معنى لا إله إلا الله

الخطبة بعنوان معنى لا إله إلا الله، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر السبت ١٨ جمادى الاخر ١٤٣٨هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في أهمية كلمة التوحيد

يُبرز الخطيب أهمية كلمة التوحيد 'لا إله إلا الله' ويشير إلى ضرورة فهم معناها الحقيقي. يُناقش تعاريف خاطئة لها ويُبين أن الكفار كانوا يعترفون بوجود الله.

شرح معنى "لا إله إلا الله" وتطبيقاتها

يشرح المقطع معنى "لا إله إلا الله" بأنها تعني التوجه بجميع العبادات لله وحده. يُبين أن الكفار كانوا يعترفون بوجود الله لكنهم كانوا يعبدون آلهة أخرى.

التحذير من الشرك وأهمية التوحيد الخالص

يؤكد الخطيب على أهمية فهم "لا إله إلا الله" وعدم الاكتفاء بترديدها، ويحذر من الشرك بالله الذي يحبط الأعمال الصالحة. يُبين أن التوحيد يمكن أن يغفر الذنوب.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله بما قيل، ويصلّي على النبي محمد وآله وصحبه. يُختم بالدعاء للمصلين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۞ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعةٍ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٍ، وكلَّ ضلالةٍ في النار. عباد الله، إنني في هذا المقام بصدد الكلام على كلمة، ولكنها ليست كسائر الكلمات، كلمة لها ثقلُها ووزنُها، ولها عظمتُها وقداستُها في شرعنا، بل إن شرعنا الحكيم لا يقوم إلا بها وعليها، وأعني بها كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، كلمة ثقلت في السماوات والأرض. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: «أن نوحا عليه السلام قال لابنه عند موته: يا بني، إني آمُرُك بلا إله إلا الله، فلو أن السماوات السبع والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، لرجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن حلقة مُبهمة لقصمتهن لا إله إلا الله». ما أثقلها من كلمة، وما أجلها من عبارة، كلمة لأجلها خلق الله جل وعلا الكائنات من إنس وجان، وذلك لتحقيقها وأدائها، قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، قال العلماء: أي إلا ليوحدون. هذه الكلمة التي من أجلها أرسل الله جل وعلا الرسل، وأنزل الكتب، وذلك لدعوة الناس إليها والقيام بتحقيقها، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتِ﴾. «لا إله إلا الله» كلمة من أجلها نصبت الموازين، ووضعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار، وانقسمت الخليقة إلى مؤمنين وكفار، وإلى أبرار وفجار، هي كلمة الإسلام ومفتاح دار السلام. بعث نبينا صلى الله عليه وسلم إلى قومه، فكان من أولويات دعوته دعوة الناس إلى هذه الكلمة، فكان يصيح فيهم بأعلى صوته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا﴾. ما ترك سهلاً ولا جبل ولا هضبة ولا وادي يتنقل بين القبائل في بطونها وأرجائها علَّ وعسى أن يُذْعِنُوا لهذه الكلمة، ما ترك مجمعاً من مجامع الرجال من أسواقهم وأنديتهم ومواسمهم إلا قام فيهم بشيراً ونذيراً. إلا أن قومه صدوا عنه وأعرضوا عما جاء به وكفروا بالكلمة التي جاء بها عليه الصلاة والسلام، فذاك يسبه وذاك يؤذيه وآخر يبصق فيه، ناهيك عن الاستهزاء والتطاول على عرضه عليه الصلاة والسلام. ولما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا، إلا أنه مع هذا كله كان عليه الصلاة والسلام صابراً، صبر على أذية قومه، وذلك لعلمه أن نجاح الناس وفلاحهم إنما يكمن في التلفُّظ بهذه الكلمة والعمل بما فيها. ضحى عليه الصلاة والسلام بوقته وعمره وماله ونفسه صلوات الله وسلامه عليه، وبعد ذلك عندما رأى منهم الإعراض ما كان من بدء إلا من