كتاب الصلاة 9

الدرس في كتاب الصلاة 9، ألقاها

صفة الصلاة وأحكامها

يشرح هذا الفصل صفة الصلاة وأحكامها، ويتناول أدعية الاستفتاح الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. كما يبين كيفية نظر المصلي أثناء الصلاة.

حكم قراءة الفاتحة للمأموم

يناقش هذا الفصل حكم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية للمأموم، ويستعرض آراء الفقهاء والأدلة الشرعية حول هذا الموضوع.

أحكام قراءة الفاتحة وسورة في الصلاة

يوجز هذا الفصل أحكام قراءة الفاتحة وسورة في الصلاة، ويبين ضرورة قراءة الفاتحة واستحباب قراءتها في سكتات الإمام، كما يستحب قراءة سورة بعدها.

الجهر والإسرار في الصلاة

يشرح هذا الفصل أحكام الجهر والإسرار في الصلاة، ويبين المواضع التي يجهر فيها الإمام والمواضع التي يسر فيها استنادًا إلى السنة النبوية.

  • 24 جمادى الآخرة 1435هـ - 24/04/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الفقه" في باب صفة الصلاة: قال رحمه الله تعالى: "ويجعل نظره إلى موضع سجوده". وذكر لهذا دليلين، أحدهما نقلي والآخر نظري. فأما النقل، فقد جاء في ذلك حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رمى بصره إلى موضع سجوده. وهذا الحديث محل خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى في تصحيحه وعدمه. كان شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى يضعف هذا الحديث، وهذا من حيث النظر. والعلامة الألباني رحمه الله تعالى يصحح هذا الحديث. وأما من حيث النظر، فكما ذكر من ذكر من العلماء رحمهم الله تعالى أن ذلك أجمع للقلب وأخشع للمصلي. فإذا فعل ذلك فهو حسن، باعتبار أنه سبب لاستجماع قلبه، وكذلك لتدبره في صلاته. وهناك أحاديث أخرى فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما نظر إلى أمامه، كما جاء في صحيح في حديث عائشة حينما وضعت غرامًا في بيتها، أو في جهة قبلة النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "أميطي عنا غرامك، فإن تصاويره لا تزال تعرض علي في صلاة". فاستدل به من استدل أن المصلي ربما نظر أحيانًا إلى قبل وجهه. وكما سمعتم، العبرة بأن يرمي بصره في مكان لا يكون شاغلًا له. وما ذكر من مكان السجود لعله يكون أفضل، ولا سيما مع ما حصل من التوسع والتساهل عند كثير من المسلمين والمصلين في هذه الأزمنة الأخيرة. تجد بعض المصلين إذا صلى أمامك تجد على ملابسه أنواعًا من الصور وأنواعًا من المشغلات. فلو أنه رمى ببصره إلى أمامه ربما لا يعقل من صلاته إلا ما شاء الله. فلأجل هذا لو أنه رمى ببصره ونظره إلى مكان سجوده فكان أجمع لصلاته وأجمع لقلبه. قال رحمه الله تعالى: "ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك". وجاء في ذلك حديث عند مسلم من حديث عمر رضي الله عنه وأرضاه. ولكن جماعة من الأئمة رحمهم الله تعالى أعلّوا الحديث الذي في صحيح مسلم، ورجح فيه طائفة من الحفاظ الوقف على عمر رضي الله عنه وأرضاه. وعلى القول بأنه موقوف، فإنه يكون من قبيل الموقوف سندًا والمرفوع حكمًا، لأن عمر رضي الله عنه وأرضاه كان يقرأ بذلك الدعاء ويسمع من خلفه وهو إمام للمسلمين في مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من دون نكير. فدل ذلك على أن ذلك الدعاء إنما تلقاه عمر رضي الله عنه وأرضاه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالحاصل أن هذا الدعاء من حيث العمل به ومن حيث الثبوت ثبت عن عمر، وهو من قبيل الموقوف سندًا والمرفوع حكمًا. وهذا أحد أنواع الأدعية التي تسمى بأدعية الاستفتاح في الصلاة. وقد جاء في هذا الباب ثلاثة أحاديث ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هذا أحدها، وثانيها ما جاء كذلك في صحيح مسلم من حديث علي رضي الله عنه وأرضاه. وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى كبر واستفتح صلاته فقال: "اللهم إني وجهت أو قال وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين". الحديث. وجاء كذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. والهيئة الثالثة: وهو أن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله، أرأيت سكتتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيها؟" فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقي من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد". وكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن هذه الأدعية كلها ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وبأيها فعل فقد أحسن، بأيها فعل فقد أحسن. فيكون التنويع فيها من باب التنويع في السنن، وهو سنة. التنويع فيها من باب التنويع في السنن، وهو سنة كما يقول علماء رحمهم الله تعالى. فينبغي للمصلي أن ينوع، تارة يقرأ بدعاء آخر، وتارة هكذا، مرة ثالثة بدعاء الثالث. وهذا من السنن، وهذا كذلك كما سمعتم من السنن. وها هنا مسألة: وهي هل من السنة أن يجمع بين هذه الأدعية الثلاثة في صلاة واحدة؟ أن يقرأ بالدعاء الأول ثم الثالث ثم الثالث، أم ليس ذلك من السنة؟ والجواب: أن ذلك ليس من السنة، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان يفعل تارة هذا وتارة ذاك وتارة الثالث، فلم يكن يجمع بينها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فدل ذلك على أن الجمع بين جميع الأدعية ليس من السنة. قال رحمه الله تعالى: "ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". وهذا الدعاء كذلك، أي الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، جاء أو ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه كان يقرأ بها أو يقول هذا الذكر، هذا الكلام قبل الشروع في القراءة، قبل أن يشرع في القراءة. كان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقرأ في صلاته بالاستعاذة من الشيطان الرجيم، أي في هذا الموضع. وقد جاء في ذلك كما سمعتم حديث عند أبي داود وغيره بإسناد صحيح. ويدل عليه كذلك قول الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. قوله رحمه الله تعالى: "ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يقرأ باسم الله الرحمن الرحيم". ولا يجهر بشيء من ذلك، أي لا بالاستعاذة ولا بالبسملة. بمعنى أنه يسر بالاستعاذة ويسر بالبسملة في الصلوات الجهرية، ومن باب أولى في الصلوات السرية. لقول أنس رضي الله عنه: "صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". والحديث متفق عليه. والشاهد منه واضح: أنه كان النبي صلى الله عليه وسلم وهؤلاء الخلفاء الثلاثة كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، ولم يكونوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. بمعنى أنهم كانوا يقرؤونها، ولكنهم لا يجهرون بها، يقرؤونها ولكن لا يجهرون بها. فهذه من السنن التي ينبغي كذلك أن يحافظ عليها في أوائل الصلوات. بمعنى أنه إذا قرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية، وكذلك إذا قرأ السورة التي تلي الفاتحة، فلا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. هذا هو المستحب، وهذه هي السنة. قد جاء حديث عند أحمد وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم جهر ببسم الله الرحمن الرحيم. وهذا الحديث الصحيح من أقوى العلماء رحمهم الله تعالى أنه ضعيف، لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وقد كان شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله مرارًا وتكرارًا يقرر في دروسه أن هذا الحديث ضعيفًا ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ومع هذا، الشيخ رحمه الله تعالى ذكر هذا الحديث في كتابه "الصحيح المسند" في الطبعة القديمة. ولما وقف على ضعف الحديث وإعلانه، كان يعتزم على إخراجه من "الصحيح المسند" إلى "أحاديث معلة". ولكن حصل له ما حصل من المرض، وهي الكتاب للطباعة مرة ثانية. والشيخ كان مريضًا، وعرض عليه هذا الأمر، أي بعض الأحاديث التي ضعفها في الدرس: ماذا يصنع بها؟ هل يبقيها في "الصحيح المسند" أم أنه ينقلها إلى "أحاديث معلة"؟ فقال الشيخ رحمه الله تعالى: "أنا الآن بعيد عن مكتبتي، فما كتبته ما كان مكتوبًا". الشيخ رحمه الله تعالى كان من عادته إذا كان حديث معلًا يعلق عليه إما في الحاشية وإما يكتب ورقة ويدبس عليها، يقول: "هذا الحديث أعلق، فلا ينتقل أو ينقل إلى أحاديث معلة". فيقول: "ما علقت عليه ينقل، وما لم أعلق عليه يبقى على ما هو عليه". ولعل الله أن يؤيسر لي أن أرجع فأنظر في ذلك فيما بعد. فوافته منية رحمه الله تعالى وغفر له. وذكري لهذا الأمر، لأجل أن لا يقال: "كيف تنقلون عن الشيخ رحمه الله تعالى بأن الحديث ضعيف وهو موجود في الطبعات الجديدة من "صحيح المسند"؟" فهذا هو الجواب عن هذا الاستشكال، والله أعلم. فالحاصل أن الحديث لا يصح. قال رحمه الله تعالى: "قال: ثم يقرأ الفاتحة". ثم يقرأ الفاتحة، أي بعد أن يقرأ بالاستعاذة والبسملة، ولا يجهر بها، يقرأ الفاتحة. قال: "ولا صلاة لمن لم يقرأ بها". وهذا هو الصحيح، بل هذا محل إجماع، يعني هذا قول الجمهور، وهو الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى. من أن قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة. يدل على هذا ما جاء في حديث المسيء في صلاته، وفيها في بعض طرقه وألفاظه: "وأقرأ بفاتحة الكتاب". وجاء في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". وجاء في صحيح مسلم الحديث: "من صلى صلاة فلم يقرأ فيها بأم القرآن، فصلاة خداج". فدلت هذه الأحاديث على ركنية قراءة الفاتحة في الصلاة لمن كان قادرًا على ذلك. ومعنى قادرًا على ذلك: أي كان يستطيع القراءة ينطق بذلك، أو كان ممن يحفظ الفاتحة ويقرأ ذلك. أما لو كان إنسان حديث عهد بإسلام، أسلم ولا يدري، أو ضاق عليه الوقت، فإما أن يقرأ الفاتحة ويذهب عليه الوقت، وإما أن يصلي ويقرأ بما تيسر. فإن لم يسبح ويكبر ويهلل فماذا يصنع؟ يذكر الله عز وجل على ما يسر الله جل وعلا له. وهذا يدخل في عموم قول الله جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. أو كان إنسان لا يستطيع الحفظ أصلًا، وهذا حاصل عند بعض الناس، تقرئه ما يحفظ أبدًا. فماذا يصنع؟ قال العلماء رحمهم الله تعالى: مثل هذا يكبر ويسبح ويهلل ويستغفر مكان القراءة، إن كان يستطيع أن يقرأ شيئًا من القرآن قرأه، إن كان ما يستطيع ينتقل إلى هذا الأمر. والقصد ذكر الله جل وعلا، ولا سيما مع العجز. فالقاعدة عند العلماء: "لا واجب مع عجز". لقول الله جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. فإذا قراءة الفاتحة ركن من أركان الصلاة لمن كان قادرًا مستطيعًا لها. أما الأخرس مثلًا، ليست بواجب عليه. لماذا؟ لأنه لا يستطيعها. وكذلك من تقدم ذكره. قال رحمه الله تعالى: "ولا صلاة لمن لم يقرأ بها إلا المأموم، فإن قراءة الإمام له قراءة". هذه مسألة من المسائل التي وقع فيها خلاف بين الفقهاء رحمهم الله تعالى. وهي هل قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية للمأموم ركن أم ليست بركن؟ بمعنى أنها تسقط. قولان مشهوران عند العلماء رحمهم الله تعالى. أحدها ما ذكره الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى ها هنا، وهو أن قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية خلف الإمام لا تجب على المأموم. واستدل هؤلاء بأدلة، منها ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قرأ الإمام فأنصتوا". وأيضًا استدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. ونقل الإمام أحمد رحمه الله تعالى الإجماع على أن ذلك في الصلاة. وكذلك استدلوا بما جاء في حديث عبد الله بن شداد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة". فقالوا: هذه الأدلة تدل على أن الصلاة الجهرية لا تجب فيها قراءة الفاتحة على المأموم. والقول الآخر: أن قراءة الفاتحة للإمام والمأموم في الجهرية سواء، بمعنى أنه يجب على المأموم أن يقرأ بالفاتحة حتى في الجهرية. استدل هؤلاء بعموم الأحاديث السابقة: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". قالوا: من ألفاظ العموم، والأصل بقاؤها على بابها. واستدل كذلك بأدلة خاصة، منها ما جاء أو ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في حديث عبادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يومًا، فلما فرغ من صلاته قال: "لعلكم تقرؤون وراء؟" قالوا: "نعم يا رسول الله". قال: "لا إلا بأم الكتاب". فهذا الحديث هو نص في هذه المسألة وقاطع للنزاع. "لا إلا بأم الكتاب"، وهو حديث