كتاب العلم من صحيح البخاري  9

كتاب العلم من صحيح البخاري 9

الدرس في كتاب العلم من صحيح البخاري 9، ألقاها

مقدمة في رفع العلم وأشراط الساعة

يبدأ الحديث عن رفع العلم وظهور الجهل كعلامة من علامات الساعة، مع التركيز على أهمية نشر العلم. يُشير إلى معنى رفع العلم وظهور الجهل.

أسلوب الفتيا والإجابة بالإشارة

يتطرق إلى أهمية ظهور العلماء وتوضيح جواز الإجابة بالإشارة في الفتيا، مع ذكر أمثلة من السنة النبوية وأقوال الصحابة والتابعين.

تحريض النبي على نشر الإيمان والعلم

يتناول توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس وأهمية نشر العلم بين الأهل والقرابة، مع ذكر بعض التفاصيل عن رواية الحديث.

موقف ابن عباس من الحديث وتقريره

يشرح موقف ابن عباس من الحديث النبوي وتأكيده على أهمية هذا الحديث في مجالس متعددة، مع الإشارة إلى اختلاف الروايات في فهم الحديث.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب رفع العلم وظهور الجهل. رفع العلم إذا رفع العلم ظهر الجهل، فهو معنى أمران متلازمان، إذا ظهر الجهل رفع العلم، وإذا رفع العلم ظهر الجهل. وقال ربيعة: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه. وهذه كلمة عظيمة قالها ربيعة بن أبي عبد الرحمن، ربيعة بن فروخ الفقيه المدني المعروف بربيعة الرأي، شيخ مالك. ومراد ربيعة رحمه الله تعالى بهذا أن من كان عنده فهم وقابلية للعلم لا ينبغي له أن يهمل نفسه فيترك الاشتغال بالعلم؛ لأن ذلك يؤدي إلى رفع العلم. وهذا المراد، فهو الحث على نشر العلم في أهله؛ لأن لا يموت العالم قبل ذلك فيؤدي إلى رفع العلم. فالعالم ينشر العلم بين طلبة العلم، طلبة العلم يجتهدون فيصيرون بعد ذلك علماء، وهكذا فيحيا العلم. يحيا العلم بهم. فأما إذا ضيعوا وتركوا وعندهم الفهم وعندهم كذلك الحفظ، فانشغلوا بأمور الدنيا وانشغلوا بعلوم الدنيا، فهذا مضيعة. بعض الناس الآن إذا رأى من ولده ذكاء وفهما تجد أنه يوجهه إلى علوم الدنيا، فنظرة إلى المال حتى يستفيد ويأتي له بالمال. ولو وجهه إلى العلم الشرعي لكان خيرا له في الدنيا والآخرة، كما قال سفيان الثوري رحمه الله: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم. قال رحمه الله: حدثنا عمران بن ميسرة، وهو البصري أبو الحسن، قال: حدثنا عبد الوارث، وهو ابن سعيد بن النغري البصري، قال: عن أبي التياح، وأبو التياح هو يزيد بن حميد بصري. وهذه الكنية ليست موجودة في الكتب الستة إلا له، ليس هناك أحد يقال له أو يكنى بأبي التياح إلا يزيد بن حميد البصري رحمه الله. قال: عن أبي التياح، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا». فهذا الحديث إسناده كلهم بصريون. وفي هذا الحديث أن من أشراط الساعة أن يرفع العلم. رفع العلم من أشراط الساعة. ورفع العلم كما بينه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بموته، وبذهاب أوعيته بموت العلماء. وما جاء في عدة أحاديث، ومنها حديث أبي الدرداء الذي رواه أبو داود وغيره، لما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هذا عِلْمٌ يذهب»، فقال رجل من أهل المدينة يقال له لبيد: «كيف يذهب يا رسول الله ويرفع العلم وفينا كتاب الله؟ وقد قرأناه وعلمناه نساءنا وأبناءنا؟» فقال: «لَكِسَكَ، أمك يا لبيد، إن كنت لا أضلك لأفقه أهل المدينة». فهؤلاء اليهود والنصارى عندهم الكتاب، وظلوا... أو كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فذهاب العلم ذهاب أوعيته، ذهاب العلم ذهاب أوعيته»، أي ذهاب العلماء. إذا ذهب العلماء ذهب العلم. قال: «ويثبت الجهل»، يأتي الجهال بعد ذلك. ثم جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر بن العاص أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». فإذا ذهب العلماء جاء الجهال. قال: «ويشرب الخمر»، أي بكثرة، كما قال بعض العلماء: يشرب الخمر، أي تكثر أو يكثر شرب الخمر. ولهذا جاء في رواية في حديث أنس نفسه من طريق نشام الدستوائي عن قتادة أنه قال: «ويكثر شرب الخمر». قال: «ويظهر الزنا»، يظهر، معنى يعلن به ويفشى ويفشو، كما في رواية مسلم: «فيظهر أمام الناس ويعلن به». فهذا من أشراط الساعة. وتعلم أماكنه. قال رحمه الله: حدثنا مسدد، وهو مسدد بن وصرهد، قال: حدثنا يحيى وابن سعيد القطان الجبلي، إمام من أئمة الحديث، قال: عن شعبة، وابن الحجاج أيضا أمير المؤمنين في الحديث، أبو بسطام، كان إماما في الحديث، وكذلك في الشعب، وكذلك هو أول من فتش على الرجال في البصرة، وكان يحفظ الطوال من الأحاديث. قال: عن قتادة، وهو ابن دعامة السدوسي أبو الخطاب رحمه الله، قال: عن أنس. وهذا الحديث أيضا كله أو كل إسناده بصريون، أن كلهم بصريون من مسدد إلى أنس. قال أنس: «لو حدثنكم حديثا لا يحدثكم أحد بعدي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر النساء». هنا قال: «يقل»، على أنه لا يرفع كله، لكنه يقل. وهذا هو الذي يوجه إليه أيضا الحديث الأول، أن رفع العلم جميعه لا يحصل؛ لأنه قد تقدم معنا في حديث معاوية: «ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله». فالعلم باقٍ، لكنه يكثر ويقل. قال: «أن يقل العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر النساء». وهذا لأجل الحروب التي تحصل فيموت الرجال وتبقى النساء. قال: «ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد»، معنى يكون لخمسين امرأة من يقوم بأمرهن واحد، أو يكون وليهن. فهذا ظاهر أنه كما قال أهل العلم لكثرة الحروب في الناس، ويموت الرجال في الحروب. وهذا مؤذن بخراب العالم. وقال الإمام القرطبي، أبو العباس القرطبي في المفهم، قال: هذا الحديث علم من أعلام نبوة رسول الله، إذ أخبر عن أمور ستقع فوقعت، خصوصا في هذه الأزمان، أي في زمنه. وهي أيضا موجودة في أزماننا. فقال صاحبه وتلميذه، وهو أبو عبد الله القرطبي، صاحب التفسير، صاحب التذكرة: يحتمل أن يراد بالقيم من يقوم عليهن، سواء كن موطوءات أم لا، سواء كن أزواجا وإماء أو أنهن غير أزواج ولا إماء، وإنما هو قيم عليهن، إما خواتهن، وكذلك أبناء بنات عمهن، وهكذا. قال: باب فضل العلم. قال: حدثنا سعيد بن عفير، وهو المصري كما تقدم، قال: حدثني الليث، وهو ابن سعد أبو الحارث الفهمي، إمام أهل مصر، قال: حدثني عقيل، وعقيل هو ابن خالد أبو خالد العيلي رحمه الله تعالى. كان يلازم ابن شهاب. كان عقيل شرطيا من شرط بني أمية، لكنه مصري، كان في مصر. فإذا جاء ابن شهاب في مصر سار معه عقيل ويمشي معه في المكان الذي يريده، على أن يكون حارسا عنده. وكان ابن شهاب يحب أن يذهب إلى القرى، يذهب إلى القرى وغيرها، ينشر حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكان كثير الصدقة. قال رحمه الله: عن ابن شهاب، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، وهو أحد أبناء عبد الله بن عمر، وهم كثير، وكلهم ثقات، وأكثرهم يروي الحديث عن أبيه. قال: أن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «بينما أنا نائم أتيت بقدح لبن، فشربت حتى إني لأرى الري يخرج من أظافيري»، أي أنه شبع بهذا اللبن. قال: «ثم أعطيت فضل عمر بن الخطاب». قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «العلم». أنا شربت من هذا اللبن، وهو لبن العلم. اللبن مراد به العلم، حتى خرج من أظافره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي أنه كله علم، صلوات الله وسلامه عليه. وأعطى فضله عمر، يدل على مكانة عمر في العلم، يدل على