الدرس في كتاب الديات 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
القسامة هي حلف يمين خمسين مرة، وتستخدم في حالة اتهام جماعة بقتل شخص، إما أن يحلفوا براءتهم أو يدفعوا الدية.
أقر الإسلام القسامة كما كانت في الجاهلية، حيث يروي المقطع قصة تطبيقها في حادثة قتل هاشمي على يد مخزومي، ثم تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم لها في الإسلام في حادثة قتل عبد الله بن سهل في خيبر.
القسامة هي حكم شرعي يطبق عند العجز عن معرفة القاتل، حيث يحلف خمسون من المدعين يمينا لاتهام الطرف الآخر بالقتل، فإن حلفوا أخذوا الدية أو القصاص.
يعطي إمام المسلمين دية للرجل لأوليائه، وهذا يدل على تطبيق العدالة في المجتمع الإسلامي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، بعد. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: باب القسامة، بتشديد السين. القسامة وهي الحلف، القسامة معناها من الانقسام من الحلف اليمين. قال: إذا كان القاتل من جماعة المحصورين ثبتت، وهي خمسون يمينا يختارهم ولي القتيل، ديا إن نكلوا عنها، وإن حلفوا سقطت، وإن التبس الأمر كانت من بيت المال. هذه المسألة مسألة القسامة، المراد بها ما يحصل بين طوائف المسلمين من المنازعات. ولهذا اتفق العلماء أو أكثر أهل العلم على أنه في القسامة لا بد أن يكون هناك لوث، والمراد باللوث أي عداوة بين القبيلتين. فيوجد قتيل من الطائفة الأولى عند الأخرى، أو ليس عندها، المهم وجدوا رجلا قتيلا، وهذه القبيلتان بينهما حرب، بينهما عداوة. فإذا اتهمت هذه القبيلة الأخرى أنها قتلت صاحبها، فالقسامة هنا تكون. فإذا ادعت هذه القبيلة أن القبيلة الأخرى قتلت صاحبهم، فيكون على القبيلة الأخرى خياران: إما أن يحلفوا، وإما أن يدوا الدية. إذا رفضوا الحلف، يعطون الدية. وإن رأوا أنهم لم يقتلوا، تحلف القبيلة الأخرى، يحلف المدعون خمسين يمينا على أنهم قتلوا، ويأخذون الدية برمته، أو على أن فلانا قتل صاحبه. وهذه القسامة كانت في الجاهلية موجودة، وجاء عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية». وحصلت في الجاهلية قصة فيها هذه القسامة، وهي أن رجلا من بني مخزوم ومعه رجل هاشمي يخدم عنده، فكانوا في سفر. فالظاهر أن المخزومي كان يقول للهاشمي: حل الناقة، فلم يسمعه، فغضب، فأخذ العقال وخنقه به وقتله، أو شارف على الموت، وذهب وتركه. فمر رجل من أهل اليمن، فوجده في رمق الموت، فقال له: ما لك؟ قال: من أين أنت؟ قال اليماني: أنا من اليمن. قال الهاشمي: هل تريد الموسم هذه السنة؟ قال: لعلي. قال: إذا ذهبت إلى الحج، فناد في الناس: يا بني عبد مناف، فإن أجابوك، فقل: يا بني هاشم، فإن أجابوك، فقل: يا أبا طالب، فإن أجابك، فقل له: إن صاحبكم الهاشمي قتله المخزومي على حل عقال. فذهب اليماني إلى الحج، وفعل مثل ما أمره الهاشمي، وجاء إلى أبي طالب وأخبره بالخبر. فنادى أبو طالب في بني مخزوم: إما أن تعتقوا صاحبكم، نقتله مثل ما قتل صاحبنا، أو تحلفون خمسين يمينا على أنه ما قتل، أو تدفعون الدية. فاتفق بنو مخزوم على أن يحلفوا خمسين يمينا. فأخرجوا خمسين رجلا، وفوقوا شابا منهم، فتنازعوا في أن يحلفوا. فكانت امرأة من قرية هاشمية مع رجل مخزومي، فقالت لأبي طالب: يا أبا طالب، قد اختير ابني فيمن يحلف، ولا أريد أن يحلف، ألا تبرئه؟ قال: قد برأنا. فصاروا تسعة وأربعين. وجاء الرجل إلى أبي طالب وقال له: أفتدي بحل يمين ابني وأعطيك بعيرين؟ فرضي أبو طالب، وحلفوا ثمانية وأربعين يمينا على أن صاحبهم لم يقتل الهاشمي. قال ابن عباس: فما دار عليهم الحول إلا وماتوا كلهم، الثمانية والأربعين. فمنهم من رمى في جبل، ومنهم من أكله السبع. فهذه القسامة التي حصلت في الجاهلية، فأقرها النبي عليه الصلاة والسلام في الإسلام. وحصلت في الإسلام أن محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل وحويصة ذهبوا إلى خيبر يرون الأراضي. فوجدوا عبد الله بن سهل قتيلا يتشحط في دمه. فذهبوا إلى المدينة وجاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وتكلم عبد الرحمن بن مسعود وتكلم عبد الرحمن بن سهل أخوه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «كبر كبر». كان عبد الرحمن صغيرا، فأراد أن يتكلم. فقال: «أتَحلفون معنا؟» قالوا: أوجدنا عبد الله بن سهل مقتولا في خيبر، وقتلته اليهود. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «تحلفون وتستحقون قاتلكم، أن تحلفوا خمسين يمينا على أن اليهود هم الذين قتلوا صاحبكم». فقال الأنصار: كيف يا رسول الله نحلف ولم نشهد؟ قال: «فتبريئكم يهود خمسين يمينا». أي: يحلف اليهود خمسون منهم أنهم ما قتلوا صاحبكم. فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كافرون؟ فرفضوا أيمان الكفار. فعقله النبي عليه الصلاة والسلام من بيت مال المسلمين. وفي رواية: «فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه، فوداه بمائة من الإبل». فهذه قصة القسامة التي حصلت في الجاهلية وحصلت في الإسلام. وقد أنكرها جماعة من التابعين ومن السلف، لكن الصحيح أن حكمها ثابت. وهي تكون بين طائفتين بينهما عداوة. فإذا حصلت بين طائفتين عداوة، فرؤي أحدهما قتيلا في مكان الآخر، فإن كان مثلا هذه القبيلة اتهمت القبيلة الأخرى أنهم قتلوا هذا الشخص، يحلفون أي المدعون خمسون يمينا على أن هؤلاء هم الذين قتلوا. فإن تجروا وحلفوا، فإن كان على معين أن عينوا رجلا، أخذوه برمته. وإن كان ليس معينا، فإنهم يعطونهم الدية. الطائفة الأخرى يعطونهم دية على ما يصطلحوا عليه، إما دية أو أكثر. هذا إذا حلفوا. إذا لم يريدوا أن يحلفوا، يرجعون اليمين إلى أهل القاتل. فإن حلفوا برئوا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تبرئكم يهود خمسين يمينا». إن حلفوا أنهم لم يقتلوا هذا الرجل، ولم يشاهدوا من قتله، هنا يبرؤون، لا قصاص ولا دية. فهذا معنى القسامة وصورة القسامة. فإذا التبس الأمر، قال: فإنه يودى من بيت مال المسلمين. إذا التبس الأمر، معنى ذلك أن هؤلاء ما حلفوا، وهؤلاء ما أرادوا أن يحلفوا، وهؤلاء المدعون لم يأتوا بشيء يدل على أنهم قتلوا. وهنا إمام المسلمين يعطي دية لهذا الرجل، يعطيها لأوليائه. والله تعالى أعلم.