حسن، يحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغيره. وأجيب عن أدلة الفريق الأول بأن حديث أبي هريرة في مسلم: "إذا قرأ الإمام فأنصتوا"، بأنه حديث معل، أعلّه جماعة من الحفاظ، منهم الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والبيهقي وغيرهم. وأن إبراهيم التيمي رحمه الله تعالى تفرد بهذه الزيادة، وأنها زيادة شاذة، فهو حديث ضعيف. وأما الآية: ﴿فَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، وما نقل من إجماع، قالوا: نعم، هذا هو الواجب. ويستثنى من ذلك قراءة الفاتحة، للنص الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فتبقى الآية على عمومها في غير سورة الفاتحة، فلا يشرع ولا يجوز للمأموم أن يقرأ شيئًا سوى الفاتحة في الصلاة. وأجابوا كذلك عن حديث عبد الله بن شداد: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"، بأنه حديث معل، والراجح فيه الإرسال. وإذا كان كذلك، ظهر الراجح من القولين: وهو أن قراءة الفاتحة في الجهرية، وكذا في السرية، وكذا للمنفرد، واجبة. لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". ولغيرها من الأدلة المشار إليها والمذكورة. قال رحمه الله تعالى: "ثم يقرأ الفاتحة، ولا صلاة لمن لم يقرأ بها إلا المأموم، فإن قراءة الإمام له قراءة". ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام، وما لا يجهر فيه. وسكتات الإمام كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: للإمام سكتتان، الأولى في بداية الصلاة بعد التكبير، كما جاء في حديث أبي هريرة: "أرأيت سكتتك بين التكبير والصلاة؟" والثانية بعد أن يفرغ من قراءة الفاتحة. فقال العلماء رحمهم الله تعالى: في أي ذلك قرأ صح. ولو أن يقرأ في غير هذه المواضع، كأن يكون الإمام مثلًا قرأ سريعًا، كبر فشرع في القراءة، ثم قرأ السورة الأخرى مباشرة بعد الفاتحة. فلو أن يقرأ الفاتحة في أي موضع، لكن هذا من باب الأفضل، حتى يجمع بين الأمرين: بين الإنصات وبين قراءة الفاتحة. فإن لم يستطع، قرأ الفاتحة ثم أنصت. واستحب بعض العلماء رحمهم الله تعالى أن تكون قراءة الفاتحة بعد قراءة الإمام لها، وذلك ليحصل معنى الإئتمام بالإمام، لأن الإمام يسبق المأموم في جميع أفعال الصلاة، وكذلك أذكار الصلاة الظاهرة من القراءة. قال: فكذلك ينبغي أن يكون المأموم في قراءته، بمعنى أنه لا يقرأ قبل الإمام. وبعض أهل العلم ذكر موضعًا ثالثًا، فقالوا: إذا قال: "الحمد لله رب العالمين" يقول: "الحمد لله رب العالمين"، إذا قال: "الرحمن الرحيم" يقول: "الرحمن الرحيم"، وهكذا يقرأ بعده آية فآية. لكن هذا سيحصل له تشويش، فلا يستطيع كما يقال تدبر القراءة. فالأفضل أن يقرأ بعد أن يفرغ الإمام من القراءة، أي من قراءة الفاتحة. إذا فرغ الإمام من قراءة الفاتحة، قرأ بعد ذلك قراءة موجزة، أي قراءة سريعة، ثم أنصت للإمام، جمعًا بين الأدلة. قال رحمه الله تعالى: "ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام". وقوله: "يستحب" معناه: أنه إذا قرأ في غير ذلك أو في غير هذين الموضعين، صح ذلك وجاز. قال رحمه الله تعالى: "وما لا يجهر فيه". قال: "ثم يقرأ سورة". ثم يقرأ سورة، أي بعد أن يقرأ الفاتحة يقرأ سورة. لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في صلاة بالفاتحة وسورة. وجاءت أحاديث كثيرة تبين أحيانًا يقرأ بسورة، وصلاة أخرى في سورة أخرى، وهكذا. فدلت الأحاديث بمجموعها على أن المصلي إذا صلى وقرأ الفاتحة، هذا على سبيل وجوب وركنية، ثم يقرأ بعد ذلك ما تيسر من القرآن. قال بعض أهل العلم: ولو آية، ولو آية يحصل مقصود بقراءة ولو آية. قال: "ثم يقرأ سورة". يعني قالوا: ثم يقرأ سورة، كما سمعتم، أو بعض أو شيئًا من القرآن، أو شيئًا من القرآن. ولو أنه قال: "شيئًا من القرآن" لكان أعم. قال: "ثم يقرأ سورة تكون في الصبح من طوال المفصل". وقوله: "في الصبح من طوال المفصل" يدل على ذلك ما جاء في صحيح مسلم، حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه وأرضاه، حينما ذكر مواقع الصلاة وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر قال: "وصلاة الفجر يقرأ بين الستين إلى المئة". يعني بين ستين آية إلى