هو الطائفي. طيب، هذا الحديث حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم»، سواء كان قسمة مواريث، أو قسمة شركات، أو قسمة ما يحصل في العقود وغيرها، عقود بيوع أو عقود نكاح. فكل ما حصل في الجاهلية ورضوا بذلك فهو يبقى على ما قسم، على حكم الجاهلية، إلا إن كان باطلا. أما الباطل فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كل أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، وأولها ربا العباس، وأولها ربا العباس». فالنبي عليه الصلاة والسلام... ما كان من قسم ليس فيه مخالفة، يعني ليس فيه أخذ أموال الناس أو شيء من الحرام المعروف، فإنه يقبله. ولهذا من هذا الباب جعل معنى عقد الجاهلية أو ما عقد في الجاهلية أقره الإسلام، فإن العقود التي حصلت في الجاهلية لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة العقد، بل قبل ومضى العقد على ذلك، جعل العقد يمضي على ذلك. ولهذا قال أكثر أهل العلم: إنه إذا أسلم رجل وامرأته فيبقيان على ما هم عليه من العقد، إذا كان بينهما عقد. أما إذا كان صحبة، مثل ما يحصل الآن مثلا في بعض الدول الكافرة، يكون الرجل عنده صديقة، ما يسمونه «بوي فرند» أو نحو ذلك، فهذه الصديقة لم يعقد عليها وإنما يزني بها، فإذا أسلم هذا الرجل وهذه المرأة فهذا لابد لهما من عقد، لابد أن يعقدا عقدا. وأما إذا عقد عليها بأي طريقة كانت في الجاهلية في كفرهم، لكن تكون عقدا، ليس صحبة فقط، بمعنى يكون زواجا، فإذا كان عقد عليها ثم أسلم وأسلمت هي، فإنهما يبقيان على عقدهما. كذلك أيضا قسمة المواريث وغيرها مما حصل في الجاهلية يبقى على ما قسم. وهكذا غير ذلك من هذه الأمور التي حصلت وليس فيها مخالفة ظاهرة. أما إن كان فيه أخذ أموال الناس بالباطل، فهذا لم يرضه النبي عليه الصلاة والسلام، بل قال: إنه موضوع تحت قدميه عليه الصلاة والسلام، وأول ما وضعه النبي صلى الله عليه وسلم ربا العباس. معنى ربا في الجاهلية، فقال: هذا أول ما وضع. لما كان في الحديبية، لما جاء عروة بن مسعود الثقفي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يكلمه، وقال له: كيف تأتي وتريد أن تقاتل أهلك وعشيرتك؟ فهل سمع الناس بذلك؟ وغير هذا من هذا الكلام. وكان يريد أن يمس لحية النبي عليه الصلاة والسلام، وكان المغيرة بن شعبة فوقه عند النبي عليه الصلاة والسلام كالحارس، فلما أراد أن يقرب يده من لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضربه بالسيف، فقال: من هذا؟ وكان ملثما، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر! لا زلت أسعى في غدرتك. ذكر الزهري وغيره أن المغيرة بن شعبة صحب أناسا في الجاهلية ثم قتلهم وساق أموالهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما الإسلام فنحن نقبله، وأما المال فلا نقبله». إنا ما أخذ بغير حق فهذا لا يقبل. لو أسلم الكافر وعنده أموال الناس أخذها، أموال أناس إما بالربا، وإما بسرقة، وإما بنهب، وإما أيضا باختلاس، أو بغيرها من الطرق التي أخذ الأموال، فهنا لا نقره على ما فعله، وما كان معه من هذا المال فإنه يجب أن يعطيه أهله، إن كانوا مثلا من أهل الهدنة، أو من الكفار غير الحربيين. وأما إذا كان حربيا فيجوز أخذ ماله، لكن ليس بطرق الحرابة، ولا بالربا، أو بغير ذلك من الربا، يقول: أنا أرابي مع الكفار، هذا ليس صحيحا، بل هذا لا يجوز أصلا، لأنك ترابي. فالمهم أنه إذا أخذ أموالا بغير حق فهذه الأموال باطلة ترد، فإن كانت لكافر الحربي فإنها ترجع إلى بيت مال المسلمين، لا حق لهذا الذي أخذها، وإن كانت لغير الحربي فإنها لا تحل له والواجب إرجاعها. وأما إن كانت أموال ربا فإنها إما أن ترجع إلى مال المسلمين، وإما أن يتصرف فيها في الأمور العامة، وأجاز