الدرس في كتاب الصلاة 4، ألقاها
يتناول شرح شروط الصلاة وفقًا لكتاب 'عمدة الفقه' للإمام موفق الدين ابن قدامة، حيث يشرح الشروط الستة لصحة الصلاة. يبدأ بشرطي الطهارة من الحدث ودخول الوقت مستدلًا بالأحاديث النبوية والإجماع.
شرح أوقات الصلوات الخمس بدقة، حيث يحدد بداية ونهاية كل صلاة. يشرح وقت الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر.
يتناول فضل أداء الصلاة في أول الوقت مع بعض الاستثناءات مثل العشاء والظهر في شدة الحر. يُفضل تأخير العشاء إلى نصف الليل وتأخير الظهر في الأيام شديدة الحرارة.
يشير إلى عدم صحة حديث معين منسوب للنبي صلى الله عليه وسلم. يُختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين ابن قدامة رحمه الله في كتابه "عمدة الفقه": باب شروط الصلاة. ومعنى الباب، كما مرَّ معنا مرارًا، المدخل، وها هنا مدخلٌ معنوي، ويكون المعنى مدخلٌ في الكلام على شروط الصلاة. وقوله رحمه الله تعالى: شروط الصلاة، أي الشروط التي بها تصحُّ الصلاة. قال رحمه الله تعالى: وهي ستة. أحدها: الطهارة من الحدث، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضَّأ». وتقدَّم الكلام على ذلك. قال: وقد مضى ذكرها، أي مضى ذكر الكلام على هذا الشرط، أي في أول هذا الكتاب، أي في الكلام على الطهارة. وقوله رحمه الله: استدلَّ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضَّأ»، على شرطية الوضوء للصلاة، إذ من لازم عدم القبول عدم الصحة. الثاني: الوقت، أي الشرط الثاني الوقت. ومعنى الوقت: دخول وقت الصلاة. ودليل ذلك: قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾، وكذلك ما جاء من أحاديث كثيرة في بيان أوقات الصلاة. ومنها حديث ابن عباس عند الترمذي، وحديث جابر، وطائفة من الصحابة رضي الله عنهم أو رضي الله عنهم. وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما علَّمه جبريل أوقات الصلاة، قال له جبريل عليه السلام: «الوقت بين هذين»، أي أول الظهر وآخر وقت الظهر. ثم في العصر كذلك، والمغرب والعشاء والفجر. ثم بيَّن له أن هذه الأوقات هي أوقات الصلاة، فدل على أن ما عداها ليس من أوقات الصلاة. ونقل غير واحد الإجماع على أن من صلى الصلاة في غير وقتها، أي قبل وقتها، بأن صلاته باطلة. قال رحمه الله تعالى: الثاني الوقت، أي دخول الوقت. وبدأ الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى بوقت الظهر، مع أن النهار يدخل من الفجر، وذلك اقتداءً بإمامة جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم، حينما علَّمه أوقات الصلاة، فإنه أول ما علَّمه وقت صلاة الظهر. قال رحمه الله تعالى: ووقت الظهر، أي ووقت صلاة الظهر، قال: من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله. ومعنى هذا أن وقت الظهر يبتدئ من زوال الشمس، ومعنى زوال الشمس: زوالها عن كبد السماء. فإذا مالت الشمس ولو شيئًا يسيرًا عن كبد السماء، فإن ذلك هو وقت صلاة الظهر. إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، وهذا آخر وقت صلاة الظهر. فأوله من حين الزوال، ويعرف الزوال بأن يضع الإنسان شاخصًا، أي حربة أو عصى طويلة في أرض تحيطها الشمس. فيضع هذا الشاخص وينظر إلى ظل ذلك الشاخص، فقبل دخول الوقت سيرى أن الظل يتناقص، حتى إذا وصلت الشمس في كبد السماء واستوت تمامًا، سيجد أن الظل قد توقف لدقائق يسيرة، ثم يبدأ بالتزايد بعد ذلك. فأول زيادة بعد نقصان هو وقت صلاة الظهر. قال رحمه الله تعالى: ووقت العصر، وهي الوسطى، من آخر وقت الظهر. قوله رحمه الله تعالى: من آخر وقت الظهر، هل معناه أن آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر، بمعنى أن في آخر وقت الظهر وبداية وقت العصر اشتراك في الوقت؟ هذا قول للعلماء، وقول آخر، وهو الراجح، أنه لا وقت مشترك بين الصلاتين، بل ينتهي وقت الظهر بكون ظل كل شيء مثله، فإذا زاد على ذلك أدنى زيادة، انتهى وقت الظهر ودخل وقت العصر. قال رحمه الله تعالى: ووقت العصر، أي ووقت صلاة العصر، وهي الوسطى، إلى أن تصفر الشمس. ثم يذهب وقت الاختيار، أي تستمر الوقت لصلاة العصر من أول وقتها، إلى أن تصفر الشمس. لما جاء في حديث عبد الله بن عمر وغيره: «صلاة العصر ما لم تصفر الشمس». فما دام أن الشمس بيضاء نقية، فإن هذا هو وقت الاختيار في صلاة العصر. قال: ويبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس، بمعنى أن من كان هذا حاله، من أصحاب الضرورات، فصلى ولو بعد إصفرار الشمس، ولو قبل غروب الشمس، بما تصح به ركعة كاملة، فإنه قد أدرك وقت العصر. قال رحمه الله تعالى: ووقت المغرب من الغروب إلى أن يغيب الشفق الأحمر. ومعنى من الغروب: أي من حين أن تغرب الشمس. فمتى غابت الشمس، يدخل وقت صلاة المغرب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا غربت الشمس منها هنا وطلع الليل منها هنا، فقد أفطر الصائم». قال: ووقت العشاء من ذلك، أي من حين أن يغيب الشفق الأحمر. فمتى غاب الشفق الأحمر، فإنه يدخل وقت صلاة العشاء. وهذا الوقت يختلف باختلاف البلدان، أي الشفق وبقاءه في السماء يختلف باختلاف البلدان. قال رحمه الله تعالى: إلى نصف الليل. كما جاء في حديث عبد الله بن عمر في صحيح مسلم. وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وقت العشاء إلى نصف الليل». قال: ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني. قال: ووقت الفجر من ذلك إلى طلوع الشمس. ووقت الفجر من ذلك، أي من طلوع الفجر. لأن الفجر فجران، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «الفجر فجران، فجر صادق وفجر كاذب». فالفجر الكاذب: هو الذي يكون كذنبي السرحان. قال: ومن كبَّر للصلاة قبل خروج وقتها، فقد أدركها. والصلاة في أول الوقت أفضل، إلا العشاء الآخرة، وفي شدة الحر في الظهر. قول رحمه الله تعالى: ومن كبَّر للصلاة قبل خروج وقتها، فقد أدركها، هذا قول في المسألة. والصواب في المسألة: أن الصلاة تدرك بإدراك ركعة منها. قال رحمه الله: والصلاة في أول الوقت أفضل. صلاة كل صلاة في أول وقتها أفضل. وقد جاء في ذلك أحاديث، لكن كثير منها لا يصح. قال رحمه الله تعالى: إلا العشاء الآخرة، أي العشاء الآخرة، يستحب أن تؤخر. وقول العشاء الآخرة، فيه دلالة على أن العشاء الأولى هي صلاة المغرب، والعشاء الآخرة هي صلاة العشاء. قال رحمه الله تعالى: وفي شدة الحر في الظهر. هذا الوقت الثاني المستثنى. في شدة الحر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اشتد الحر، فأبرد بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم». قال علماء: والمراد بالإبراد: أن تنكسر الشمس عن كبد السماء. فمتى صار للأرض ظل، خف حر الشمس، واستطاع الناس أن يأتوا إلى المسجد. ومعنى الإبراد، كما قال العلماء: هو أن يحصل ميلان للشمس عن كبد السماء، وإذا ما خف حرها، وكان للحيطان ظلال، فاستطاع المصلون أن يقبلوا على الصلاة بأنفس مهيئة للصلاة. قال: ومنه يعلم أن ما يفعله بعض المحسنين في كثير من البلاد الإسلامية الحارة، من عمل هذه المبردات والمكيفات، وما شابه ذلك لصلاة الناس، هذه أشياء يؤجرون عليها، وهي داخلة في الإبراد. قال: وكذلك جاء، أو روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال في أوقات الصلوات: «أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله». قال: فدل على أن الأول أفضل. لكن هذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.