مئة آية، هذا في صلاة الفجر. فكان في صلاة الفجر صلى الله عليه وسلم يقرأ بين الستين إلى المئة، أي تارة ستين، سبعين آية، ثمانين آية، بين هذا العدد. قال: "وفي المغرب من قصاره". من قصار أي من السور القصار، كما جاءت في ذلك الأحاديث، أي يقرأ بالشمس وضحاها، بالضحى، وما شابه ذلك من السور القصار. قال: "وفي المغرب من قصاره". وهذا كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، هذا هو الغالب، وإلا إذا قرأ أحيانًا بالطوال، فإن ذلك قد حصل من النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ولكن كما قال العلماء رحمهم الله تعالى: القاعدة في الإمام إذا صلى بالناس أن يراعي من وراءهم من المأمومين. أن يراعي من وراءهم من المأمومين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أممت قومك فإن وراءك الكبير والصغير وذا الحاجة". وجاء في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعض أصحابه رضي الله عنه وأرضاه أن يقتدي بأضعفهم، قال: "واختدي بأضعفهم". أي اجعل صلاتك مناسبة لأضعف القوم، لأجل أن لا تشق على المصلين. وكما قال علماء رحمهم الله تعالى: هذا التخفيف تخفيف نسبي، هذا التخفيف تخفيف نسبي. فيختلف التخفيف من مكان إلى مكان، وكذلك من زمان إلى زمان، ومن مسجد إلى مسجد. يعني بعض المساجد تكون مساجد فيها مثلًا طلبة علم، وفيها نشاط للعبادة، فالتخفيف يقول بحسبه. وبعض المساجد تكون مساجد فيها عوام، أو في الأسواق، وناس يحتاجون إلى صلاة كما يقال خفيفة، حتى ينطلقون إلى أسواقهم وإلى أعمالهم. فمثل هؤلاء يخفف لهم الصلاة، لكن تخفيف غير مخل، لأن بعض الناس فهم من التخفيف الإخلال، وهذا خطأ، فلا إفراط ولا تفريط. قال أنس رضي الله عنه وأرضاه: "ما صليت خلف إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم". فصلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الوصفين: يخفف ويتم الصلاة، يخفف ويتم الصلاة. فهذا هو المقصود، وهذا هو المطلوب. وكما سمعتم: التخفيف يكون بحسبه. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الفجر بقاف ونحوها، وكان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء والطارق، والسماء ذات البروج، وكذلك الغاشية والأعلى، والشمس وضحاها. المهم بنحو هذه الصورة، هذا تخفيف، هذا يسمى تخفيف. في هذه الأيام إذا وصل الإنسان بسبح اسم ربك الأعلى في الأولى، والغاشية في الثانية، أي شيء يسمون هذا يا جماعة تطويل أو تخفيف؟ تطويل، هذا هو التخفيف الشرعي، واضح. ومع هذا كما يقال ينظر ما تقدم ذكره، يفرق من مسجد إلى مسجد، ومن مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان. يعني بعض أماكن مثلًا ناس يكون في أسواق، المسجد في السوق، معلوم أن عادة أهل السوق أنهم يريدون الصلاة خفيفة، يصلي صلاة فيها خفة وتمام. وفي مكان آخر ناس كما يقال متشوقوا العبادة، في أماكن مثلًا فيها طلبة علم، وما شابه ذلك، يحبون التطويل في القراءة، التطويل في السجود، في الركوع. فهؤلاء كذلك يكون التخفيف بحسبه، يكون التخفيف بحسبه. فالتخفيف نسبي كما ذكر ذلك العلماء رحمهم الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: "ويجهر الإمام بالقراءة في الصبح". طيب، قال: "وفي المغرب من قصاره". وفي سائر الصلوات من أوساطه، من أوساط المفصل. مثل سور يعني جزء تبارك، جزء قد سمع، هذا فيه بقية الصلوات: العشاء، وكذلك الظهر، العصر. لكن كما يقال: إنسان ينظر الأصلح ويقتدي ويقتدي بأضعفهم. قال: "نعم، اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا، وإذا أممت الناس فاقتدي بأضعفهم". رواه أبو داود وغيرهم من حديث معاوية بن أبي العاص رضي الله عنه وأرضاه. قال: "ويجهر الإمام بالقراءة في الصبح والأوليين من المغرب والعشاء، ويسر فيما عدا ذلك". ويسر فيما عدا ذلك. هذه السنة: أنه في صلاة الفجر يجهر في الركعتين، وكذا المغرب والعشاء يجهر في الركعتين الأوليين. وما عداها من ركعات والصلوات، فإنه لا يجهر بها، بل يسر ذلك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك. وهو الذي قال: "خذوا عني مناسككم". وهو الذي قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على