الدرس في تفسير سورة الفجر من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يصف هذا الفصل سلوك الكافرين تجاه اليتيم والمسكين والميراث، وكيف أنهم يفشلون في الابتلاء بالمال والفقر. يُظهر أيضًا أهمية التعامل الصحيح مع المال في الإسلام.
يناقش هذا الفصل كيف يبتلي الله عباده بالمال والفقر، وكيف ينبغي للمسلم أن يتعامل مع هذا الابتلاء بإخراج الحقوق والابتعاد عن الحرام.
يتناول هذا الفصل تفسير الآيات المتعلقة بيوم القيامة ومجيء الله والملائكة وجهنم، مع التركيز على العقيدة الصحيحة في الإيمان بمجيء الله كما هو دون تأويل.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، بالأمس كنا في سورة الفجر ولازلنا فيها، تناولنا قول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾، وأشرنا إلى أن الابتلاء قد يكون بالخير وقد يكون بالشر، وأما إذا ابتلاه فقدر أي ضيق عليه رزقه فيقول: ربي أهانني، أي أهانني وظلمني. فقال ربنا: ﴿كَلَّا﴾ أي ليس الأمر كذلك، ثم قال سبحانه: ﴿بَل لَّا يُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، أي أن من فعل الكفار عدم الإكرام لليتامى وعدم الإحسان إلى الفقراء والمساكين بإطعامهم. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا﴾، قال: التراث الميراث، هذا معنى التراث، أي من صفتهم أيضًا أنهم يأكلون الميراث أكلًا لمًا، قال: أي شديد اللم، بمعنى الشديد، أثر هذا عن ابن عباس وعن قتادة والضحاك، وجاء كذلك في كتب اللغة: الأكل اللم هو الذي يأكل كل شيء من حلال أو من حرام، هذا هو الأكل اللم. فوصف ربنا عز وجل هؤلاء بقوله: ﴿أَكْلًا لَّمًّا﴾ أي يأكلون الميراث أكلًا لمًا، قال: للمهم نصيب النساء والصبيان من الميراث مع نصيبهم منه أو مع مالهم، أي أن من عادة هؤلاء ومن جشعهم أنهم يأكلون أموال الغير، يأكلون أموال الغير، فيأكلون نصيب النساء والصبيان إذا قسمت المواريث مثلًا، فوجدوا أن حظ هذا إنما يؤول ويعود إلى صغير أو إلى امرأة منعوه، صغير ما يحتاج لهذا المال أو امرأة. وقد نجده حتى في بعض الأعراف المرأة تحرم من الميراث، يؤكل من قبل الرجال، هذه عادة أهل الجاهلية ولا زال يعمل بها في بعض الأنحاء للأسف، فقال: ﴿تَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا﴾ أي شديدًا، وسمي لمًا لأنهم يلمون نصيب النساء والصبيان إلى حقهم فيأكلونه جميعًا. قال: ﴿وَيُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾، قال: أي كثيرًا، فلا ينفقونه، ويحبون المال حبًا جمًا، وأصل الجم يقال: جم الماء في الحوض إذا كثر واجتمع، جم أصله من جم الماء في الحوض إذا كثر وتجمع، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ أي يجمعونه تجميعًا كثيرًا، جمعًا كثيرًا. إذن هذه الآيات تتحدث عن حال الكافر كيف هو في ماله، وهنا فائدة، قال المؤلف: قال: وفي قراءة بالفوقانية في الأفعال الأربعة، أي عند هنا أربعة أفعال جاء ذكرها في الآية في قوله تعالى: ﴿يُكْرِمُونَ يَحُضُّونَ يَأْكُلُونَ وَيُحِبُّونَ﴾، هذه الأفعال الأربعة جاءت بالياء وجاءت بالتاء كما في قوله تعالى: ﴿بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحُضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾، أي هذه الكلمات الأربع الأفعال الأربع جاءت بالياء وبالتاء، كل ذلك من القراءات الصحيحة. هذه الآية إخواني في الله، وما ذكرها ربنا جل وعلا عن إكرام اليتيم وعن إحسان وإطعام المسكين، وما كان من أكلهم للميراث، هذه الآية لو تأملها المتأمل يجد أن فيها فائدة تتعلق بالأمر الأول عند قول ربنا عز وجل: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ إلى آخر الآيات، وذكرنا حينها أن الله عز وجل قد يبتلي العبد بالمال ويبتليه بالفقر، وأن هذا الابتلاء إنما يظهر حقيقته في ثمرته. وهنا أشار ربنا عز وجل إلى الخسران وإلى الخسران الذي وقع فيه أهل الكفران، والمسلم ينبغي أن يستفيد بهذا النوع من أنواع الابتلاء، فمثلًا ذكر ربنا عز وجل أن الإنسان قد يبتليه ربنا عز وجل بالمال، المال فتنة، كيف تتخلص من هذا الابتلاء؟ أنك توفق إلى هذا المال أنك تنفقه إلى المستحقين. أشار ربنا إلى إكرام اليتيم وأشار إلى إطعام المسكين، والصورة الثانية من ضيق الله عليه وقدر عليه رزقه، ضيق عليه رزقه هذا ابتلاء، نتيجته أنك لا تنظر إلى مال غيرك، وتأكلون التراث أكلًا لمًا، لأن الفقير الذي ما عنده مال ما الذي يفعل؟ يتطلع إلى مال الغير فيأخذه من غير حله، فيستولي على مال النساء على أموال الصبيان، يستغل غفلة الغير فيختلس يسرق ينهب، هذا واضح. فهذه الآيات واضحة الدلالة في بيان أن الله يبتلي العباد بالمال بالغنى ويبتليهم بالفقر، فكان من أمر الكافر أنه موفق في هذا الابتلاء، فتجد أن الغني منهم نعمة ماذا يفعل؟ يمنع البذل لا يعطي يتيمًا ولا يعطي إطعام مسكين، والآخر وهو الكافر إذا ابتلاه الله عز وجل بالفقر ما الذي فعل؟ تسلط على مال غيره يأخذه، وتأكلون التراث أكلًا لمًا، مال الغير. وجاءت الآية بمثال أكل الميراث، وبهذا تعلم يا عبد الله أن من ابتلاه الله عز وجل بهذا النوع من أنواع الابتلاءات ينبغي أن يوفق في كيفية تسخير هذا البلوى، فإن كان غنيًا حرص على أن هذا المال يبذله فيما يحبه الله ويرضاه، وأشار ربنا إلى إكرام اليتيم وإلى إطعام المسكين، وقس على ذلك باقي الحقوق. يا من حباك الله بالغنى، ويا من ضيق الله عليه بماله بحياته بمكاسبه، لا تتطلع إلى مال غيرك، اصبر واحتسب واقنع واقنع بما آتاك الله، ولا تتذرع بأي ذريعة حتى تستولي على مال إخوانك نهبة سرقة تكسير تخريب تدمير نهب، كل ذلك لا يسوغ لك ذلك يا عبد الله. فمن خلال سياق هذه الآيات سيأتيك هذه المعاني العظيمة التي ينبغي أن يستذكرها المسلم حين يقرأ هذه الآيات، ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾، قال: ردع لهم عن ذلك، إذا دكت الأرض دكًا دكًا، زلزلت حتى ينهدم كل بناء عليها وينعدم. لما ذكر ربنا عز وجل حال الكافر في مسألة البذل والعطاء، وكل ذلك إنما يعود إلى مسألة واحدة وهو تعلق النفوس بالمال، فذاك الذي عنده مال فما أنفق لماذا؟ حبًا للمال، وذاك الذي ضيق الله عليه ويتطلع إلى مال غيره بما لا يحل، ما الذي أدى إلى ذلك؟ حب المال، تحبون المال حبًا جمًا، طب هذه الأموال سواء الذي الباذل والمعطي، هذه المحبة هي في الحقيقة ماذا؟ هي في الحقيقة تعود إلى الدنيا تعود إلى الدنيا. فهنا جاءت الروادع الذي يتنبه لها الكافر وينبغي للمسلم أن يتأمل فيها، كلا إذا دكت الأرض دكًا دكًا، أي اعلم يا من ركنت لهذه الأموال على هذا الحال، اعلم أن الدنيا زائلة، زائلة، ما الذي سينفعك؟ يا من جمعت الأموال الكثيرة وما أخرجت فيها حق الناس من الضعفاء والمساكين والمحتاجين من الحقوق الواجبة والمستحبة. ما الذي ستنفعك هذه الأمور المكدسة؟ تخيل أنك عشت لأقول عشرات ولمئات آلاف السنين، المآل ستفنى الأرض ستفنى ستذهب ستأتي القيامة، وهكذا وهكذا وهكذا، قس يا من تطلعت إلى مال غيرك، فلا زلت تنهب لا زلت تسرق لا زلت تختلس إلى متى؟ على هذا جمعت هذا المال الحرام، ثم بعد ذلك ستزول الأرض بما فيها. كلا إذا دكت الأرض دكًا دكًا، أي أنك هذا وذاك الكل سيعود إلى الله وليس معه شيء، ليس معه شيء، وفي ذلك عبرة لكل من ركن للدنيا أن يتأمل إلى مآلات الأمور إلى مآلات الأمور، أين تصل يصل بك الحال؟ فلا تركن يا عبد الله لهذه الدنيا، فلا تحب هذا الحب العظيم للمال على حساب أنك لا تؤدي حق الله ولا تتطاول على حقوق العباد، فهي مظالم. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «رحم الله عبدًا كانت له عند أخيه مظلمة من عرض أو مال فجاءه فاستحله قبل أن يؤخذ أي تأتي كمنيتك قبل أن تأتي نهايتك، فما ثم إلا الحسنات والسيئات»، أي هذا كله سيذهب كله سيذهب. فهذه الآية إنما جاءت في هذا المحل، لا تقول جاءت هكذا لا، هي جاءت لحكم عظيم، كل قرآن الله حكيم وكل آيات الله عظام في حق من تأملها، فلما كان حال الكافر هكذا أخبرهم ربنا عز وجل أن ما تفعلونه لا يفيدكم بشيء، وإن فادكم فيفيد مؤقتًا لأن هذه الدنيا وما فيها ستزول. فقال سبحانه وتعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾، قال: زلزلت حتى ينهدم كل بناء عليها وينعدم، قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، أي أمره والملك أي الملائكة، صفًا صفًا، حال أي مصطفين، ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾، قال: تقاد. أختم هذه الآيات بكلمة ولعل نرجئ الحديث عنها في يوم غد بإذن الله، هذه الآية تحدثت عن ثلاثة أشياء ستقع يوم القيامة، عن مجيء الرب سبحانه، وعن مجيء الملائكة عليه السلام، وعن مجيء جهنم، المؤلف رحمه الله تعالى كما سيأتي معنا بيّن على أن جهنم يؤتى بها تجر وتجر، وأن الملائكة سيأتون يجيئون باصطفاف بنص القرآن. لكن المؤلف لما في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، قال: أي أمره، ليش لماذا؟ لماذا عندما قول عند قول ربنا: ﴿وَجَاءَ رَبُّهُ﴾، قال: جاء أمره، لماذا يصنع المؤلف هذا الصنيع؟ هذا خطأ، وهذا الذي يسميه أهل السنة بالتأويل، صرف اللفظ عن ظاهره. الآية تتحدث عن حدث واحد، حدث واحد، فعل واحد وهو المجيء، يأتي هذا ويأتي هذا ويأتي هذا، جاء فعل وأسند المجيء إلى ثلاثة أمور، إلى رب الأرباب يجيء جل في علاه، وإلى الملائكة تجيء، وإلى جهنم تجيء، فتجد أن جهنم على أصلها تأتي، وعلى أن الملائكة تأتي، لكن لما كان الخطاب للرب عز وجل، قال: لا يأتي أمره، لماذا؟ ما يأتي الرب نفسه جل في علاه. فما فعله المؤلف هذا خطأ، هذا من المذاهب التي خاض فيها المؤلف وبعض المفسرين سار على هذا، وهذا ليس عمدة، هذا ليس العقيدة الصحيحة الذي عليها أهل السنة، وإنما أئمة التفسير من ذهب إلى الإمام الطبري رحمه الله تعالى، وابن كثير رحمه الله تعالى، عند هذه الآية على أصلها، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، قال: يأتي الله جل في علاه مجيئًا يليق بجلاله وعظمته، يأتي يوم القيامة لفصل القضاء بين العباد. من قال هذا؟ لست أنا ولست هم، بل هو الرب، قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، فربنا أسند الفعل إلى نفسه، فمن أين نأتي بهذا التأويل؟ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أي جاء أمره أو جاء وعده أو جاء لماذا؟ نذهب بعيد هنا ونذهب بعيد، نبقى على ظاهر الآية، الله أخبر هذا عن نفسه، لو أراد الله أن يخبر عما أراد هؤلاء لقال سبحانه: ﴿وَجَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ وانتهينا. لكن لما يقول ربنا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، إذن هو أراد سبحانه وتعالى أن يحدث عن نفسه، وهو أدرى وأعلم بنفسه العلية وما يليق بجنابه وجلاله، ولهذا أنبع على أن ما سطره المؤلف هاهنا في قول ربنا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أي أمره، خطأ، وإنما الذي عليه أهل السنة أن الله سبحانه وتعالى يأتي، والآيات كثيرة جدًا جاءت لهذا الحدث العظيم يوم القيامة، أن الله سبحانه وتعالى يأتي لفصل القضاء يوم القيامة. نرجئ الحديث عن بقية الآية إلى درس قادم يوم غد بإذن الله، إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.