رفع السلاح وإعلان الجهاد في سبيل الله، فقاتلهم صلوات ربي وسلامه عليه لكي ينزمهم بهذه الكلمة العظيمة. قال عليه الصلاة والسلام: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، نعم عباد الله، إنها كلمة التوحيد التي من أجلها تُبذل النفوس وتُقَدَّم لها هامات الرؤوس، ولأجلها يُبذل الغالي والنفيس. إلا أن معنى وقفة مع هذه الكلمة في معرفة معناها ومؤدّاها التي تدل عليه، إنه لمن العجب العجاب أن نجد أن كثيراً من المسلمين والمسلمات ممن لربما يلهج بهذه الكلمة صباحاً ومساءاً ليلاً ونهاراً، إلا أنه إذا سُئل عن معناها ما استطاع لذلك سبيلاً، ولم يُحِر لها جواباً. ونحن مُطالبون عباد الله جميعاً بضرورة معرفة معنى هذه الكلمة، وما الذي تدل عليه، وما الذي تحتويه، قال ربنا جل فعلا مبيناً ضرورة هذا المقام: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فلابد من العلم، لابد من الفهم، لابد من الفقه لهذه الكلمة التي أرادها الله من جميع الخلق. وإن من المؤسف ومن الأخطاء الشائعة أن يتناقل الناس بعض التعاريف، إلا أنها في الحقيقة تعاريف ناقصة باطلة لا تدل على حقيقة هذه الكلمة. نجد أن جماعات من الناس من لربما إذا سئل عن معنى «لا إله إلا الله» قال لك: «لا موجود إلا الله»، ومن قائل: «لا خالق ولا رازق إلا الله»، ومن قائل من المتفلسفين: «هو الغني عما سواه المفتقر إليه كل من عداه». وهذه في الحقيقة عباد الله تعاريف ناقصة قاصرة فاسدة الاعتبار، ليس في الحقيقة فيها مؤدى لكلمة «لا إله إلا الله»، وإليك البيان. فإن الكفار الذين بعث إليهم نبينا صلى الله عليه وسلم كانوا مقرين بوجود الله، وكانوا مقرين بأن الله هو الخالق والرازق، نعم عباد الله، ما كان الكفار منكرين لوجود الله، بل يعرفون ويعترفون بأن السماوات والأرض خالقها هو الله جل في علاه. قال ربنا جل في علاه مبينا وموضحا باعترافات الكفرة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَيَقُولُنَّ اللَّهِ﴾، ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿وَلَئِنْ غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وآيات كثيرة تدل بكل وضوح على أن الكفر كانوا مقرين بوجود الله وخلقه ورزقه. إلا أنهم جعلوا مع الله آلهة على حد زعمهم: ﴿وَمَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فما اعتقاد الكفرة بأن الله موجود، وأن الله الخالق الرازق، إلا مع ذلك قاتلهم نبينا صلى الله عليه وسلم، وجاهدهم باللسان والسنان، وما ارتضى منهم هذا الاعتقاد. فمتى ما أتى العبد باعتقاد الخلق والرزق وإثباته لله، فإن ذلك لا يدخله في الإسلام، فضلاً أن يفسر بها كلمة التوحيد، فحق لقائل أن يقول: إذا ما معنى «لا إله إلا الله» يا عبد الله؟ معنى «لا إله إلا الله» بما جاءت به أدلة الكتاب والسنة، أي: «لا معبود بحق إلا الله»، أي: «لا أحد يستحق العبادة إن الله جل في علاه، فله العبادات وله القربات وله سائر الطاعات»، جل في علاه، ما هنالك أحد يستحق أن يُعبد إلا هو سبحانه وتعالى. ولهذا، عندما قام نبينا صلوات ربي وسلام عليه إلى دعوة كفار قريش إلى هذه الكلمة، علموا أن معناها أن يتركوا جميع الطاعات التي وجهت إلى الأصنام والأوثان، وأن تكون لله، حينها أبوا إعراضا واستكبارا. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾، إذا عباد الله، حقيقة التوحيد، وحقيقة «لا إله إلا الله»، أن نُفرِد جميع العبادات والطاعات إلى الله سبحانه وتعالى. وقد بيَّن ذلك ربنا جل وعلا بياناً واضحاً جلياً، بأن توحيده إنما يكون بتوجه الخلائق إليه بالعبودية، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، آياتٌ كثيرة فيها بيان حقيقة التوحيد، وحقيقة «لا إله إلا الله»، بأن نتوجه له جل فعلا بجميع الطاعات والعبادات. وهكذا سار الأنبياء وسار الرسل جميعاً، عندما كانوا يدعون أقوامهم لدين الله، إنما كان يدعونهم لأن يتوجه إلى الله بالعبودية، قال سبحانه حاكياً عن جمعٍ من رسله: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. وهذا هو معنى «لا إله إلا الله»، ما من رسول من رسول إلا أوحى ربنا إليه أن يأمر قومه بضرورة التوجه إليه بالعبودية، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. «لا إله إلا أنا فاعبدون» هي معنى «لا إله إلا الله»، وذلك بأن تتوجه القلوب وسائر الأعضاء لله جل وعلا بصرف الطاعات والعبادات لله جل في علا. وقد بيَّن ربنا عز وجل أن يكون ذلك هو الفيصل بين أهل الإسلام وبين غيرنا من الكفار، كل من أراد أن يدخل في دين الله، ليس حسبه أنك تفي باعترافي بوجود الله، لا، ولا أنك تصر على اعترافه بخلق ورزقه لله، لا. وإنما ينبغي أن يعترف الكافر بأن الله هو الذي يستحق أن يعبد لا سواه، قال ربنا جل في علا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. المسلم إنما يكون إسلامه إذا أذعن لهذا المقام العظيم، مقام «لا إله إلا الله»، أي: «لا معبود بحق إلا الله»، أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فلزن عباد الله في هذا المقام نُسلِّط الأضواء على هذه الكلمة العظيمة «لا إله إلا الله»، والتي ثقلت في السماوات والأرض، والتي لابد على كل واحد منا مسلما كان أو مسلمة أن يتفقها في معانيها، وأن يتأمل في حروفها. ولنعلم جميعا أن معنى «لا إله إلا الله»: «لا معبود بحق إلا الله»، أي: «لا أحد يستحق أن يُعبد إلا هو» جلا في علاه، وإنه عباد الله عندما جهل الناس هذه الكلمة ظهرت بوادر الشر ومظاهر الشرك والكفر بين الأمة المحمدية، وذلك لجهلهم لمؤداها. واعلموا رعاكم الله أن من تأمل في هذه الكلمة لعلم أنها احتوت واجتملت على نفي وإثبات، على نفي وإثبات، «لا إله» نفي، «إلا الله» إثبات، فـ«لا إله» نفي لجميع المعبودات التي تعبد كائنة ما كانت، سواء كانت من صنم أو وثن أو شجر أو حجر أو ميت أو قبر. فلا معبودات يستحق أن تعبد، «لا إله»، أما «إلا الله» إثبات، إثبات العبادة وإثبات الإلهية والألوهية لله، وهي لله سبحانه وتعالى، فهو الذي يُعبد لا يُعبد إلا سواه جل في علاه. عباد الله، ذلت هذه الكلمة بما اجتملت به على نفي وإثبات، أن التوحيد لا يقوم إلا بالتبرئة من جميع الأنداد والطواغيت، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. وقال سبحانه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فدل ذلك على أن مقام التوحيد لا يقوم به العبد إلا إذا كفر بكل ما يُعبد من دون الله، ثم صرف الطاعات إلى الله جل في علاه. وللأسف مع وضوح هذه المعاني، إلا أننا نرى من بعض المسلمين ربما يُدَنن بـ«لا إله إلا الله»، أي: «لا أحد يستحق أن يُعبد إلا الله»، ومع ذلك جعل مع الله نداً وشريكاً من الموجودات والمعبودات، جعل مع الله مُزاحم في الطاعات والعبادات من خضوع وخشوع، ومن سجود وركوع. ثم ظن صاحب هذه الكلمة الذي جعل مع الله شريكاً له في الطاعة، ظن من نفسه أنه لازال مستمسكاً بالعروة الوثقى، وما درى بأنه قد ضل وهوى وغوى. هذا الدعاء الذي يُعتمر من أعظم الطاعات ومن أجل القربات، الذي لا يكون إلا لله، قال ربكم: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، فلا أحد يُدعى إلا الله جل في علاه، لأنه المستحق لذلك جل في علاه، فهو الذي يسمع نداءنا ويرى مكاننا ويعرف أحوالنا، وهو الذي بقدرته يستجيب دعاءنا، فما لنا إلا هو. قال عليه الصلاة والسلام: «وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ»، لكن عجب أن تجد بعضاً من المسلمين من ربما إذا وقع في