الدرس في كتاب البيوع 22، ألقاها
يناقش حكم بيع السلع قبل قبضها وأحكام التصرف في المبيع قبل القبض، حيث يرى الجمهور أن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه يمتد إلى جميع السلع، بينما يرى بعض العلماء استثناءات مثل بيع العقار أو السلع بالجزاف. كما يناقش آراء العلماء في جواز أو منع التصرفات مثل البيع والهبة والصدقة قبل القبض.
يتناول تحريم بيع ما ليس عندك وبيع الغرر، حيث أجمع العلماء على منع بيع الرجل شيئًا لا يملكه، واستدل بذلك من حديث النهي عن بيع ما ليس عندك، واحتمال أن بيع ما ليس عندك يشمل بيع الغرر وبيع ما لم يملك أو يضمن.
يشرح تحريم بيع العينة وطرق التحايل على الربا، حيث بيع العينة هو بيع السلعة بأكثر من قيمتها الحقيقية ثم شراؤها بسعر أقل، ويذكر أمثلة على ذلك ويبين حكم الشرع فيه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه «عمدة الأحكام» في كتاب البيوع منه، في باب العرايا وغير ذلك، قال: وعنه -أي عن عبد الله بن عمر قيم الخِطاب رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه» وفي رواية: «حتى يقبضه». وعن ابن عباس مثله، وروايته: «حتى يقبضه». قال ابن عباس: وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام. وهذا الحديث من أفراد الإمام مسلم رحمه الله. وفي هذا الباب من الأحاديث ما رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله». ولمسلم أيضًا من حديث جابر مرفوعًا، أو من حديث جابر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا اشتريت طعامًا فلا تبعه حتى تستوفيه». وفي مسند أحمد عن حكيم بن حزام مرفوعًا: «فإذا اشتريت بيعًا فلا تبعه حتى تقبضه». وإسناده صحيح. وكذلك جاء عن ابن عمر، وعن زيد بن ثابت قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم». رواه أبو داود، ورجاله ثقات إلا ابن إسحاق، فإنه حسن الحديث ولكنه مدلس وقد عنعن هنا، ولكن الحديث حسن بشواهده. ففي أحاديث الباب المذكورة عدة مسائل. المسألة الأولى: لا يجوز لمن اشترى طعامًا أن يبيعه حتى يقبضه، من غير فرق بين الجزاف وغيره. وإلى هذا ذهب الجمهور. وضعف المسألة: من اشترى طعامًا فلا يبيعه حتى يقبضه. وهذا قول جمهور. ورُوي عن عثمان البِّتي -وهو من صغار التابعين- أنه قال: «لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه». قال الإمام ابن عبدالبر رحمه الله: «وهذا قول مردود بالسنة والحجة المجمع عليها في الطعام». وأظنه لم يبلغه حديث ابن عمر؛ لأنه نص واضح صريح. وقال الإمام الشوكان رحمه الله: «والأحاديث ترده». فإن النهي يقتضي التحريم بحقيقته، ويدل على الفساد المراد به البطلان كما تقرر في الأصول. إذن هذا البيع أو هذا النوع من البيوع محرم، ومن تعامل به فالبيع فاسد. وحُكي في الفتح -أو حكى الحافظ ابن حجر- عن مالك في المشهور عنه الفرق بين الجزاف وغيره، فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه -والجزاف الذي لا يكال ولا يوزن- وبه قال الأوزاعي وإسحاق، واحتجوا بأن الجزاف يرى فيكفي فيه التخلية. والاستيفاء إنما يكون في مكيل أو موزون. يعني في قوله: «حتى يستوفيه» قالوا: «الاستيفاء إنما يكون في مكيل أو موزون، أما ما كان جزافًا فيكفي فيه بالرؤية والنظر». وقد روى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعًا: «من اشترى طعامًا بكيل أو وزن فلا يبعه حتى