الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 491، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حديثا نبويا يبين أن أولى الناس بالله تعالى من بدأهم بالسلام، ويروي سند الحديث ويبين أحوال رجاله وثقتهم. الحديث يدل على فضل البدء بالسلام وأهميته في الإسلام.
يشرح الحديث النبوي الذي يدل على أن من يبدأ بالسلام هو أولى الناس بالله، ويبين أن هذا الفعل يدل على التواضع واتباع شرع الله. كما يُعد إفشاء السلام من علامات الخير والترابط بين المسلمين.
يجب إلقاء السلام على كل من تقابلهم سواء عرفتهم أم لم تعرفهم، كما ورد في الحديث النبوي. هذا الفعل يعد من الأمور التي يحث عليها الدين الإسلامي لما له من أهمية في تعزيز الترابط بين المسلمين.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله، وآلِه وصحبه ومن أَتبَعَهُ بعد. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادِي رحمه الله: مسندًا بأمامة الباهلي، صدي بن عجلان رضي الله عنه قال: أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس الذهلي، ومحمد بن يحيى هو إمام أهل خراسان وفارسهم، والذي يسمى أيضًا بالزهري؛ لأنه جمَعَ على الأحاديث الزهري. فسمي بالزهري، وهو ذهلي؛ عن أمن العرب بنو دهل، من قبائل العرب، من قبائل الحجاز. قال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس بن خالد الذهلي. والبخاري رحمه الله يروي عنه، لكن كما ذكرنا أنه لا يسميه باسمه، لا يقول: محمد بن يحيى، وإنما يقول: محمد، أو محمد بن خالد، أو محمد بن فارس، وهذا ليس من التدليس في شيء؛ لأنه معروف أنه محمد بن يحيى بن فارس معروف. قال: أخبرنا أبو عاصم، وهو الضحاك بن مخلد، وهو بصري، عن أبي خالد وهب -وهب بن خالد الحمصي- وهو ثقة، والثقة هو عند داود، وابن معين، وغيرهما. قال: عن أبي سفيان الحمصي، وأبو سفيان هو محمد بن زيادة الألهاني، وهو حمصي كذلك. حِمْص معروفة في دمشق، وأهل حِمْص أهل علم وحفظ، لكن اشتهروا بالتدليس. قال: عن أبي أمامة، وأبو أمامة سكن حِمْص، أبو أمامة الباهلي، صدي بن عجلان، وهو من باهلة، وهي قبيلة من القبائل المعروفة والمشهورة في العرب، وكان رضي الله عنه يسكن الشام بعد الفتوحات، سكن الشام، وخاصة في حِمْص. ولهذا أكثر الرواة عنه حمصيون، كأبي عبد الرحمن القاسم، وهو حمصي كذلك. قال: عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن أولى الناس بالله تعالى من بدأهم بالسلام». قال: هذا حديث صحيح، إن رجاله رجال صحيح، إلا أبا خالد وهب بن خالد الحميري، وقد وثقه أبو داود، وقال أبو عاصم، والضحاك بن مخلد النبيل، وأبو سفيان الحمصي، ومحمد بن زياد الألهاني، وأبو أمامة، وصدي بن عجلان. فهذا الحديث: «إن أولى الناس بالله تعالى من بدأهم بالسلام». ورواه عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد الألهاني، عن أبي عبد الرحمن القاسم، عن أبي أمامة، وقال فيه: «من بدأ بالسلام فهو أولى بالله»، لكن الصحيح هذا اللفظ. ولأن عبيد الله بن زحر، وعلي بن يزيد الألهاني كلاهما ضعيف، فلهذا فهو المعنى واحد، لكن هذا أضبط: «إن أولى الناس بالله تعالى من بدأهم بالسلام». والمراد أولى الناس بالله؛ أي الذي يريد مرضاة الله عز وجل، والذي أيضًا يتتبع رضا الله، فهو الذي يبدأ المخاصم بالسلام، يبدأ المخاصم بالسلام. وهذا الحديث نزلَه العلماء على المتخاصمين، فإن الذي يبدأ بالسلام هو