الدرس في منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن التوكل الحقيقي يقوم على ثلاثة أركان: معرفة الله بأسمائه وصفاته، تعليق القلب بمسبب الأسباب لا بالأسباب، والعمل بالأسباب الشرعية المباحة. ويبين أن ترك الأسباب بدعوى التوكل يعد عجزاً ومهانة.
يجمع التوكل بين بذل الوسع في الأسباب المعقولة وحسن الظن بالله مع الاعتماد عليه لا على الأسباب. ويسرد خطوات عملية لترك المعاصي كاجتناب مجالس السوء، صرف الفكر والجوارح، والدعاء واللجوء إلى الله.
يستدل المقطع بقصة حجاج اليمن وآية التزود وبأمثلة مريم وأيوب عليهما السلام على أن التوكل يتحقق بالأخذ بالأسباب مع تفويض الأمر لله. ويشير ابن القيم إلى أن التوكل نصف الدين والنصف الآخر الإنابة.
يذكر القرآن أن أولياء الله يتوكلون عليه ويرجعون إليه، ويؤكد أن التوكل سمة مشتركة بين الرسل عليهم السلام كما ورد في آيات متعددة. ويبرز مكانة التوكل كعلامة للإيمان الصادق.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبه ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في منظومته "السير إلى الله والدار الآخرة": "صحب التوكل في جميع أمورهم مع بذل جهد في رضا الرحمن". قال في شرحه رحمه الله: يكمل العبد في هذين الأمرين، وهما التوكل على الله والاجتهاد في طاعة الله، ويتخلف عن العبد الكمال بفقد واحد منهما. فحقيقة التوكل تجمع أمرين: الاعتماد على الله، والثقة بالله. فيعتمد على ربه بقلبه لجلب ما ينفعه بأمر دينه ودنياه، فيبرأ من نفسه وحولها وقوتها، ويثق بالله في حصول ما ينفعه ودفع ما يضره، ويجتهد في الأسباب التي بها يتوصل إلى المطلوب. وبهذا يتبين لنا أهمية هذا المقام، ألا وهو مقام التوكل على الله عز وجل، فإن العبد لا يكمل إلا بالتوكل على الله سبحانه وتعالى، ثم يدفعه هذا التوكل إلى اتخاذ الأسباب، وذلك بالاجتهاد في طاعة الله سبحانه وتعالى. فكما ذكر رحمه الله أن حقيقة التوكل تجمع أمرين اثنين: الاعتماد على الله، والثقة بالله. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن التوكل على الله لا يتم إلا بثلاثة أمور: الأمر الأول: معرفة الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: "لا يصح توكل من فيلسوف ولا معطل"، لأن هؤلاء قد اختل عندهم التوحيد، سواء كان توحيد الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات. فالمؤمن الذي يؤمن بألوهية الله، وأن الله عز وجل هو المستحق للعبادة، وهكذا بربوبية الله، وأن الأمر لله سبحانه وتعالى، وأنه لا يستطيع أن ينال محبوبه إلا إذا وفقه الله عز وجل لذلك، فهو يعلق قلبه بمسبب الأسباب سبحانه وتعالى. وهكذا الإيمان بأسماء الله وصفاته، فهو يؤمن بأن الله هو العليم، وهو السميع، وهو البصير، فتؤثر هذه الأسماء في عمله وفي توكله على الله سبحانه وتعالى. وهكذا الأمر الثاني الذي لا يتم التوكل إلا به: الاعتماد على مسبب الأسباب، أن لا تعتمد إلا على الله سبحانه وتعالى، وتعلق قلبك به، لا بذلك السبب، لا بذكائك، ولا بكثرة أولادك، ولا بقوتك، ولا بشيء من تلك الأسباب التي هي أسباب شرعية في نيل بعض الأعمال التي يهدف إليها الإنسان، ولكن يعتمد على الله سبحانه وتعالى ويعلق قلبه بالله. وأما الأمر الثالث الذي لا يتم التوكل إلا به فهو العمل بالأسباب الشرعية المباحة، فلا بد