مكانة عمر في العلم، بل هو من أعلم الصحابة بعد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى، عنهم جميعا. قال: باب الفتيا، وهو واقف على الدابة وغيرها. قال: حدثنا إسماعيل، وهو اللويسي، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، وهو من أبناء عيسى بن طلحة، مصري، ليس هو من أبناء طلحة بن عبيد الله الصحابي المعروف. قال: عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ فقال: أذبح ولا حرج. فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: أرمي ولا حرج. فما سئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: أفعل ولا حرج»، أي في ذلك اليوم، اليوم العاشر من ذي الحجة، يوم العيد. كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم واقفا على دابته بمنى، فكان الناس يسألونه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن هذه الأمور، وهو يجيبهم. وفي هذا الحديث أن العالمة ينبغي عليها أن يظهر للناس في هذه المجتمعات أو هذه الأماكن التي يجتمع فيها الناس، يظهر العالم فيها. حتى يسأل الناس. وبحمد الله، إن الدولة السعودية -أعزها الله- عملت هواتف مجانية، ففي أي مكان الإنسان، خاصة في الحرب، إذا عنده سؤال يرفع الهاتف ويسأل، ويجيبه عالم من العلماء. كذلك ينشرون أرقام الهواتف للعلماء، فمن ضاقت به أو من كان عنده سؤال سأل أو اتصل بأي رقم من هذه الأرقام، وغالبا تكون مجانية، فيجيبه ذلك الشيخ. وهذا نعمة من نعم الله عز وجل. وأيضا هو تسهيل للعلم، وتسهيل لسؤال الناس في تلك المجتمعات التي يحتاج الناس فيها إلى السؤال. ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم واقفا فوق الدابة حتى يراه الناس، حتى يراه الناس، ويسألونه. قال: باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس. قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، وهو أبو سلمة التبوذكي المنقري، وهو بصري، قال: حدثنا أبو هبيرة، وهو ابن خالد أيضا، كذلك بصري، قال: حدثنا أيوب، وهو ابن أبي تميمة السختياني أبو بكر، كان من أعلم الناس في زمن أتباع التابعين في البصرة، وكان إماما لأهل السنة. قال سفيان الثوري: ما رأيت مثل أيوب. قال: عن عكرمة بن عباس، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل في حجته، فقال: «ذبحت قبل أن أرمي؟ فأومأ بيده». قال: «ولا حرج». قال: «حلقت قبل أن أذبح؟ فأومأ بيده، ولا حرج». فأشار باليد في الفتيا إذا فهم ذلك. إذا فهم ذلك. قال: وحدثنا المكي بن إبراهيم، والمكي هو من كبار شيوخ الإمام البخاري، مكي بن إبراهيم، مكي بن إبراهيم من كبار شيوخ البخاري، وقد روى عنه عدة أحاديث من الثلاثيات، خاصة روايته عن يزيد بن عبيد، عن سلمة بن أكوى. قال: أخبرنا حضيل بن أبي سفيان، وحضيل بن أبي سفيان هو جمحي مدني. ومكي بن إبراهيم، ظهر أنه كان نزيل مكة. قال: عن سلمة، وسلمة هنا هو ابن عبد الله بن عمر، وقد رأى سلمة أبو هريرة كثيرا. قال رحمه الله: عن سلمة، قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «يقبض العلم، ويظهر الجهل، ويكثر الهرج». قيل: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال: هكذا بيده، فحرفها، كأنه يريد القتل، معنى فسر بيده صلى الله عليه وسلم، أي أراد القتل. قال رحمه الله: حدثنا موسى بن إسماعيل، وهو كما قلنا التبوذكي من قريش، قال: حدثنا أبو هبيرة، وهو ابن خالد، وموسى بن إسماعيل كنيته أبو سلمة، قال: حدثنا أبو هبيرة بن خالد، وهو من حفاظها البصرة، قال: حدثنا هشام، وهو ابن عروة، هشام بن عروة بن الزبير بن العوام رضي الله عنه، أي الزبير. ورحم الله عز وجل أحفاده هؤلاء العلماء، فقات أئمة الإسلام. هشام من أئمة الإسلام، كما قال الإمام الذهبي