يقبضه». وهذا مما استدل به من ذهب إلى هذا القول. والحديث فيه ابن لهيعة، ولكنه يتقوى بما رواه أبو داود والنسائي بسناد صحيح عن ابن عمر بلفظ: «نهى أن يبيع أحد طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه». وكذلك استدل بحديث جابر: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يجري فيه صاعان: صاع البائع وصاع المشتري». رواه ابن ماجه والدارقطني، وهذا الحديث أيضًا فيه ضعف؛ لأنه من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى سيء الحفظ. ولكن له شواهد: مراسيل، منها مراسيل الحسن البصري، والآخر عن عبيدة السلماني رواهما ابن أبي شيبة، وأثر موقوف عن ابن عمر رضي الله عنهما. فالحديث حسن بمجموع هذه الطرق. وذهب الجمهور إلى المنع مطلقًا، وإلى النهي مطلقًا حتى تحاز السلع وتقبض وتستوفى، سواء كان جزافًا أو كانت مكيلة أو موزونة. استدلوا بأحاديث الباب المتقدم ذكرها، وكذلك استدلوا بنص حديث ابن عمر؛ فإنه صرح فيه بأنهم كانوا يبتاعون جزافًا، ولفظه: «لقد رأيت الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون جزافًا -يعني الطعام- على أن يبيعوه في مكانهم حتى يأووا به إلى رحالهم». متفق عليه. فهذا يبين لنا أن قول الجمهور هو الراجح. وهذا لا يعد معارضًا للحديث المذكور، ولكن من باب ما يسميه العلماء ذكر بعض أفراد العام، لا يعني تخصيصًا، ولكن ذكر للاهتمام به. المسألة الثانية من مسائل الباب: هل اشتراط القبض قبل البيع خاص بالطعام أم بجميع السلع؟ وهذا كلام الأول في الطعام. ذهب الجمهور إلى عموم النهي في الجميع، وهو رواية عن أحمد اختارها ابن عقيل من الحنابلة، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما كما في حديث الباب، جاء فيه أنه قال: «وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام». وهو قول أبي حنيفة إلا أنه استثنى بيع العقار قبل قبضه فأجازه. أبو حنيفة يقول: العقار مثل أرض أو دار أو ما شابه ذلك يجوز قبل أن يقبض. وذهب أحمد وفي الرواية الأخرى إلى أن اشتراط القبض إنما يكون في كل ما يحتاج إلى قبض إذا اشتراه. قال: «فلا يجوز بيعه حتى يقبضه». وأما غير ذلك فيجوز بيعه قبل قبضه في أظهر روايتين عن إمام أحمد. قال ابن قدامة: «ويروى هذا المعنى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وسعيد بن المسيب، والحكم، والأوزاعي وإسحاق». هؤلاء يقولون بقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى. والراجح قول الجمهور لحديث حكيم بن حزام وزيد بن ثابت. حكيم بن حزام قال: «فإذا اشتريت بيعًا فلا تبعوا حتى تقبضوه». فقوله: «إذا اشتريت بيعًا» مطلق، ليس مقيدًا بشيء دون شيء، فيبقى الحكم على إطلاقه. وقوله كذلك في حديث زيد بن ثابت الآخر: «نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم». فقوله: «السلع» يدل على بقاء الحكم على عمومه. والله تعالى أعلى وأعلم. قالوا أيضًا في الحديث المذكور الذي ذكر فيه الطعام خاصة: «فهذا كذلك من باب ذكر بعض أفراد العموم ولا يقتضي تخصيصًا». والله أعلم. وهذا القول رجحه من الأئمة المحققين العلامة ابن القيم رحمه الله، وكذلك الصنعاني والشوكان، وهو قول ابن حزم من الظاهرية، والعلامة العثيمين من المعاصرين وغيرهم من العلماء رحمهم الله تعالى لما ذكر من الاستدلال بالحديث المذكور في الباب وغيرها. تنبيه: قال الشافعي رحمه الله -وهو يتكلم على ضابط القبض- يعني قد يقول لنا: ما هو الضابط للقبض؟ ذكر الشافعي رحمه الله تعالى وهو يتكلم على ضابط القبض، فقال رحمه الله: «إن كان مما يتناول باليد كالدراهم والثوب فقبضه بالتناول». قال: «وما لا ينقل كالعقار والثمر على الشجر فقبضه بالتخلية». قال: «وما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيوان فقبضه بالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع به». وفيه قول: «أنه يكفي فيه التخلية». فالأظهر والله تعالى أعلم أن القبض يرجع فيه إلى العرف؛ من كلام الشافعي رحمه الله تعالى، ومن كلام غيره أيضًا من العلماء والأئمة. يستفاد أن الأظهر أن القبض يرجع فيه إلى العرف. فما كان قبضًا عرفًا ينبغي أن يكون معتبرًا؛ باعتبار أن السلع والبضائع تختلف من بضاعة إلى أخرى ومن سلعة إلى أخرى، وليس القبض فيها في الجميع سواء، بل تختلف من قبض إلى آخر. والمرجع في ذلك إلى عرف الناس. ما كان عرفًا عند الناس أنه قبض فهو القبض المعتبر. تنبيه آخر: قوله: «فلا يبيع حتى يقبضهم» معناه أنه ملكه في العقد، ولكن هو ممنوع من بيعه قبل قبضه. واضح؟ يعني قوله صلى الله عليه وسلم: «فلا يبيعه حتى يقبضه» معناه أنه ملكه في العقد، أنا مثلًا ذهبت إلى صاحب -على سبيل المثال- معرض سيارات، اشتريت منه السيارة، دفعت له الثمن والسيارة في المعرض ما زالت، فهل يجوز لي أن أبيعها؟ الجواب: لا. هي ملكي أم لا؟ هي ملكي، لكن لا يجوز لي أن أبيعها حتى أقبضها، وحتى أنقلها إلى رحلي -يعني أخرجها من مكان إلى مكان آخر- كما جرت العادة في أنه يكون مستلمًا لها. كي أكون مستلمًا لها، وكذا في بقية السلع. كما سمعت وتقدم: أنه يعود إلى عرف الناس. قال الإمام المرداوي رحمه الله: قوله: «فلا يبيع حتى يقبضه» قالوا: معناه أنه ملكه في العقد، ولكن هو ممنوع من بيعه قبل قبضه. يعني هو مالك، ولكن لا يجوز له أن يبيعه قبل قبضه. قال الإمام المرداوي في الإنصاف: «قال: وهو الصحيح، وهو المذهب، نقله ابن شيش وغيره، وعليه الأصحاب». قال: «وحكى الشيخ تقي الدين رحمه الله إجماعًا». وحكاه الشيخ تقي الدين: إجماعًا، إجماعًا في المسألة المذكورة: أنه يكون مالكًا، ولكن لا يجوز له أن يبيعهم. وذكر في الإنصاف رواية عن إمام أحمد: «أنه لا يملكه بالعقد». ذكر في مسألة نقل الملك زمن الخيار، ونقل بن منصور: «ملك البائع قائم حتى يوفيه المشتري». والصحيح الأول: أنه يكون مالكًا، ولكنه ليس له التصرف حتى يقبضه. ليس له التصرف حتى يقبضه؛ لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فلا يبيعه حتى يقبضه» فيه دليل واضح لمن تأمل: إلى أنه صار مالكًا له البيع. المشتري صار مالكًا له البيع، لكن لا يبيعه حتى يقبضه. أي بيع معلق. مسألة ثالثة: هناك عدة مسائل تدخل في هذا الباب ضمنًا. الأولى: أجمع العلماء على منع بيع الرجل شيئًا لا يملكه. وهو المسمى عند من يرى نقله من باب الدريئة إلى الربا. قاله ابن رشد في بداية المجتهد. وعليه تبويب البخاري في صحيحه حيث قال: «باب بيع الطعام قبل أن يقبضه، وبيع ما ليس عندك». قال الحافظ في الفتح: «لم يذكر في حديثي الباب بيع ما ليس عندك». قال: «وكأنه لم يثبت على شرطه، فاستنبطه من النهي عن البيع قبل القبض». ووجه الاستدلال منه بطريق الأولى واضح. هذا الأمر أم لا؟ يعني إذا كان المشتري نهاه النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع ما اشتراه قبل قبضه، وقد صار في ملكه ودخل في ملكه، ولكن لم يقبضه، فكونه يبيع ما لا يملكه من باب أولى أنه لا يجوز، وأنه يكون محرمًا. فهذا من طريق الأولى كما قال رحمه الله تعالى. وحديث النهي عن بيع ما ليس عندك أخرجه الترمذي مختصرًا، ولفظه: «نهاني -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- عن بيع ما ليس عندي». وهذا الحديث من طريق يوسف بن ماهك، وهو ثقة، وحكيم بن حزام وهو لم يسمع منه، فهو منقطع كما نص على ذلك الإمام أحمد. وذكر أن الواسطة بينهما هو عبد الله بن عصمة الجوشنبي أو الجوشنمي، كما في جامع التحصيل. والجوشنمي هذا مجهول الحال. لكن روى أصحاب السنن من حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك». وإسناده حسن. والحسن، والعلامة الألباني في الصحيحة برقم (1232) قال رحمه الله: «وهذا إسناده جيد، رجاله كلهم ثقات معروفون». فالحديث الأول يتقوى بهذا ويرتقي إلى الحسن. وأخرج أصحاب السنن من حديث حكيم بن حزام: «يأتيني الرجل فيسألني البيع ليس عندي، أبيعه منه ثم أبتاعه له من السوق؟ فقال: لا تبع ما ليس عندك». والحديث كما سمعت أنه حسن بشواهده. قال الإمام ابن المندر رحمه الله: «وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين». أحدهما: أن يقول: «أبيعك عبدًا أو دارًا معينة وهي غائبة» فيشبه بيع الغرر؛ لاحتمال أن تتلف أو لا يرضاها. واضح هذا الأمر أم لا؟ «أبيعك عبدًا أو دارًا» يعني لا يدري كيف هذا العبد أو لا يدري كيف ذلك البيت أو ما شابه ذلك. فهذا بيع الغرر؛ لأنها غائبة ولا يعرف حقيقتها؛ لاحتمال أن تتلف البيت أو يتلف العبد أو لا يرضاها. ثانيها: أن يقول: «هذه الدار بكذا على أن أشتريها لك من صاحبها أو على أن يسلمها لك صاحبها». واضح؟ يعني أن يقول: «هذه الدار بكذا» يذهب إلى دار -يعني يقول له تشتري هذه الدار- هي الدار ليست ملكًا له، ملك رجل آخر. يقول: «تشتري مني هذه الدار» تشتري مني هذه الدار بكذا على أن أشتريها لك من صاحبها أو على أن يسلمها لك صاحبها -أن يسلمها لك صاحبها- فهذا كذلك داخل في بيع ما ليس عندنا؛ لأنه لا يملك أبرم العقد على شيء لا يملكه أو على شيء لا يضمنه. واضح؟ لا يملكه. إذا قال: على الصورة الثانية. قال: «أن يقول: هذه الدار بكذا» يعني مثلًا يرى الدار يقول: «تشتري مني هذه الدار» ما هي ملكه، ملك زيد. تشتري مني دار زيد تشتري مني دار زيد مثلًا بخمسة مليون ريال يمني. فيقول: «قبلت». أهل؟ يقول: هذا. لا. لماذا؟ لأنه بيع ما لم يملك. واضح. أو يقول: «هذه الدار بكذا على أن يسلمها لك صاحبها» أن يسلمها لك صاحبها؟ هل هو ضامن أن صاحبها يسلمه له؟ لا. إذن داخل في بيع ما لم يضمن. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وقصة حكيم موافقة للاحتمال الثاني» موافقة للاحتمال الثاني: أنه بيع ما لم يملك. قال ابن رشد: «وصورة التذرع منه إلى الربا» قال: «وصورة التذرع منه إلى الربا المنهي عنه: أن يقول رجل لرجل: أعطيني عشر الدنانير على أن أدفع لك إلى مدة كذا ضعفها». فيقول له: «هذا لا يصلح». واضح هذا الأمر أم لا؟ ربا. واضح. هذا الصورة أم لا؟ يعني يقول رجل لرجل: «أعطيني عشر الدنانير على أن أدفع لك إلى مدة كذا ضعفها» -أي عشرين دينار- هل يجوز هذا أم لا؟ لا يجوز. قال: «فيقول له الرجل الآخر: هذا لا يصلح» لا يجوز. ربا. واضح. فماذا؟ لكن يقول: «ولكن أبيع منك سلعة كذا» -السلعة يسميها ليست عنده بهذا العدد- ليست عنده بهذا العدد. ثم يعمد هو فيشتري تلك السلعة فيقبضها له بعد أن كمل البيع بينهما. وتلك السلعة قيمتها قريب مما كان سأله أن يعطيه من الدراهم قرضًا. فيرد عليه ضعفها. فيرد عليه ضعفها. أي: يدخل بدل هذا سلعة. يعني مثلًا على سبيل المثال: رجل يذهب إلى رجل -إلى صاحب- قال: مثلًا يقول له: «أعطيني ألف ريال وسأعطيك آخر شهر ألفين». يقول له: «لا يجوز هذا» لا يجوز. لكن يعني: «أنا سأعطيك طريقة أخرى» ما هي الطريقة الأخرى؟ «هذه العلبة اللبن قيمتها ألف ريال، خذها بألف ريال» سأسجلها عليك بكم؟ بألف ريال. طيب سجل عليك ألف ريال. يأخذها. يقول له: «أنا سأبيعها لك» سأشتريها منك بكم؟ تشتريها مني؟ سأشتريها منك بخمسمائة ريال. واضح؟ أيوة. فهذه حيلة. واضح. يعني أخذ ألف مقابل كم؟ خمسمائة. أو ألف مقابل ألفين أو شابه ذلك. فهذا هو ربا. يسمى هذا بيع العينة. قال: «وتلك السلعة قيمتها...» إلى آخر ما ذكر. «فهذا هو العينة». ومنهم من يعلم ومنهم ما يعمل في هذه الأيام -أو ما يفعل في هذه الأيام- البنوك المسماة بالبنوك الإسلامية. من أسهل طريقة تستخدم هذا: تروح إلى بعض المحلات، وبعض الناس مما يتحايل على الربا -يعني مثل هؤلاء وأكل أموال الناس بالباطل- فيذهب إلى هذا. يذهب إلى بعض البنوك أو إلى بعض الناس الذين يتعاملون بهذه المعاملة يتعاملون بهذه المعاملة. فيذهب إلى إنسان يقول له: «أولد الثلاجة مثلًا» يقول: «خلاص سجل العقد بكام الثلاجة؟» يقول: «الثلاجة قيمتها في السوق بخمسين ألف» «أنا سأشتري لك بخمسين ألف، لكن بشرط» يعني ستدفع أقساط بستين ألفًا. تدفع أقساط بستين ألفًا. ويسجل عندهم أنه اشتراها بكم؟ بستين ألفًا أقساط. والحقيقة أنه ماذا؟ ما اشتراها. الحقيقة أنه ماذا؟ ما اشتراها. وإنما يعني ما اشتراه بهذا السعر. وإنما اشتراه بكم؟ حقيقة بخمسين ألفًا. ودفع ستين ألفًا مقابل إيش؟ القرض. فهو كأنه أقرض خمسين ألفًا وأخذ مقابل خمسين ألفًا كم؟ ستين ألفًا. ولكن أدخل هذه الثلاجة وسط حتى يقال: تحليل محلل. تحليل تلك المعاملة. وإن لم يكن له حق. فإنه ماذا؟ فإنه لا يجوز. مسألة ثانية: كذلك من المسائل التي تدخل في هذا الباب: ما هو المأخذ الصحيح في النهي عن البيع قبل القبض؟ قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «فالمأخذ الصحيح في المسألة: أن النهي معلل بعدم تمام الاستيلاء». ما هي العلة التي نهى لأجلها الشرع؟ يقول رحمه الله: «أن النهي معلل بعدم تمام الاستيلاء» بمعنى أنه أن الملك صار لمن للمشتري، ولكن هل تم استيلاؤه على السلعة؟ لم يتم. لماذا؟ لأنه ما زال في مجلس الخيار، وما زال في ملك البائع. يعني المشتري أو البائع قد تطمع نفسه لاسيما إذا رأى ربحًا كبيرًا. فكما سيأتي في كلام القيم رحمه الله قال: «أن النهي معلل بعدم تمام الاستيلاء، وعدم انقطاع علاقة البائع عنه». البائع الأول ما زال يعني ما انقطعت علائقه تمامًا. بل له علائقه في ذلك البيع. فيقول: «فإنه يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه». ويغره الربح. رأى ربح كبير: «أنا بعته بألف، هذا باعه بخمسمائة» يعني ربح خمسمائة في دقائق. أيها! فقال: «قد ربح فيه ويغره الربح». قال: «وضيق عينه منه» وربما أفضى إلى التحيل على الفسخ ولو ظلمًا، وإلى الخصام وإلى المعاداة. والواقع شاهد بهذا. بأن هذا يحصل. بأن هذه الأمور تحصل. يحصل الظلم. يقول: «ما بعتك