الدرس في كتاب الصلاة 25، ألقاها
يتناول المقطع شروط قصر الصلاة للمسافر، حيث يشترط أن تكون المسافة مسيرة يومين قاصدين، وأن يكون السفر مباحًا. كما يذكر اختلاف الفقهاء في تحديد مسافة السفر.
لا يشترط للقصر مسافة معينة في السفر، بل يرجع إلى ما تعارف عليه الناس، كما أن هناك خلافا بين العلماء حول اشتراط أن يكون السفر مباحا أو طاعة لصحة القصر.
اختلف العلماء في حكم قصر الصلاة في السفر غير المباح، والراجح أنه يجوز القصر في كل سفر مطلقًا، استدلالًا بأن الله لم يفرق بين سفر وسفر في أحكام الصلاة.
يشرع قصر الصلاة في كل سفر اعتبره الشرع سفرًا، بغض النظر عن كونه سفر طاعة أو مباحًا، وهذا الحكم يشمل مختلف أنواع السفر التي يعدها الناس سفرًا.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد بن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب الصلاة منه: باب صلاة المسافر، أي مدخل في الكلام على أحكام ومسائل صلاة المسافر. قال رحمه الله تعالى: وإذا كانت مسافة سفره ستة عشر فارسخًا، وهي مسيرة يومين. قال رحمه الله تعالى: وإذا كانت مسافة سفره ستة عشر فارسخًا، وقدر هذا بقدرة هذه المسافة بنحو ثمانين كيلو، أي من حيث المسافة الحديثة. فإذا سافر هذه المسافة، يقول إمامنا ابن قدامة رحمه الله تعالى: وهي مسيرة يومين قاصدين، أي في السير على البعير المحمل قاصدين، أي مستمرين، وكان مباحًا، أي كان ذلك السفر مباحًا، ليس هو سفر معصية، فله قصر الرباعية خاصة. وهذه شروط ذكرها الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في قصر الصلاة. أولها تحديد المسافة بأن تكون ستة عشر فارسخًا، وهي مسيرة يومين، هذا الشرط الأول أن يكون مسافرًا سفرًا هذه مسافته. الشرط الثاني: أن يكون مباحًا، أن يكون السفر مباحًا. ومعنى هذا أنه إذا كان سفر معصية فليس له القصر. وهذان الشرطان هما أحد الأقوال في المسألة. أقوال في المسألة ذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى، أي في تحديد مسافة السفر أولًا، وثانيًا في المسألة الأخرى: هل يشترط في السفر الذي يباح له القصر أن يكون سفرًا مباحًا أم لا؟ فأما المسألة الأولى، وهي تحديد المسافة في السفر، فكما سمعتم: منهم من حده بحد، ومن حده بحدٍ اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تحديد ذلك الحد. فكل فقيه نظر إلى المسافات التي خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم وقصر فعدها مسافة، وما دونها قال: لا تكون مسافةً للقصر. وهكذا اختلف في تحديدها باعتبار التحديد. والقول الآخر في المسألة من حيث الجملة: القول الذي ذهب إليه جماعةٌ من أهل العلم، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو القول بأن السفر ليس له مسافةً محدودة، وإنما يعود إلى ما تعرف عليه الناس. وهذا القول مبناه على مسألةٍ فقهية مشهورة، وقاعدةٍ فقهيةٍ مشهورة، وهي أن ما أطلقه الشرع من أحكام ولم يقيده بقيد، ولم يأتي تقييده بشرعٍ ولا بلغة، فإنه يعود في ذلك إلى ما تعارف عليه الناس؛ لأن الله جل وعلا خاطب الناس، فإذا خاطبهم بخطابٍ وأطلق ذلك الخطاب، لم يكن مقيداً بشرع، لم يكن مقيداً بلغة، فيكون التقييد في ذلك عائداً إلى ما تعارف عليه الناس. وهي القاعدة المشهورة: العادة محكمة، فيرجع في ذلك إلى ما تعارف عليه الناس، وإلى ما اعتاده الناس. فما كان في عرف الناس سفراً فهو سفر، وما لم يكن في عرف الناس سفراً فليس بسفرٍ، سواء طالت المسافة أو قصرت المسافة. أي تحديدها معنى أن تحديدها بكذا كذا كيلو أو كذا كذا فرسخ أو كذا كذا ميل أو ما شابه ذلك، هذا ليس عليه دليل؛ لأن الأسفار تختلف من بلدٍ لآخر، ومن مكانٍ لآخر، فتحديد مسافةٍ تشمل كل بلد وكل قطرٍ وكل مكانٍ هذا لا دليل عليه. فترجع المسألة في ذلك إلى ما تعارف عليه الناس، فرب بلدٍ يكون السفر عندهم نحو خمسين كيلو، وآخرون يكون السفر عندهم إلى البلد الأخرى وتكون بنحو مئة كيلو، وهكذا يرجع في ذلك إلى ما تعارف عليه الناس. والشرع أطلق الحكم، وجعل كل مسافرٍ فإن له أن يقصر. كل مسافرٍ فله أن يقصر من الصلاة؛ لما جاء في صحيح مسلم من حديثي يعلى بن أمية أنه سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فقال لعمر بن الخطاب: إن الله جل وعلا يقول: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال يعلى بن أمية: قال: فقد أمنا، أي لا نخاف من الكفار أن يفتنونا. قال: فقد أمنا، فما حكم القصر؟ ولماذا نقصر؟ والله جل وعلا يقول: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ أي يعني أن يفتنكم الذين كفروا. فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: قد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذي سألتني عليه، فقال: «إنما هي رخصة من الله جل وعلا أعطاكم إياها فاقبلوها» أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وجاء كذلك في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، قالت: «فُرضت الصلاة ركعتين، فزيدت في الحضر، وبقيت على ما هي عليها في السفر» أو كما قالت رضي الله عنها وأرضاها. وكذلك كان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ما سافر سفرًا قط إلا وكان يقصر من الصلاة، وكان يقصر من الصلاة. وهكذا أصحابه من بعده، فدل ذلك على مشروعية القصر في الصلاة، وعلى أن القصر يكون في كل سفر، كل ما تعارف عليه الناس بأنه سفر، فإنه يشرع فيه القصر دون تحديد بمسافة؛ لما تقدم من أدلة ظاهرها إطلاق السفر دون تقييده بمسافة معينة. فإذا نخلص من هذه المسألة، وهي: هل يشترط للقصر مسافة معينة في السفر؟ أي أن يكون السفر ويكون ذلك السفر له مسافة معينة. الجواب: أن الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى: أن السفر يرجع إلى ما تعارف عليه الناس، وكل ما سمي وتعارف عليه الناس بأنه سفر، فإنه يشرع فيه القصر، هذا هو القول الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى في المسألة المذكورة. هذا أولًا. المسألة الثانية: وهي هل يشترط في السفر أن يكون سفرًا مباحًا؟ أم أن القصر يشرع ولو كان في سفر غير مباح؟ بمعنى لو أن إنسان ذهب مثلًا في سفر مكروه، في سفر محرم، فهل له أن يقصر من الصلاة أم لا؟ هل له أن يقصر من الصلاة؟ هل له أن يصلي قصرا أم لا؟ كذلك في المسألة أقوال من العلماء، أقوال العلماء رحمهم الله تعالى: منهم من يرى أن القصر لا يكون إلا في سفر طاعة، يعني حتى المباح يقول: لا يشرع له القصر، سفر طاعة مثل ما؟ مثل حج، عمرة، مثل جهاد في سبيل الله، يقول لهذا القصر. وأما إذا كان سفره لغير عبادة، لغير طاعة، فإنه لا يشرع القصر. وقال آخر: بل الأمر أوسع من ذلك، فيشرع القصر في السفر ولو كان في أمر مباح، في أمر مباح. إنسان ذهب مثلًا إلى بلدة أخرى للتنزه، هذا أمر مباح من حيث الإباحة، مباح إذا لم يترتب عليه أمر محرم، فهل له أن يقصر؟ أصحاب القول الثاني يقولون: له أن يقصر ما دام مسافرًا وسفرًا مباحًا. القول الثالث في المسألة يقولون: يجوز القصر في كل سفر، يجوز القصر في كل سفر، سواء كان سفرًا مباحًا أو كان سفرًا غير مباح، سفرًا مباحًا أو كان سفرًا غير مباح، غير مباح كأن يذهب إنسان مثلًا يتعامل معه في البنوك الربوية، هذا سفر غير مباح، أو ما شابه ذلك من السفر الذي ينشئه الإنسان لأجل هذا المعنى، أي لا لأجل الطاعة، وإنما لأجل المعصية. فهل له أن يقصر من الصلاة أم ليس له أن يقصر من الصلاة؟ هذه المسألة كذلك فيها كما سمعتم هذا قول للعلماء رحمهم الله تعالى. وهذا القول والله أعلى وأعلم هو الأقرب والأظهر. وهذا القول كذلك ذهب إليه من أهل العلم أبو حنيفة وجماعة من العلماء، وهو الذي اختاره كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ومن المعاصرين العلامة عبد العزيز بن باز. رحم الله الجميع وأولهم، هذا مبناه على ما ذكر من أدلة في السفر؛ فالله تبارك وتعالى أطلق أحكام السفر، وأطلق أن الإنسان له أن يقصر، ولم يحدد في ذلك بين سفر وسفر. وكذلك نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لم يفرق بين سفر وسفر. ولو كان السفر غير المباح لا يشرع له القصر لبينه ربنا تبارك وتعالى، ولبينه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والأصل في ذلك أن كل مسافر فإن له أن يقصر؛ للأدلة الدالة على هذا المعنى. قالت عائشة رضي الله عنها كما سمعتم في الحديث السابق: «شُرعت الصلاة ركعتين، ثم قُصرت في السفر، وزيدت في الحضر». فمن أين لنا أن المسافر إذا سافر سفر غير طاعة أو سفرًا غير مباح أنه ليس له أن يقصر؟ وهذا شرع الله تبارك وتعالى، أو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أن المسافر ما دام أنه مسافر فإن له أن يصلي قصرا. هذا من حيث الأدلة. ومن حيث المعنى، ذكر العلماء رحمهم الله تعالى مناسبة، وهي أن مبنى صلاة القصر على الترخيص والتخفيف؛ أن مبنى صلاة القصر للمسافر على التخفيف وعلى الرخصة والتخفيف. ولو قيل لهذا الرجل الذي خرج في سفر غير سفر طاعة، بل هو في سفر معصية: ليس لك أن تقصر، ويجب عليك أن تصلي تمامًا، ربما تكاسل وتخاذل، وكان في ذلك سبب للتكاسل والتهاون في أمر الصلاة. بخلاف ما إذا قيل له: هذه رخصة، واتق الله تبارك وتعالى في سفرك كذلك من حيث الصلاة، لك أن تقصر، لكن ذلك السفر عليك أن تتقي الله تبارك وتعالى فيه، وأن تنظر في أمرك، وأن تحاسب نفسك. فالحاصل في هذه المسألة أن القصر يشرع في كل سفر جعله الشرع سفرًا، وعده الناس سفرًا، سواء كان في سفر طاعة أو لم يكن في سفر طاعة، سواء كان في سفر مباح أو لم يكن في سفر مباح. والله تعالى أعلى وأعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.