رحمه الله: حافظ الحفاظ. الحديث تكلم فيه ابن القطان بما ليس فيه، فدافع عنه الإمام الذهبي رحمه الله. قال هشام: عن فاطمة، وفاطمة هذه بنت المندر، زوجته، زوجة هشام بن عروة، وبنت عمه، فاطمة بنت المندر بن الزبير، وهشام ابن عمها، وهي أكبر منه، لكنها زوجته، كانت عالمة، حافظة. سمعت جدتها أسماء، وهشام لم يسمع من جدته أسماء. وأما فاطمة فقد سمعت منها وأدركتها، فكان هشام يروي عن زوجته فاطمة. وهذا من القليل في الحديث أن الرجل يروي عن زوجته، وغالبا إنما الزوجة تروي عن زوجها، لكن هشام روى عن زوجته فاطمة رحمة الله عليهما. قالت: عن أسماء رضي الله عنها، قالت: «أتيت عائشة وهي تصلي، فقلت: ما شأن الناس؟ فأشارت إلى السماء». وهذا وجه الشاهد، لما أشارت إلى السماء؛ لأنه في باب الإشارة في الفتيا. قال: «فإذا الناس قيام، فقالت: سبحان الله». هذا في الكسوف. قلت: آية؟ فأشارت برأسها: نعم. قال: «فقمت حتى تجلاني الغشي، فجعلت أصب على رأسي الماء، فحمد الله عز وجل»، أي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأثنى عليه. ثم قال: «ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي، حتى الجنة والنار». أنا كل شيء رأى النبي صلى الله عليه وسلم في مقامها في كسوفه أو في صلاة الكسوف، حتى الجنة والنار. قال: «فوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم»، مثلا أو قريبا، لا أدري أي ذلك. قالت أسماء: «أنا الشيء؟» قال: «لا أدري». قالت: «لا أدري»، أي ذلك. قالت أسماء، وهي جدتها، وإنما أرادت بيان هذا الحديث، جاءت بذكر اسمها حتى تتضح. قال: «من فتنة المسيح الدجال». قالت: «لا أدري». قالت: «لا أدري». قال: «مثل أو قريب من فتنة المسيح الدجال»، يقال: «ما علمك بهذا؟» أي هذه فتنة القبر. فأما المؤمن أو الموقن -لا أدري بأيهما قالت- فيقول: «هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فآمنا واتبعنا، هو محمد»، ثلاثا. فيقال: «نم صالحا، قد علمنا إن كنت لموقنا به». وأما المنافق أو المرتاب -قالت: لا أدري أي ذلك- فيقول: «لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته». فهذا الحديث في عذاب القبر، وفيه حجة على أولئك المعتزلة، وكذلك بالأخص حزب التحرير الذي انتشر في أوساط المسلمين الذين ينكرون عذاب القبر، وهذه حجة عليهم. وفيها سؤال القبر، وأن من أجاب في الفتنة في القبر ينعم، ومن لم يجب فإنه يعذب، كما جاء كذلك في حديث أنس في البخاري في عذاب أهل القبر، وجاء من حديث أبي أيوب: «أن هذه الأمة تعذب في قبورها»، في صحيح مسلم. فالأحاديث كثيرة، بل هي متواترة في فتنة القبر وعذابه. الفتنة هي السؤال، والعذاب هو ما يقع بعد السؤال، أو بعد الفشل في إجابة عن السؤال. من لم يجب عن السؤال فهو يعذب في قبره، ومن أجاب فينعم في قبره. قال: باب تحريض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفد عبد القيس على أن يحفظ الإيمان والعلم، ويخبر من وراءهم. قال: وقال مالك بن الحويرث: قال لنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ارجعوا إلى أهليكم، فعلموهم». وهذا باب عظيم أيضا، أن المسلم إذا تعلم في دورة أو جاء عند شيخ أو كذا تعلم علما، ينبغي أن ينشر هذا العلم، ينبغي أن يحفظ هذا العلم وينشره في أهله وفي ذويه وقرابته، وكذلك فيمن كان عنده من أهل بلده ممن يحتاج إلى أن يعلم. قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا غندر، وهو محمد بن جعفر البصري، قال: حدثنا شعبة، وهو ربيب شعبة. أخذ العلم عن شعبة عشرون سنة. أنا لازم شعبة عشرون سنة. وكان يكتب حديث شعبة. وما كان شعبة يحب أن يكتب أحد في مجلسه، حتى إن بعض من كان يكتب، كعبد الله بن إدريس والفضيل أو هاشم بن القاسم، وجماعة، كانوا