الخطبة بعنوان قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 12 صفر 1441هت ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يروي الحديث قصة ثلاثة نفر ابتلوا بانسداد غار، وتوسلوا إلى الله بأعمالهم الصالحة، ففرج عنهم. يستفاد من الحديث أهمية الإخلاص في الأعمال.
الإخلاص ركن ركين في صحة الأعمال، والابتلاءات قد تكون سببا في رجوع الناس إلى ربهم. يُشدد على أهمية العمل الصالح في نيل رضا الله وتفريج الكروب.
الأعمال الصالحة تجلب الحياة الطيبة وتُفرج الهموم، ويُذكر بأن الله يجيب المضطرين ويكشف السوء عنهم. يتضمن المقطع الأخير دعاء للمؤمنين والمؤمنات بالغفران وحث على إقامة الصلاة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، فعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم، فآواهم المبيت إلى غار، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم». قال أحدهم: «اللهم لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فنآ بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما، فأغبقت لهما، فوجدتهما نائمين، فلبثت والقدح في يدي أنظر استيقاظهما حتى برق الفجر، والصبية يتضاغون تحتي، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه». فانفرجت الصخرة شيئا يسيرا. قال الآخر: «اللهم كانت لي ابنة عم، وكانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها فامتنعت، حتى ألمت بها سنة من السنين قحط وجد، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومئة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، فلما قدرت عليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي من أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها إياه، اللهم إن كنت قد فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه». فانفرجت الصخرة شيئا يسيرا. قال الثالث: «اللهم استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم، غير واحد منهم ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أدي إلي أجري، فقلت: كل ما تراه من أجرك، فقال: يا عبد الله أتستهزئ بي؟ فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله وساقه، وما ترك لي منه شيئا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه». فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون. عباد الله، إن هذا الحديث العظيم، والذي يخبرنا فيه نبينا صلى الله عليه وسلم بخبر من كان قبلنا، لفيه من المسائل العظيمة والحكم البديعة ما تستوجب علينا جميعا أن نتأمل فيها وأن نتدبر في معانيها. فمما يستفاد من هذا الحديث العظيم أنه ما من شيء يقع في الكون إلا بأمر من الله وتحت مشيئته، فهو رب الأرباب وخالق الأكوان، ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ومن ذلك ما يكون من الابتلاءات الذي يقضيها ربنا على بعض العباد لمن يشاء. فإن هذه الابتلاءات منه وتحت مشيئته وبأمره، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فما كان من انطلاق الثلاثة حتى وصلوا إلى الغار إنما هو بتدبير وتقدير من الله، وما كان من انحدار الصخرة من الجبل حتى سدت عليهم الغار إلا بأمر من الله. وإن من أعظم الحكم من وراء ما يبتليه ربنا جل وعلا به من ابتلاءات على من يشاء من عباده أن يكون هذا الابتلاء سببا في رجوع الناس إلى ربهم وخضوعهم له. فكم من مرض وكم من فقر وكم من عُقم وكم من هم وشدّة وكرب وغم كان سببا في انطراح العبد بين يدي ربه، فيفوض أمره إلى الله، وليرض بحكمه في كل أحواله، فهو سبحانه عليم بما يصلحه في دينه ودنياه وآخراه. ومما يستفاد من الحديث أهمية الإخلاص، فالإخلاص في الأعمال ركن ركين وأصل عظيم في صحة الأعمال، فلما كان أعمال الثلاثة قد كللت بالإخلاص، كان لها أثرا عظيما جدا. فمن كانت أعماله قد أنشأها صاحبها من غير إخلاص ولا تطلع لما يرجوه من الله، فليعلم أن أعماله محلها البوار وبئس القرار. ولنا عبرة واعتبار بحديث أول من تسعر به النار، فيا عبد الله فلينظر كل منا إلى أعماله، إلى نيته وإرادته وقصده، وإلى عبادته وتعبه لربه، وهل هي لله؟ فإن كانت لله ولأجل الله وفي سبيل الله، فأنعم بها من خصلة عظيمة. قال عليه الصلاة والسلام: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان». ومما يستفاد أيضا من هذه القصة عظيمة فضيلة الدعاء والالتجاء والتضرع إلى الله جل في علاه، وخاصة في أوقات الكربات والمدلهمات، فإن الله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يغيث المكروبين ويفرج عن المنكوبين. ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. أقول قولي هذا، وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه. عباد الله، إن مما يستفاد أيضا من الحديث فضيلة العمل الصالح، من طاعات وعبادات تقربك إلى رب الأرض والسماوات، وعلينا أن نعلم أن الأعمال الصالحة ليس جزاؤها في الآخرة فحسب، بل قد يعجل الله جل وعلا لصاحبها الثمرة في هذه الدار الدنيا. قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. وللأسف ونحن في هذه الأزمان التي اطغت عليها المادة، فأصبح الكثير من الناس يعتمدون على الأسباب المادية البحتة في قضاء حوائجهم، دون التفات إلى الباقيات الصالحات من طاعات وعبادات. فالله الله عباد الله بالإكثار من العمل الصالح، من الحرص على الفرائض والواجبات، والإقبال على السنن والنوافل والمستحبات، فإنه من كان مع الله كان الله معه. قال عليه الصلاة والسلام: «احفظ الله يحفظك، ومن حفظه الباري جعل له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا». وعلى رأس هذه الأعمال الذي بها تكشف الكروب، ما جاء في خبر الثلاثة، أولاها ما كان من توسل الأول ببره بوالديه، بر الوالدين والإحسان إليهما. والعمل الثاني ما كان في توسل الآخر أن توسل إلى الله بعفته وعفافه، حين امتنع عن ارتكاب الحرام. وثالثهما ما كان من أمره من صدقه وأمانته، ومن قضاء الأمانات إلى أهلها، حيث كان صادقا في تعامله. فأسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا من عباده الصالحين، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.