بعض أهل العلم أنها لا بأس أن تدخل في بعض الصدقات، لكن الأفضل أن تكون في الأمور العامة التي تكون للمسلمين، فإنها إذا أدخلت بيت مال المسلمين كانت في الأمور العامة، في المدارس، لا التي يتقرب بها إلى الله مثل المساجد؛ فإن المساجد يتقرب بها إلى الله، فهي مكان عبادة. ممكن استعمالها في مجاري، استعمالها مثلا في شراء كتب، استعمالها في شراء سيارات أو نحو ذلك لنفع المسلمين. فكل ما كان نفعا عاما استعملت هذه الأموال فيه. فلهذا فالأفضل أن يجتنب فيها التصرف الخاص، أو أن تعطى لأحد من المسلمين أن يتصرف تصرفا خاصا في نفسه خاصة، فهذا الأفضل أن يجتنب هذه الأموال لأنها حرام، لكن لأنها صارت لمسلم فهي للمسلمين عامة. طيب، وسواء كان هذا الربا الذي أخذه ربا عند الكفار أو من عند المسلمين، مثلا مثل بلاد أهل الإسلام الآن، في بعض البنوك تتعامل بالربا، بعض البنوك تتعامل بالربا، فإذا تعامل الشخص معه وهو لا يدري، وضع حسابا ليس جاريا وإنما فيه ربح، فبعد فترة من الزمن أراد أن يأخذ ماله من هذا البنك، فقالوا: هذا مالك، ولك أرباح كذا وكذا، هل له أن يبقي هذه الأرباح أو أن يأخذها؟ فلا يبقيها، لأنه لو أبقاها لأخذها من يتعامل معه، ولا يردها إلى هذا البنك، ولا يردها إلى أصحابها، ولأنه غالبا غير معروف أصحابها، فلهذا تأخذ هذه الأموال وتصرف في الأمور العامة للمسلمين. فقال النبي عليه الصلاة والسلام هنا: «وكل قسم أدركه الإسلام فإنه على قسم الإسلام». إذن لا يجوز إذا كان مثلا هذا حصل في وقت الإسلام، لا يجوز مثلا أن يقول: أنا أريد حكما آخر، أن المسلم لا يجوز له مثلا قسم ميراث، أو قسم في بيوت، أو قسم في شركات، حصل في الإسلام، حكم به قاضي أهل الإسلام من قضاة الإسلام، أو حكم به شيخ من أهل العلم، فلا يجوز له أن يقول: لا، نحن على أحكام وسوالف، مثل سوالف كما ذكرنا قبل، سوالف البدو، سوالف الأعراب، لهم سوالف كما يسمونها، وهي أحكام وأحوال تخالف الإسلام. فإذا قال مثلا: أريد هذه الأحكام، يقال له: لا، هذا لا يجوز. الله عز وجل يقول: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾. فهذا الحكم، أي حكم الأعراب والأسلاف، يعتبر حكم جاهلية، حكم جاهلي أيضا. كذلك إذا كان أراد حكم قوانين وضعية جلبت من دول كافرة، فهذا أيضا حكم باطل، لا يجوز أن يغير حكم الإسلام لأجل هذه القوانين الوضعية. فلهذا فمثل هذه الأشياء تبقى على ما حكم الإسلام، إلا إذا كان الحكم خاطئا، حصل من قاضي مثلا جاهل لا يعرف حكم الإسلام، أو اجتهد فظن أن هذا الاجتهاد صحيح، فلا بأس أن يغير هذا الحكم، ما دام التغيير إلى حكم الإسلام. وإنما قصد النبي عليه الصلاة والسلام هنا: «وكل قسم أدركه الإسلام فإنه على قسم الإسلام»، أي ما كان صحيحا. وأما ما لم يكن صحيحا فهذا لا بأس أن يغير، بل يكون الواجب أحيانا، لأنه فيه أخذ أموال الناس بالباطل. فأحيانا بعض الأعراف والأحكام فيها أحكام باطلة، وفيها أيضا ظلم، كذلك في القوانين الوضعية، فلهذا لا يؤخذ بها، بل إذا عُرف أن هذا خطأ، لا بد أن يتحاكموا إلى الإسلام، يتحاكموا إلى من يعرف حكم الإسلام في هذه القضية فيقضي بها، ويكون ذلك القسم صحيحا. فلهذا يحمل هذا كما قلنا على قسم الإسلام الصحيح، والأول يحمل على ما لم يكن فيه معاملات محرمة، معاني معروفة التحريم، كالربا والسرقة وغير ذلك مما تقدم. وأما ما كان عندهم قبل الإسلام ولم يعرفوا أحكامه، وحصلت شيء من هذه الأمور كما قلنا مثل العقود، فهذا يبقون على ما هم عليه في عقوداتهم وأقسامهم، أن القسم الذي يقسمونه في الشركات والمواريث وغير ذلك يبقى على ما كان عليه في الجاهلية. وأما ما كان قد أدركه الإسلام فيحكم به أهل الإسلام، فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.