مصيبة أو في بلية ونكبة هاتف بغير اسم الله، هاتف باسم زيد أو عبيد ممن يدعي أنه من أولياء الله. فنادى باسم العيدروس، وباسم الجيلاني، وباسم البدوي يدعوهم، وكله تعظيم ومحبة لجنابهم ولمقامهم يدعوهم، وكله أمل ورجاء في أن هؤلاء سيحققون مراده، لظنه بزعمه أن هؤلاء عندهم من التصرف في الكون مع الله. يعتقد أن لهؤلاء من التصرف مع الكون مع الله، تعالى الله عن هذا الاعتقاد الفاسد الكاسد، قال ربنا جل فعلا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ۞ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. الدعاء لله، فلا يصرف إلا إليه جل فعلا، وهكذا قل في مسألة الذبح والنحر وإراقة الدم، فهي عبادة لا تصرف إلا له جل فعلا، قل: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. النسك وإراقة الدماء لا تكون إلا لله، لأن الذبح عبادة اجتملت على مظاهر العبودية من ذل وافتقار، ومن بذل للمال، ومن حسن ظن ورجاء، ومن قوة يقين بالله، فكان حقها لا تؤد إلا لله سبحانه وتعالى. ولهذا أمرنا الله أن تصرف له، فصل لربك وانحر، أي: وانحر لربك سبحانه وتعالى، لكن نرى من بعض جهلة المسلمين ممن استهوتهم الشياطين فسوغت لهم تقريب الذبائح والقرابين لمن يسمون بالأولياء الصالحين. إذا بي عبد الله، وانظر إلى ما يقام في الزيارات الشركية من إذاقة الدماء على العتبات وعلى القبور والأضرحة، هناك ترى رايات الشرك ترفرف، رايات الشرك ترفرف على أصحابها، جعلهم معبودا من دون الله من قبور وأموات وأجار وأحجار وعتبات وأضرحة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وعلى مثلهم من أخذ يذبح للجن والعفاريت بعدما استشار مجبوعة من السحرة والمشعوذين ممن سوغوا له أن يذبح للجن والجان، وكل ذلك من الشرك العظيم، قال عليه الصلاة والسلام: «لعن الله من ذبح لغير الله». عباد الله، كم وكم من قوادح العقيدة التي تنقب هذه الكلمة «لا إله إلا الله»، لا ينتفع بها صاحبها مهما تلاها، مهما قررها، متى كررها ليل نهار، فوالله ما تنفعه لأنه ما فهم معناها، وإنما في الحقيقة أتى بنقيضها، وما يناقضها. عباد الله، لزاما على كل مسلم أن يفهم هذه الكلمة بعد أن يتلفظ بها، أن يتفقه في معانيها، وأن يتأمل إلى مراد الشرع منها، فمعناها «لا إله إلا الله»: «لا معبود بحق إلا الله»، فلا أحد يستحق أن يعبد، وأن تتوجه له العبادات كانت ما كانت إلا الله جل في علاه. الله الله يا عبد الله في توحيدك، فإنما المسلم إنما هو بتوحيد الله، فوالله لو أنك قدمت على الله بكل عمل صالح، إلا كأنك أشركت مع الله، فوالله لن تنفعك أعمالك، ولن تنفعك عباداتك. وهو القائل جل في علاه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلَكَ﴾، عملك كائنا من كان، لو كان بلغ على رأس الجبال، لكنك جعلت مع الله شريكا، جعلت مع الله ندا، فإن الله يمحق أعمالك، ويجعلك في نار جهنم خالدا مخلدا فيها. والعكس بالعكس، لو أنك يا عبد الله ما استطعت أن تؤدي الأعمال الصالحة، لكنك لازلت مستمسكا بتوحيد الله، معتصما بـ«لا إله إلا الله»، ما جعلت لله ندا، ما جعلت لله شريكا، فحين أبشر يا عبد الله بكل خير. قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله تعالى: يا عبادي، لو أن أحدكم أتى بقراب الأرض خطايا، ثم لقيني لا يشرك بي شيئا، لأتيته بقرابها مغفرة»، وما حديث البطاقة عنا ببعيد. رجل يأتي يوم القيامة بسجلات من ذنوب، بملفات عظيمة من جرائم ومعاصي، إلا أنهم وحد فتأتي بطاقة «لا إله إلا الله»، فتجعل السجلات في كفة، و«لا إله إلا الله» في كفة، فطاشت هذه الكلمة بالسجلات، طارت، فما هنالك شيء يوازي كلمة التوحيد في حق من أتى بها وعمل بمقتضاها. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.