أولاهم بالله. ولهذا جاء أيضًا في حديث أبي أيوب الأنصاري في السنن، فقال عليه الصلاة والسلام: «فيلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض ذاك، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». وخيرهما الذي يبدأ بالسلام؛ معنى يتواضع، ولله عز وجل ليس أنه في ذلة، أو أنه كما يظن بعضهم أنها مهانة له، أو أنه كذلك يتذلل لهذا الغير، بل فعل ذلك لله، فعل ذلك لله عز وجل. ولأن الله عز وجل حرم القطيعة، فلهذا فهو يبدأ بالسلام لأجل الصلح، يبدأ بالسلام لأجل أن يصلح بين الله عز وجل بينه وبين أخيه. فخيرهم الذي يبدأ بالسلام، كما جاء في حديث أبي أيوب الأنصاري. وفي هذا الحديث أن أولى الناس بالله؛ أي برضى الله جل وعلا. وكذلك أيضًا أولى الناس باتباع شرع الله، وأولى الناس ممن يريد الله عز وجل وجه الله، هو من بدأهم بالسلام؛ معنى أقنع نفسه، وألزمها بالتواضع، فسلم على من خاصمه، ولم يتكبر، بل سلم عليه، وبدأه بالسلام. فهذا مع المسلم. وأيضًا كذلك قد يحمل هذا الحديث على عمومه؛ على أن من يبدأ بالسلام، من يبدأ الناس بالسلام، هو أولى الناس بالله، الذي يبدأهم بالسلام دائمًا، إذا رأى إذا التقى بشخص بدأ بالسلام، إذا مر على الناس بدأهم بالسلام، وهكذا دائمًا يسلم على الناس. وقد جاء في إفشاء السلام أحاديث كثيرة، وجاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قيل له: «أي الإسلام خير؟ قال: أن تقرأ السلام على من عرفته ومن لم تعرف، أن تقرأ السلام على من عرفته ومن لم تعرف. ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم، أفشوا السلام بينكم». فإفشاء السلام من علامات الخير، من علامات الترابط بين المسلمين. وأيضًا كذلك من علامات رضى الله عز وجل عن العبد، وتوفيقه له؛ أنه يبدأ الناس بالسلام. وهذا أيضًا لتعلق قلبه بالله، وبذكر الله جل وعلا. فلهذا فهو يبدأ الناس بالسلام. وسواء قلنا هذا المعنى، أو المعنى الذي ذكرناه قبل، وأكثر الشراح عليه؛ وهو أن هذا في المتخاصمين، فكله معنى جميل، ومعنى أيضًا طيب؛ أن الإنسان يتعجل في السلام على غيره، ويبدأ في السلام قبل الكلام، وقبل أيضًا أي تحية. فالسلام هو التحية الأولى، فإذا أراد مثلًا أن يقول: صباح الخير، أو مساء الخير، أو غيرها من هذه العبارات، يقولها بعد السلام. فمن الخطأ أن يلتقي الرجل مع أخيه، ولا يسلم عليه، وإنما يقول له: صباح الخير، أو مساء الخير، وهكذا؛ فهذا خطأ. لو جعلها بعد السلام ما في شيء، لكن يجعلها بدل السلام، هذا ليس صحيحًا. وهذه عادات ليست من عادات أهل الإسلام. فالإسلام منذ أن خلق الله عز وجل آدم إلى يومنا هذا؛ فهو تحية أهل الإسلام، تحية أهل الدين. كما جاء في الحديث أن الله عز وجل لما خلق آدم، قال لبعض ملائكته: «اذهبوا فسلموا عليه». فقالوا: السلام عليك. فقال: «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته». فقال الله عز وجل لآدم: «هذه تحيتك وتحية قومك؛ تحيتك وتحية قومك». فدل على أن السلام تحية للإسلام. والأفضل أنها تشيع بين أهل الإسلام، لا تقتصر على أناس. وقد ذكر ابن مسعود أن من علامات يوم القيامة سلام التعارف؛ أي أنه لا يسلم إلا على من يعرفه، ومن لا يعرفه لا يسلم عليه. وهذا خطأ، وإنما السلام يكون على من عرفت ومن لم تعرف؛ كما قال في الحديث: «ألقي السلام على من عرفت ومن لم تعرف». فهذا ما يذكر إن شاء الله تعالى في هذا الحديث. والله تعالى أعلم.