من اتخاذ الأسباب. وأما ترك السبب والدعاء التوكل، فسيأتي من كلام المؤلف أن ذلك عجز ومهانة. فلا بد من اجتماع هذه الأمور الثلاثة، فهذا هو حقيقة التوكل. قال: وتفصيل ذلك أنه إذا عزم على فعل عبادة بذل جهده في تكميلها وتحسينها، يعني اتخذ مستطاعاً من أسباب شرعية لتحقيق هذه العبادة والقيام بها. قال: ولا يبقي في مجهوده مقدوراً، يعني يتخذ الأسباب بقدر الاستطاعة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، فالله عز وجل لا يكلف نفساً إلا وسعها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. فأنت تتخذ الأسباب التي تستطيعها وتقدر عليها. قال: ولا يبقي في مجهوده مقدوراً، وتبرأ من النظر إلى نفسه وقوتها. وهذا المعنى ما تقدم: ألا يعتمد على السبب، وإنما يعتمد على مسبب الأسباب سبحانه وتعالى. قال: وتبرأ من النظر إلى نفسه وقوتها، بل لجأ إلى ربه واعتمد عليه في تكميلها، وأحسن الظن ووثق في حصول ما توكل به عليه. وهذه أمور مهمة جداً في التوكل: أن تحسن الظن بالله عز وجل، وأنه ما منعك من أمر ما، ولو توكلت واتخذت الأسباب فيه، إلا لمصلحة، سواء كانت عاجلة أو آجلة، فأحسن الظن بالله سبحانه وتعالى. قال: وأحسن الظن ووثق في حصول ما توكل به عليه، وخلاصة ذلك أن يعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى. قال: وإذا عزم على ترك معصية قد دعته نفسه إليها، بذل جهده في الأسباب الموجبة لتركها، من التفكر بها وصرف الجوارح عنها. وهذا أمر مهم جداً. بعض الناس يأتي ويقول: "أنا ما استطعت أن أترك هذه المعصية"، على سبيل المثال: شرب الدخان أو تعاطي القات. يستطيع في رمضان وفي الصيام أن يترك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإذا جاء الليل قال: "ما استطعت أن أترك". فليس إلا العجز والكسل وضعف الهمة والعزيمة التي استحوذت على نفسه. وإلا لو عزم وصرف الجوارح عنها، أولاً: يترك جلساء السوء الذين يخزنون ويدخنون، هذا من أسباب تركك لهاتين المعصيتين. أمر آخر: كذلك لا تفكر فيها، ولا تتذكرها، وإنما تنساها وتغفل عنها، وتشتغل بغيرها. وهكذا صرف الجوارح عنها، فلا تذهب إلى مكان لأجلها، ولا تجلس مع من يتعاطاها، فلعل نفسك تتوق إليها فتطلب من هذا المدخن أو المخزن شيئاً من هذا الدخان أو ذاك القات. فإذا عزمت وعقدت التوكل على الله عز وجل في ترك هذه المعصية، لا بد أن تتخذ الأسباب، من ذلك: عدم التفكر فيها، ومن ذلك: صرف الجوارح عنها. قال: ثم اعتمد على الله ولجأ إليه في عصمته منها، تدعو الله وتلجأ إلى الله أن يخلصك من هذه المعصية. لو اتخذت بهذه الأسباب لاستطعت بإذن الله عز وجل أن تترك هذه المعصية وغيرها من المعاصي الأخرى. بعض الناس ربما يبتلى في جواله بالنظر إلى المناظر الخليعة والصور الفاضحة، ويقول: "ما استطعت أن أترك ذلك". يا أخي، اترك هذا الجوال الذي هو سبب في وصولك إلى هذه المعصية، أو لا تدخل النت الذي هو سبب في التوصل إلى هذه المقاطع أو إلى تلك الصور. هذه من أسباب ترك هذه المعصية، وهي من الأسباب التي بها بإذن الله عز وجل تترك هذه المعصية. وقس على ذلك غيرها من المعاصي الأخرى، مع دعاء الله واللجوء إلى الله عز وجل والاستعانة بالله سبحانه وتعالى. فمن صدق مع الله صدقه الله سبحانه وتعالى. قال: وأحسن الظن به في عصمته له، فإنه إذا فعل ذلك في جميع ما يأتي