كتاب الصلاة 19

الدرس في كتاب الصلاة 19، ألقاها

صلاة الاستسقاء ومشروعيتها

صلاة الاستسقاء هي صلاة تطوعية تؤدى لطلب السقيا من الله في حالة الجدب والقحط، وهي سنة مستحبة عند الجفاف. شرع الله هذه الصلاة للمسلمين.

كيفية أداء صلاة الاستسقاء ووقتها

تصلى صلاة الاستسقاء ركعتين كصلاة العيد، ويقرأ فيها بالفاتحة وسورة، ويفضل أداؤها بعد ارتفاع الشمس وذهاب وقت الكراهة. هناك خلاف في هيئتها وترتيب الخطبة مع الصلاة.

خطبة صلاة الاستسقاء وأحكامها

يخطب في صلاة الاستسقاء خطبة واحدة، والصواب أنه كخطبة العيد، مع الاستغفار وتلاوة الآيات. بعض أهل العلم قال بخطبتين لكن هذا ليس الصواب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام مؤفق الدين ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب الصلاة، في باب صلاة التطوع منه: قال الثالث، أي من الضرب الرابع من صلاة التطوع، قال الثالث: صلاة الاستسقاء. وقوله رحمه الله تعالى: "صلاة الاستسقاء" هذا من باب إضافة الشيء إلى سببه، ومعنى الصلاة التي سببها الاستسقاء، ومعنى الاستسقاء طلب السقيا، وذلك حين الجدب والقحط والجفاف وقلة الأمطار، شرع الله تبارك وتعالى للمسلمين أن يصلوا هذه الصلاة لأجل طلب السقيا من الله رب العالمين تبارك وتعالى. فالله جل وعلا هو الذي بيده الأمر، وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا، وينشر رحمته تبارك وتعالى، فشرع الله تبارك وتعالى لهذه الأمة هذه العبادة الجليلة التي فيها معنى من معاني التضرع والافتقار إلى الله رب العالمين جل وعلا. قوله رحمه الله تعالى: "صلاة الاستسقاء"، قال: وإذا أجدبت الأرض واحتبس القطر، خرجوا مع الإمام متخشعين متبذلين متذللين متضرعين، فيصلي بهم ركعتين كصلاة العيد، ثم يخطب بهم خطبة واحدة، ويكثر فيها من الاستغفار وتلاوة الآيات التي فيها الأمر به، ويحول الناس أرديتهم، وإن خرج معهم أهل الذمة لم يمنعوا، وأمر أن ينفرد عن المسلمين. قوله رحمه الله تعالى: "صلاة الاستسقاء" كما سمعتم أنها من "باب إضافة الشيء لسببه"، وسببها كما سمعتم الجدب والقحط وقلة الأمطار والجفاف، هذه أسباب لصلاة الاستسقاء، أسباب لصلاة الاستسقاء. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى هيئات للاستسقاء، أولها الدعاء المطلق دون صلاة، أن يدعو الإنسان ويدعو المسلمون، سواء كانوا مجتمعين أو كانوا منفردين، يدعون الله تبارك وتعالى بالغيث، بالسقيا، أن يسقيهم ربنا تبارك وتعالى، هذا نوع من أنواع الاستسقاء. النوع الثاني كذلك ذكره العلماء رحمهم الله تعالى، وهو الاستسقاء عقب صلاة مكتوبة، أن يدعو كذلك المسلمون عقب الصلاة بأن يسقوا، بأن يغيثهم الله تبارك وتعالى، وأن ينزل عليهم المطر، وأن يفرج عنهم، فهذا كذلك نوع من أنواع السقيا، وهو أفضل من الأول. والنوع الثالث: الاستسقاء في خطبة الجمعة، أي أن يستسقي الخطيب في صلاة أو في خطبة الجمعة، وهذا أكمل من النوعين الذين قبله. وقد جاء هذا المعنى من حديث أنس في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس، فأتاه أعرابي أو رجل، فقال: يا رسول الله هلكت، قال: هلكت الأنعام وجفت الأرض، وذكر من حاله ما ذكر، قال: فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه فاستسقى، قال أنس: فإذا بقزعة، أي سحابة، جاءت من جهة سلع، فانتشرت تلك الغمامة، وأمطرهم الله تبارك وتعالى أسبوعا كاملا، حتى جاء الرجل مرة أخرى في الجمعة الثانية، فقال: يا رسول الله قد هلكت، كذلك ذكر الأنعام وحصلت ما حصلت من السيول، قال: فدعا