أنا» تراجعت. لا. لا. «أنا ناقص كذا وكذا» «لا نحوى ما اتفقنا على هذه السلعة» وإلا ما تنهى. «أنا طلبت بالسعودي» «أنت أعطيتني باليمني» أو يأتي بأي عذر من أجل أن يفسخ البيعة. فكما قال: «والواقع شاهد بهذا». قال رحمه الله: «فمن محاسن الشريعة الكاملة الحكيمة: منع المشتري من التصرف فيه حتى يتم استيلاؤه عليه وينقطع عن البائع وينفطم عنه». فلا يطمع في الفسخ والامتناع من الإقباض. وهذا من المصالح التي لا يهملها الشارع. حتى إن من لا خبرة له من التجار بالشرع يتحرى ذلك. لا عنه. ليس عن خبرة، ولكن لتحرير؛ لأنه يبعد عن خصومة، وأن يتراجع البائع الأول. فهو لأجل أنه ذكي في التجارة. يقول: «سأبعدها حتى ما أفتح باب شر مع البائع الأول». إذا يقول: «حتى» يعني يقول رحمه الله: «حتى إن من لا خبرة له من التجار بالشرع -له خبرة في التجارة ولا خبرة له بماذا؟ بالشرع- قال: يتحرى ذلك ويقصده لما في ظنه من المصلحة وسد باب المفسدة». قال: «وعلى هذا: فإذا باعه قبل قبضه من بائعه جاز على الصحيح؛ لانتفاء هذه العلة». انتقل إلى مسألة. واضح؟ بعد أن علل بهذا التعليل. يقول رحمه الله: «وعلى هذا» أي: التعليل أي ذكره. «فإذا باعه قبل قبضه من بائعه جاز على الصحيح؛ لانتفاء هذه العلة». يعني مثاله ذلك: أدخل عند صاحب معرض. أشتري منه سيارة بكم هذه السيارة؟ بمليون. يتم العقد. نتفق. أخرج خارج المعرض. يكون إيش؟ افترقنا. تم البيع. صح البيع. رجعت ما قبضت السيارة. بعد ما قبضت السيارة. السيارة ما زالت في مالك في المعرض. فيقول لي صاحب السيارة: «اسمع سأزيدك خمسين ألفًا» «ودع السيارة» «أشتريها منكم» بخمسين ألفًا. هل يجوز الآن أم لا؟ نقول: لا. حتى يقبضها. يقبضها بمعنى: يخرجها. ثم يبيعها. الإمام القيم رحمه الله تعالى يقول: للعلة المذكورة. فإنه يجوز أن يبيعها لبائعها الأول. يجوز أن يبيعها لبائعها الأول. واضح. وهذا القول وهذا التعليل هو اختيار شيخ الإسلام العثيمين رحمه الله. فإنه قال: «وفإنه يجوز بيع السلعة وإن لم يقبضها». الشيخ العلامة العثيمين رحمه الله تعالى. يعني قال رحمه الله: قال. واختار أيضًا أي شيخ الإسلام: «أنه إذا باعه تولية فلا بأس به». فلا بأس. ومعنى تولية: أي برأس المال. يعني الصورة الأولى: أن يبيعه من بائعه الأول. الصورة الثانية: أن يبيعها برأس المال. يعني أنا اشتريت سيارة من زيد. يأتي عمر يقول: «تبيع السيارة؟» يقول: «أنا اشتريتها بمليون وأخذها بمليون». يقول الشيخ الإسلام: «يجوز». لماذا يجوز؟ للعلة المذكورة؛ لأن البائع لا يطمع. لا يقول: «ربح كثيرًا» ما معه إلا ما دفع. واضح. وهذا كما هو واضح استطراد من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. أخذ بالعلة المذكورة التي استنبطها رحمه الله. يعني استنبط هذه العلة. فأجرى أو فجعل الحكم يدر معها. فجعل الحكم يدر معها وجودًا وعدمًا. لكن هل هو الصحيح؟ قال العلامة العثيمين رحمه الله: قال: «ومعنى تولية: أي برأس المال». وقال: «إن العلة في النهي: أنه إذا باعه بربح فقد ربح فيما لم يضمن». أي: فيما لم يدخل في ضمانه. وأيضًا فإن العلة من النهي: خوف العداوة والبغضاء أو محاولة البائع فسخ العقد. قال: «فيحصل بذلك لزاع وخلاف». ولكن الأولى أن يقال: «إن النهي في الحديث على ظاهره، وأنه يشمل حتى إذا باعه على بائعه أو باعه تولية أو مشاركة أو مواضعة أو أي شيء». قال: «فهذا هو ظاهر النص، والذي ينبغي لنا أن نأخذ بعموم الحديث». وقد سبق لنا أي: أن العلة المستنبطة: أن العلة المستنبطة لا تقوى على تخصيص العموم؛ لأنه من الجائز أن تكون هذه العلة خطأ، وأن استنباطنا لها ليس بصواب. واضح؟ يعني الآن هذه قاعدة جليلة من العلامة العثيمين رحمه الله تعالى. وهذه قاعدة كبرى. حاصلها: أن العلة أو استنباط العلة من الأدلة الغالب: أن هذا الاستنباط إن كان طريقه الاستنباط ليس طريقه النص. فإن طريق الاستنباط ظني. طريق الاستنباط ظني لهذه العلة. فإذا كان ظنيًا فكيف نقدمه على ظاهر النص؟ واضح. فظاهر النص أقوى من العلة المستنبطة؛ لأنها مضنونة. فقد تكون هي العلة التي أرادها الشرع، وقد تكون ليست هي العلة التي أرادها الشرع، وقد تكون هي العلة وغيرها. واضح؟ فالحاصل من هذا: أنه كما ذكر رحمه الله تعالى: «الأحوط والأسلم والأولى في مثل هذا: أن يبقى على ظاهر النص» سواء كان مع البائع أو كان مع غيره. ما هناك مشكلة. يخرج البضاعة هي دقائق. ثم يبيعها. ما هناك أي إشكال. قال رحمه الله: «ثم هو -أي القول بالعموم- ظاهر تعليل ابن عباس رضي الله عنهما». ظاهر تعليل ابن عباس رضي الله عنهما. قال: «لما سأله طاوس بن كيسان: لم نُهي؟ قال: لأنه دراهم بدراهم، والقبض مرجأ -أي مؤجل-». قال: «وجه ذلك: أنني» يقول الشيخ عثيمين: أن يشرح كلام ابن عباس. يقول: «وجه ذلك: أنني إذا اشتريت من هذا الرجل السلعة بمئة دينار، وأبقيتها عنده، ثم بعتها بمئة دينار وعشر دنانير لمن؟ للبائع نفسه» مثلًا. «صار كأني بعت مئة دينار بمئة وعشر» فقط. قال: «وهذه السلعة ممر» «وهذه السلعة ممر» وهذا استنمار من ابن عباس رضي الله عنهما. قال: «قريب جدًا» قال: «لأنها في هذه الحالة تشبه العينة من بعض الوجوه» تشبه العينة من بعض الوجوه. وهذا يبين لنا ماذا؟ ثقة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وهذا الذي اختاره العثيمين رحمه الله تعالى هو اختيار الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني. أي: القول بماذا؟ القول بالعموم. والأخذ بظاهر الحديث. مسألة ثالثة: وهي أنه يصح العتق بعد الشراء ولو كان قبل القبض. العتق خاصة. قالوا: «يصح بعد الشراء ولو كان قبل القبض». ونقل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إجماعًا على هذه الصورة. والعلماء رحمه الله تعالى عللوا ذلك. قالوا: «بأن جهة نفوذ العتق ومصلحة العتق أقوى من مراعاة مصلحة البائع أو المشتري». واضح هذا الأمر أم لا؟ المسألة الرابعة: هل يجوز التصرف بالمبيع بغير البيع؟ هل يجوز التصرف بالمبيع بغير البيع كالهبة والصدقة والوصية ونحوها قبل القبض؟ يعني واضح. المسألة. ذهبت مثلًا إلى محل مثلًا سيارات أو جوالات. فاشتريت شيء. وما زدت في المحل. لقد أخذته. شيء. قال: «خالص هذه هدية لك» ولم أقضها بعد. هل يصح هذا أم لا؟ ذهب بعض أهل العلم إلى الجواز، وهو اختيار شيخ الإسلام؛ بناء على ما ذكر القاعدة السابقة. وذهب آخرون إلى المنع. قال المرداوي في الإنصاف: «هو ظاهر كلام الأكثر» وهو ظاهر كلام الأكثر. وصرح به كثير أي من أصحابهم بعدم الجواز. وهذا هو الأظهر، وهو الذي رجحه العلامة العثيمين كما سبق: في أن البقاء على الظاهر هو الأولى. المسألة الخامسة: المتعلقة كذلك بهذا الباب: أن الخراج بالضمان. وقد تقدم الكلام عليها في مسائل الخيار. والحمد لله. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.