ويذر، يرجى له الفلاح إن شاء الله. وأما من استعان بالله وتوكل عليه مع تركه الاجتهاد اللازم له، فهذا ليس بتوكل، بل عجز ومهانة. فإذن من يتعذر بعدم الاستطاعة في فعل طاعة أو في ترك معصية، ولم يتخذ الأسباب، فهذا عجز منه ومهانة. وقد جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون لسفرهم، ويقولون: "نحن المتوكلون". فإذا جاءوا مكة سألوا الناس، فأنزل الله عز وجل في كتابه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. فإذن أنكر الله عز وجل عليهم هذا الصنيع، وبَيَّن سبحانه وتعالى أن هذا ليس من التوكل، بل أمرهم بالتزود، فقال: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. فإذن لا بد من اتخاذ الأسباب المستطاع لها، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. قال: وكذلك من يبذل اجتهاده ويعتمد على نفسه ولا يتوكل على ربه فهو مخذول. وقد نقل كثير من العلماء تلك العبارة التي تقول: "الاعتماد على السبب شرك بالله، وترك السبب قدح في الشريعة". الاعتماد على السبب شرك؛ لأنك اعتمدت على غير الله، اعتمدت على هذا السبب وتعلقت به، ففيه معنى من معاني الشرك بالله سبحانه وتعالى. وهكذا ترك السبب قدح في الشريعة؛ لأن الشريعة أمرت باتخاذ الأسباب. هذه مريم عليها السلام وهي تعاني من المخاض، أمرها ربها أن تهز هذه الشجرة، هذه النخلة: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾. وماذا عسى أن يكون هز هذه المرأة الضعيفة؟ ولكن من باب اتخاذ الأسباب. وهذا نبي الله أيوب، قال الله عز وجل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. وماذا عسى أن تفعل هذه الركضة من ذلك النبي المريض؟ ولكنه من باب اتخاذ الأسباب المستطاع لها. وهكذا القرآن مليء بهذا الأمر، وهو اتخاذ الأسباب. وهكذا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فلا بد من هذه الأمور الثلاثة حتى يحقق المسلم التوكل على حقيقته. يقول ابن القيم عليه رحمة الله كما في كتابه "مدارج السالكين": "التوكل نصف الدين، والنصف الثاني الإنابة، كما أن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر، فكذلك الدين نصفان: نصف توكل، ونصف إنابة". يقول ابن القيم عليه رحمة الله: "فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة". ولذلك يجمع الله عز وجل كثيراً بين العبادة والتوكل: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾. وفي سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، والاستعانة هي بمعنى التوكل، كما ذكر ذلك ابن القيم عليه رحمة الله. فيتبين بهذا أيها المسلمون أهمية التوكل في حياة المسلم، وأن المسلم يتوكل على الله سبحانه وتعالى في أمور، في جميع شؤونه، وهذا ما أمر الله عز وجل به في كتابه. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. إذا توكلت على الله، فالله عز وجل يكفيك، والله سبحانه وتعالى يحقق لك مرادك. وهكذا يقول الله عز وجل عن أوليائه: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾. وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى لرسله، أو بَيَّن ربنا عز وجل أن التوكل هو شعار الرسل عليهم السلام. قال الله عز وجل في كتابه الكريم حاكياً عن رسلهم عليهم السلام: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّل