كتاب الصلاة 24

الدرس في كتاب الصلاة 24، ألقاها

حكم الجمع بين الصلاتين للمشقة وتأسيسه الشرعي

إذا شق على الشخص أداء كل صلاة في وقتها، فله الجمع بين الظهر والعصر وبين العشاءين في وقت إحداهما استنادًا إلى أدلة شرعية مثل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقاعدة 'المشقة تجلب التيسير'. هذا الحكم يأتي في إطار التيسير على المسلمين وتخفيف المشقة عنهم.

شروط الجمع بين الصلاتين وتفاصيله الفقهية

استدل العلماء بحديث ابن عباس على جواز الجمع بين الصلاتين بسبب المشقة، وذكر الإمام ابن قدامة شروطًا ثلاثة للجمع، وهي نية الجمع عند فعل الصلاة الأولى، واستمرار العذر حتى يشرع في الصلاة الثانية، وألا يفرق بينهما إلا بقدر الوضوء. هذه الشروط تبيّن الضوابط الدقيقة للجمع بين الصلاتين.

تطبيقات الجمع بين الصلاتين في مختلف الحالات

يتناول آراء الفقهاء حول شروط الجمع بين الصلاتين ويشرح الراجح منها، كما يتطرق إلى حالات الجمع للمطر وللمسافر. الجمع للمطر مقصور على العشاءين عند بعض الفقهاء بينما يجوز بين الظهر والعصر أيضًا وفقًا لحديث ابن عباس، مما يبين تعدد آراء الفقهاء في هذه المسألة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ما زلنا في باب صلاة المريض، وتوقفنا أمس عند قوله رحمه الله تعالى: «وعليه قضاء ما فات من الصلوات في إغمائه». وذكرنا فيما مضى أن المغمى عليه له حالتان: الحالة الأولى يشبه فيها بالمريض فيأخذ أحكام المريض، والحالة الثانية يشبه بها بالمجنون فيلحق بأحكام المجنون. قال رحمه الله تعالى: «وإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها، فله الجمع بين الظهر والعصر وبين العشاءين في وقت إحداهما». هذه مسألة من المسائل التي يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى في هذا الباب، أي في باب صلاة أهل الأعذار. وهي كما قال رحمه الله تعالى: «وإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها»، كأن يكون رجل لديه مثلاً من الأعمال ما لا يستطيع معها أن يصلي في وقت واحد، كأن يكون حارسًا في ثغور الإسلام ونحوها، ولا يستطيع أن يتفرغ إلا في وقت واحد. فالعلماء رحمهم الله تعالى في مثل هذه الحالة يقولون له: أن يجمع للمشقة من الصلاة في وقتين متفرقين. وأيضًا مما ذكروا الفقهاء في هذا الأمر: كذلك من المشقة ما يحصل في بعض البلاد الغربية، ولا سيما في مثل هذه الأزمان، يعني في بعض بلاد الغرب صلاة المغرب بينها وبين صلاة العشاء أحيانًا نحو أربع أو خمس ساعات. فلهذا أفتى العلماء رحمهم الله تعالى في مثل هذه المسائل بهذا الحكم: «المشقة تجلب التيسير»، بمعنى أن له أن يجمع بين المغرب والعشاء؛ لأجل المشقة الموجودة. ومتى ما ذهبت المشقة، وجب عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها. فقوله رحمه الله تعالى: «وإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها، فله الجمع بين الظهر والعصر وبين العشاءين في وقت إحداهما»، أي في وقت الأيسر. مثلاً الظهر والعصر عليه مشقة ما يستطيع أن يصلي العصر إلا في وقت الظهر، مشقة عظيمة تحصل له إذا أخر العصر. ففي مثل هذه الحالة له أن يجمع بين الصلاتين، وكذلك بين المغرب والعشاء كما تقدم. له أن يصلي أن يجمع بين الصلاتين. استدل العلماء رحمهم الله تعالى على هذا الحكم بأدلة عامة، وبدليل خاص. فمن الأدلة العامة قول الله جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقول الله جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقول الله جل وعلا عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾، وكذلك أدلة رفع الحرج: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. هذه أدلة عامة. والقاعدة عند العلماء في هذا الباب وفي غيره: «المشقة تجلب التيسير». واستدلوا كذلك بدليل خاص، وهو ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس، وجاء بألفاظ عند البخاري، وكذلك بألفاظ عند مسلم، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المدينة ثمانًا وصلى سبعًا، أي صلى ثماني ركعات الظهر والعصر، وصلى سبع ركعات المغرب والعشاء. جاء في حديث ابن عباس عند بعض روايات مسلم قال: «من غير عذر ولا مرض، من غير عذر ولا مطر». فقيل لابن عباس رضي الله عنه: لماذا؟ فقال ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه: «أراد أن لا يحرج أمته»، أراد أن يرفع الحرج عن أمته إذا وقع الحرج. فاستدل العلماء رحمهم الله تعالى بهذا المعنى على هذا الحكم: أن المشقة إذا وجدت وتحقق، فللإنسان أن يجمع بين الصلاتين دون قصر، ولو كان في الحضر، ولو لم يكن هناك مطر، ولو لم يكن هناك مرض، ولكن لأجل المشقة العظيمة التي قد تكون سببًا لأن يصلي الإنسان الصلاة الأخرى مع كلفة عظيمة، ربما ضيع بعض الحقوق أو الواجبات. ففي مثل هذه الحالة: «المشقة تجلب التيسير». له أن يجمع بين الصلاتين في وقت الأخرى. له أن يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر في وقت إحداهما، إما أن يقدم وإما أن يؤخر. وله أن يجمع بين المغرب والعشاء أيضًا في وقت إحداهما، إما أن يقدم وإما أن يؤخر. ولا يجوز له أن يجمع بين الفجر وغيرها، ولا بين العصر والمغرب بإجماع. ليس له أن يجمع بين الفجر وغيرها، ولا بين العصر والمغرب بإجماع. فليس من صور الجمع المشروع أن يجمع الفجر مع غيرها من الصلوات. قال رحمه الله تعالى: «فإن جمع في وقت الأولى»، مثلاً الظهر والعصر جمع في وقت الظهر. قال: «اشترط نية الجمع عند فعلها، واستمرار العذر حتى يشرع في الثانية منهما، وأن لا يفرق بينهما إلا بقدر الوضوء». هذه شروط ثلاثة ذكرها الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في جواز الجمع. الأول: إذا كان في وقت الأولى، الأول النية، نية الجمع بين الصلاتين، أي إذا صلى أول ما يبدأ الظهر ينوي أن يصلي بعدها أن يجمع بعدها بالعصر. الشرط الثاني: استمرار العذر الذي لأجله جاز له أن يجمع بين الصلاتين. الأمر الثالث: أن لا يفرق بين الصلاتين إلا لحاجة، كأن يحتاج إلى وضوء، وإلا الأصل أن يصلي الصلاة بعد الصلاة. هذه شروط ثلاثة، وهذه الشروط الثلاثة التي ذكرها الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى كلها محل خلاف بين العلماء. فأما الشرط الأول وهو اشتراط نية الجمع عند فعلها، فهذا القول ذهب إليه جماعة من الأئمة رحمهم الله تعالى، هو قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله. قالوا: بأن الإنسان إذا جمع بين الصلاتين فيجب عليه أن ينوي عند الصلاة الأولى إذا كان في وقت الأولى أن يجمع بين الصلاتين، لا بد من النية. وذهب الإمام مالك وأبو حنيفة، وهي الرواية الأخرى عن أحمد رحمه الله تعالى، وهي التي اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن النية في الجمع غير مشروطة؛ لعدم الدليل عليها. وهذا هو الراجح؛ إذ الشروط أحكام لا تثبت إلا بأدلة، ولا دليل على ذلك. قال رحمه الله: «وإن أخر الأولى إلى الثانية»، مثلاً صلى الظهر في وقت العصر أو المغرب في وقت العشاء. قال: «وإن أخر اعتبر استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية منهما». وتقدم الكلام على هذا الشرط، وأن ينوي الجمع في وقت الأولى. قال: «قبل أن يضيق عن فعلها». وقد تقدم الكلام على هذه الأمور. قال: «ويجوز الجمع للمسافر الذي له القصر». قوله: «ويجوز الجمع للمسافر الذي له القصر»، ومعنى هذا أن من كان مسافرًا وجاز له القصر فإنه يجوز له الجمع. وقوله: «يجوز» أي من غير شرط ولا قيد، لا لعذر ولا لغير عذر، ما دام أنه مسافر. فله أن يجمع؛ لأن الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في قوله: «ويجوز الجمع للمسافر الذي له القصر»، فيه إشارة إلى أن المسافر مسافران: مسافر له القصر، ومسافر ليس له القصر. وهذه المسألة متفرعة عن مسألة أخرى: ما هي مدة القصر؟ متى للمسافر أن يقصر؟ فبعض أهل العلم قالوا: لا يجوز للمسافر أن يقصر إلا لمسافة معينة. ومنهم من قال: لابد أن يسافر على بعد ثلاث مراحل. وبعضهم قال: يومين وليلتين. وبعضهم قال: يوم وليلة. والصحيح من أقوال العلماء هو ما ذهب إليه طائفة من أهل العلم، وهو الذي رجحه واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وتلميذه ابن القيم، وطائفة من المحققين من المعاصرين: أنه لا مسافة لتحديد السفر في القصر، بل كل سفر سمي سفرًا فإنه يشرع فيه القصر. قال رحمه الله تعالى: «ويجوز الجمع في المطر بين العشاءين خاصة». وقوله: «ويجوز الجمع في المطر» أي عند نزول المطر. والإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى ها هنا أطلق المطر. والعلماء رحمهم الله تعالى يفسرون المطر الذي يبيح الجمع. فأما المطر الغزير الكثير فهذا محل اتفاق، وكذلك الطل الذي هو أخف المطر أيضًا على الصحيح أنه مما يبيح الجمع بين الصلاتين. قالوا: أما إذا كان مطرًا خفيفًا لا أثر له، فمثل هذا لا يترتب عليه أحكام العذر بالمطر. قوله: «ويجوز الجمع في المطر بين العشاءين خاصة»، أي بين المغرب والعشاء. وقوله: «خاصة» دل على أن غيرها من الصلوات كالظهر والعصر فليس له أن يجمع. والصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى أن له أن يجمع بينهما؛ لمفهوم حديث ابن عباس رضي الله عنهما. فإن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء صلى الله عليه وسلم من غير عذر ولا مطر. وقوله: «ولا مطر» دل على أنه إذا وجد المطر كان كذلك من الأعذار المبيحة للجمع بين الصلاتين. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على