الله تبارك وتعالى أن يكشف هذا المطر، فدعا الله تبارك وتعالى نبينا صلى الله عليه وسلم، فكشف الله ذلك. الهيئة الرابعة: أن يستسقي بالهيئة التي ذكرها الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى هاهنا، وهو أن يصلي ركعتين، صلاة للاستسقاء بالوصف المذكور، وهو كما قال رحمه الله تعالى: أن الأرض إذا أجدبت واحتبس القطر، أي المطر، خرجوا مع الإمام، ومعنى خرجوا أي خرجوا إلى المصلى، خرجوا إلى المصلى، والصلاة صلاة الاستسقاء في المصلى سنة مستحبة، فعلها النبي صلى الله عليه وسلم كما جاءت في ذلك أحاديث، حديث عبد الله بن زيد بن عاصم في الصحيحين، وكذلك جاء من حديث ابن عباس، ومن حديث عائشة، من حديث جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ممن حكوا صفة استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم. وصلاة الاستسقاء كما ذكر رحمه الله تعالى ينبغي أن يخرج الإمام، وأن يخرج الناس على هيئة فيها معنى التواضع والتذلل والانكسار والضعف، وإظهار الفقر لله رب العالمين تبارك وتعالى، والحاجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على هذه الحالة كما جاءت أحاديث في ذلك. قوله رحمه الله تعالى: "كصلاة العيد"، اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في هيئة صلاة الاستسقاء بعد اتفاقهم على أنها ركعتان، فاختلفوا في هيئة هاتين ركعتين، هل تصلى كغيرها من الصلوات أم أنها كهيئة صلاة العيدين، بمعنى أنه يكبر للأولى سبع تكبيرات ولثانية خمس تكبيرات؟ في المسألة خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، فيه قولان للعلماء، منهم من ذهب إلى أن هيئتها كهيئة صلاة العيدين، مستدلًا على ذلك بما جاء في بعض الأحاديث من أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الاستسقاء فكبر في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمس تكبيرات، ولكن هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأظهر والله أعلى وأعلم القول بأنها تصلى ركعتين كغيرها من الصلوات، بأنها تصلى ركعتين كغيرها من الصلوات، ويقرأ فيها بالفاتحة في الركعتين، في الأولى وفي الثانية سورة، ومن أهل العلم من قال: تقرأ السورة أو السور كما في صلاة العيدين، أي بسبح في الأولى أو في الغاشية في الثانية، أو قاف والانشقاق، أو يقرأ ما تيسر. وبعضهم استحب أن يقرأ سورة نوح، والأمر في ذلك واسع، يقرأ ما تيسر من القرآن، وإن قرأ بسبح والغاشية لظاهر حديث ابن عباس "كما يصلي في العيدين" فحسن، وإن قرأ بغيرها فالأمر في ذلك واسع. أمر آخر ذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى، هل خطبة الاستسقاء تكون قبل الصلاة أو بعدها؟ في المسألة قولان عند القائلين بصلاة الاستسقاء، منهم من قال بالأول بأنها قبل، ومنهم من قال بأنها بعد. والناظر في الأحاديث الواردة في الباب الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدها أن من الصحابة من حكى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الاستسقاء ثم خطب، ومنهم من حكى عنه أنه خطب ثم صلى الاستسقاء، وهذا يدل على أن الأمر في ذلك واسع، وأن الأمر كله سنة. فمن خطب ثم صلى فقد أصاب السنة، ومن صلى يعني ومن عكس فكذلك أصاب السنة، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الاستسقاء أكثر من مرة، فيحمل الأحاديث التي أخبرت بأنه خطب ثم صلى على بعض المرات التي صلى فيها الاستسقاء أنه صلاها كذلك، ومن حكى العكس كذلك يحمل على مرة أخرى، فمرة يقدم الخطبة ومرة يؤخرها، والأمر في ذلك واسع. أمر ثالث وهو متى وقت صلاة الاستسقاء؟ الذي عليه أكثر العلماء بل حكي إجماعًا أن وقت صلاة الاستسقاء هو وقت صلاة العيدين، أي في الضحى بعد أن ترتفع الشمس ويذهب وقت الكراهة، تشرع صلاة الاستسقاء، وهذا الوقت كما سمعتم بعضهم نقل الإجماع عليه كالإمام ابن عبدالبر رحمه الله. ومن أخرها إلى الضحى جاز، بل ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها تصلى ولو بعد الظهر ولو في العصر، فتصلى في الوقت المناسب، لكن أحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على الأول، فالأول أن تصلى في أول النهار بعد ذهاب وقت الكراهة. قال رحمه الله تعالى: "وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ" أهل الذمة ممن هم في بلاد المسلمين ولهم ذمة، أي من الكفار ممن هم يسكنون في بلاد الإسلام ولكنهم ساكنون بذمة، أي يسمون بأنهم من أهل الذمة، أي مرتزمون بشرائع الإسلام عليهم، وإن كانوا يتعبدون الله جل وعلا بدينهم، سواء كانوا يهودًا أو نصارى، لكن الأحكام الظاهرة من أحكام الإسلام فإنهم مرتزمون فيها. فهؤلاء خرجوا مع المسلمين لم يمنعوا؛ لأنهم كذلك يحتاجون إلى السقيا، فلا يمنعون، قالوا: وأمروا أن ينفردوا عن المسلمين، أي لا يكونوا مع المسلمين، بل يكونون في أماكن خاصة بهم؛ لألا يختلطوا بالمسلمين، ولعل الله تبارك وتعالى إن عذبهم أو أنزل عليهم عذابًا يكون العذاب خاصًا بهم ونازلًا بهم بعيدًا عن المسلمين. قال رحمه الله تعالى: "الضرب الخامس سجد التلاوة"، ومعنى سجد التلاوة أي السجود الذي سببه التلاوة، وهو كذلك من باب إضافة الشيء إلى سببه. قال رحمه الله تعالى: "سجد التلاوة وهو أربعة عشر سجدة"، وهذه الأربعة عشر محل خلاف، بعضهم حكى الإجماع في عشر منها، ثم الزيادة على العشر وقع فيها خلاف. وقوله رحمه الله تعالى: "ويسن السجود للتالي والمستمع دون السامع"، قال: ويسن السجود للتالي، أي إنسان إذا تلا يسن له السجود، أي لا يجب، وهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء، أن سجود التلاوة مستحب وليس بواجب. قال رحمه الله: "ويكبر إذا سجد وإذا رفع"، جاء في هذا حديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر وسجد، وسجدنا معه، والحديث رواه أبو داود وغيره، ولكنه لا يصح، بل هو حديث ضعيف. فإذا كان الأمر كذلك فليس ثم دليل على التكبير لسجود التلاوة، لكن إذا كان الإنسان في صلاة وخشي إذا سجد ورفع وربما حصل اضطراب واختلاف في الصلاة لمن وراءه، لا بأس أن يكبر للسجود وأن يكبر للرفع. قوله: "ثم يسلم"، أما التسليم فليس عليه دليل، هذا متى؟ هذا كما سمعتم إذا كان في الصلاة، أما إذا كان يقرأ عليهم القرآن في حلقة قرآن فإنه لا يشرع لها التكبير؛ لأنهم يرونه، فإذا وصل إلى السجدة سجدوا وسجدوا معه، فلا يحتاج إلى تكبير لعدم وجود الداعي والمقتضي لذلك. نعم، هل يجهر بالقراءة في صلاة كسوف الشمس؟ الجواب: نعم، وهذا كذلك محل اتفاق عند القائلين بمشروعية صلاة الاستسقاء من أن صلاة الاستسقاء يجهر فيها بالقراءة. هل يشترط في صلاة الاستسقاء إذن الإمام العام؟ الأصل أن الإمام إذا أمر ولي الأمر إذا أمر أن يصلى لها، لكن لو أن الإمام لا يدري في قرية في بلدة ما حصل قحط وجذب والإمام لا يعلم بذلك، الظاهر أن ذلك ليس بمشروط. الخطبة: الخطبة على الصحيح من أقوال العلماء أنه يخطب لها خطبة واحدة، ومن أهل العلم من قال: خطبتين، لكن الصواب أنه يخطب لها خطبة واحدة كخطبة العيد على الصحيح. وصل الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

شاركنا على