يكتبون ويتوارون. كان شعبة ما يحب أحدا أن يكتب في مجلسه، يعني إذا حدث بالأحاديث يحب أن الطلبة كلهم ينتبهون إليه، ثم بعد ذلك من أراد أن يكتب يكتب. فكان بعض القوم يكتب خفية حتى لا ينسى. وقال يحيى بن سعيد: «كنا إذا انتهينا من مجلس شعبة، فكان معاذ يأخذ طرف المسجد، وخالد بن الحارث يأخذ طرف المسجد، ويكتبون ما حدث به شعبة في ذلك اليوم». قال: «قال أما أنا فأذهب إلى بيتي وأكتب ما قد حدث». فكان ما يكتبون، وإنما يكتب بعضهم خفية. أما غندر فكان يكتب، بل إنه كان يري شعبة كتابه، حتى قال الإمام أحمد رحمه الله: وهذا من غفلته. شعبة ما يحب أن يكتب في مجلسه، فكان غندر يكتب ويري شعبة كتابه، فيبتسم شعبة من ذلك. فكان ذلك الكتاب بعد ذلك حكما بين أصحاب شعبة، أي كتاب غندر. كما قال ابن مهدي وغيره: حكم بين أصحاب شعبة إذا اختلفوا، جاءوا إلى كتاب غندر رحمه الله. قال: حدثنا شعبة، عن أبي جمرة، وأبو جمرة هو نصر بن عمران. وفيه أيضا في طبقته أيضا أبو جمرة آخر، لكن هذا المشهور، وهو يروي دائما عن ابن عباس. وهناك أبو حمزة أيضا يروي عن ابن عباس، ويروي عنه شعبة. قال رحمه الله: حدثنا شعبة، عن أبي جمرة، قال: «كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس»، أنا كان يفهمهم الكلام. فقال: «إن وفد عبد القيس أتوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: من الوفد أو من القوم؟ قالوا: ربيع». فقال: «مرحبا بالقوم أو بالوفد، غير خزايا ولا ندامة». قالوا: «إننا نأتيك من شقة بعيدة، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، ولا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام؛ لأن بينهم حروب، ما يأتون». ما يستطيعون يأتون إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن ربيعة كانوا في أطراف اليمن، وأن ربيعة أكثرهم كانوا في أطراف اليمن وأطراف الشام. وأما مضر فهم أهل الجزيرة، فلهذا ما يستطيعون أن يمرون إلى مكة أو إلى المدينة لأجل أن يأتوا إلى رسول الله إلا في الأشهر الحرم. قال: «فمرنا بأمر نخبر به من وراءنا، ندخل به الجنة». قال: «فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع». أمرهم بالإيمان بالله عز وجل وحده. قال: «هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قال: «الله ورسوله أعلم». قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وتعطوا الخمس من المغنم». ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت. قال شعبة: «ربما قال: النقير»، أو قال: «النقير». وربما قال: «المقير». قال: «احفظوه وأخبروا به من وراءكم». وهنا ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الإيمان، وفسره بالأركان الخمسة، وزاد فيه: «وتعطوا الخمس من المغنم». وهذا يدل على أن الإيمان قد يحل محل الإسلام، والإسلام يحل محل الإيمان، فبينهما عموم وخصوص، كما قرره الإمام أحمد رحمه الله. فقال: «احفظوه وأخبروا به من وراءكم». أما قوله: «الحنتم والمزفت والدباء»، هذه آنية تصنع من جذوع النخل، تصنع من جذوع النخل، وكانت تصب فيها الخمرية، تصب فيها الخمرية. لكن بعد ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال، كما جاء في صحيح مسلم في حديث بريدة: «كنا نأيتكم عن آنية تشرب فيها، فإنما هو إناء لا يحل حلالا ولا يحرم حراما، فاشربوا في كل إناء ما لم يكن مسكرا». قال: «إني كنت نأيتكم عن آنية تشرب فيها، فإنما هو إناء لا يحل حلالا ولا يحرم حراما، فاشربوا في كل إناء ما لم يكن مسكرا»، أي إناء تشرب، ما لم يكن هذا الشراب الذي تشربه مسكرا. فنسخ النهي عن هذه الأشياء. وأما ابن عباس، الظاهر ما جاء عنده النهي، فلهذا كان يقرر هذا الحديث في أكثر مجلسه. والله تعالى أعلم.

شاركنا على