الدرس في شرح لامية شيخ الإسلام ابن تيمية 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث المؤلف عن معنى نبذ القرآن وذم من يطرحه وراءه، إما بتركه أو بعدم العمل به اتباعا لأهوائهم. يستدل ببيت شعر يدعو على من يفعل ذلك بقبح الله.
ينتقد المؤلف منهج بعض الفرق في الاستدلال بالرجال والأشعار، ويشير إلى أن أهل السنة لا ينصبون رجلا عليه يوالون وعليه يعادون. بينما بعض الفرق المعاصرة تعظم الأشخاص وتعتبر خطأهم ضلالا.
يناقش اعتقاد أهل السنة والجماعة في كلام الله ورؤية المؤمنين لربهم، ويرد على استدلال الأشاعرة بقول الأخطل. يؤكد ثبوت الرؤية بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
يشير إلى أن معرفة شيء ما لم تتحقق إلا في فترة لاحقة بعد العصور الفاضلة. يختم بالصلاة على النبي محمد.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال مؤلف رحمه الله تعالى: قبحا لمن نبذ القرآن وراءه وإذا استدل يقول قال الأخطل. مرة معنا في هذا البيت ما يتعلق بكلمة "قبحا" وأنها خرجت مخرج الدعاء، أي قبح الله، والقبح بمعنى الشناعة، وهو ضد الحسن. قال "لمن نبذ"؛ النبذ بمعنى الطرح، فنبذ أي طرح الشيء من يده، ويقال كذلك نبذت الشيء إذا رميته وأبعدته. كل ذلك من معاني النبذ تأتي بمعنى الرمي، تأتي بمعنى الإبعاد، تأتي بمعنى الطرح. قبحا لمن نبذ القرآن؛ القرآن بمعنى القرآن، ونبذ القرآن إخواني له صور، قد يكون بمعنى الترك، ترك أخذ أدلة القرآن، ترفض هذا نوع من أنواع النبذ. تأتي لأحد يقول: يا أخي الدليل على الأمر الفلاني، قال: لا، لا تلزم بهذا الدليل. سبحان الله، بماذا ألزمه؟ هذا كتاب الله جل وعلا، ينبغي أن نلتزم به جميعا، لكن يرفض، لا تلزم بهذه الآية. قبحا، قبح الله أمثالها. أو أن من صور النبذ: من عنده الأدلة، من يعرف الأدلة، لكنه لا يعمل بها، لا يعمل بها اتباعا لهواه. وهذا جل المبتدعة من هذا الصنف، يعرفون الأدلة لكن لا يعملون بها اتباعا لأهوائهم، فلا يعمل بها بمدلولها، ولا بما دلت عليه. المؤلف رحمه الله تعالى في هذا البيت يتحدث عن من طرحوا الكتاب، نبذوا القرآن، فلم يعملوا به، فدعا عليهم بقوله: "قبح الله" قبحا لمن نبذ القرآن وراءه. وإذا استدل، أي إذا أراد أن يأتي بحجة أو برهان، فإنه يجعل الحجية في الرجال، يستدل بفلان وفلان. وهذا على خلاف ما يقرره أهل السنة والجماعة، فإن الحق عندهم لا يعرف بالرجال. أهل السنة لا ينصبون رجلا عليه يوالون وعليه يعادون، فما عندهم العصمة لكتاب الله ولسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. أما أحاد الناس، فهم عرضة للخطأ، بشر عرضة للخطأ والزلل، فلا يتعصبون. ومع تخطئتهم للمخالف، فإنهم يعطونه قدره ومقامه السامي إن كان من أهل العلم. لكن ابتلينا في هذه الجماعات المعاصرة ممن تعظم الأشخاص، ينصبون رجلا عليه يقاتل وعليه يعادي وعليه يبالي وعليه يوالي. إياك أن تخطئ هذا الإمام، إياك، فأنت ضال. كما قيل: من أوسع أودية الباطل الغلو في الأفاضل. المؤلف رحمه الله تعالى يشير إلى فرقة ضالة، يشير إلى من يشير إلى الأشاعرة. ومن أين علمنا هذا؟ علمنا هذا لأنه ما أحد يستدل بقول الأخطل إلا هم. فالمؤلف رحمه الله تعالى قال: "وإذا استدل يقول قال الأخطل". الأخطل شاعر عربي نصراني، واسمه غياث ابن غلت، وكنيته أبو مالك. ومات وهو نصراني. الأشاعر يستدلون بالأخطل في بيت شعري، وهو قوله: "إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا". ما علاقة الأشاعر بهذا البيت الشعري؟ الذي ألجأ الأشاعر إلى هذا البيت الشعري مسألة متعلقة في صفات الله، ألا وهي في صفة الكلام. الأشاعر بالجملة يثبتون صفة الكلام لله، لكن يقولون بأن كلام الله كلام نفسي، أي داخلي، ليس له خروج في الخارج. أهل السنة والجماعة يقولون بأن الله يتكلم بصوت، بحرف، يسمع. ولهذا يعبر عن كلام الله أنه نداء، ويعبر عن كلام الله أنه مناجاة. الرد على الأشاعرة في استدلالهم بقول الأخطل من عدة أوجه. منها: أن يقال إن الأشاعرة يرون عدم حجية خبر الآحاد في العقائد، فكيف بكم تستدلون بقول رجل؟ ومنها: أن هذا البيت قد جاء بلفظ آخر، وهو "إن البيان لفي الفؤاد"، وليس "إن الكلام لفي الفؤاد". ومنها: أن من العلماء من شكك في صحة هذا البيت، وأن هذا البيت لم يصح عن الأخطل بالمرة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: "والمؤمنون يرون حقا ربهم وإلى السماء بغير كيف ينزلوا". في هذا البيت، الناظم رحمه الله تعالى تطرق إلى مسألتين اثنتين: المسألة الأولى الرؤية، والمقصود بالرؤية أي رؤية المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى. وهذه المسألة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف. أما من الكتاب، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾. وأما من السنة، ما ثبت في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: "إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر". فأخبر عليه الصلاة والسلام بأننا سنرى ربنا. وأحاديث الرؤية بلغت إلى حد التواتر. كما قال القائل: "ومما تواتر حديث من كذب، ومن بنى بيتا لله واحتسب، ورؤية شفاعة وحوض ومسح خفين". فأحاديث الرؤية مما بلغت التواتر. يجوز مع عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات العقيدة بخبر الواحد. وقد صرح بهذا شيخ الإسلام، وصرح بهذا الإسفرييني، أن رد خبر الآحاد هذه بدعة. ما عرفت قط إلا عند الخلف بعد القرون الفاضلة. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.