التعليقات على كتاب الأدب المفرد 124

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 124، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

دلالة صيغة الأمر وعلاقتها بالإرادة الشرعية والكونية

يناقش المؤلف دلالة صيغة الأمر في اللغة العربية وعلاقتها بالإرادة الشرعية والكونية، ويشرح أن صيغة الأمر قد تأتي بمعان مختلفة مثل الوجوب والندب والإباحة والتهديد.

تحليل دلالة الأمر على الوجوب أو الإباحة وتعدد الآراء الفقهية

يناقش المقطع دلالة صيغة الأمر في اللغة العربية على الوجوب أو الإباحة، ويستعرض آراء الفقهاء والأصوليين في هذه المسألة، ويحلل الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية.

أقوال العلماء في دلالة الأمر المطلق على التكرار وتحليلها

تناول المقطع أربعة أقوال للعلماء حول دلالة الأمر المطلق على التكرار، واستدل على صحة القول الأول بحديث بهزيرة وآية الحج، وأوضح أن تكرار صيغة الأمر للتأكيد وليس للتكرار.

حكم متابعة المؤذن وأفضليتها

يجب أو يستحب متابعة المؤذن الأول، ولا يجب متابعة المؤذنين الآخرين إلا لزيادة الأجر، ويُفضل متابعة المؤذن الأول.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

قال المؤلف رحمه الله تعالى: فأما الدليل على أن هذه صيغة الأمر، فاتفاق أهل اللسان على تسمية هذه الصيغة أمرا. ولو قال رجل لعبده: اسقني ماء، عد أمرا، وعد العبد مطيعا بالامتثال. هذا واضح. قال: ومن الواضح أيضا أن لا يقدح في كون "افعل" صيغة أمر كونها قد ترد لغير ذلك، يعني لغير الأمر، كالندب في قوله: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ على القول به، يعني على القول بأن المراد بالمكاتبة الاستحباب، استحباب مكاتبة السيد للعبد إذا أراد أن يكاتبه على شيء، فإنه يستحب له أن يكاتبه إذا علم فيه خيرا، بهذا الشرط: ﴿إن علمتم فيهم خيرا﴾. فإن لم يعلم فيه خير، فلا يكاتبه. قال: والإباحة في قوله: ﴿فإذا حللتم فاصطادوا﴾، الآن هنا أمر "فاصطادوا"، ولهذا الأمر الوجوب، فيجب بعد التحلل من الإحرام استيهاد الجواب. لا، هذا الأمر يراد به ماذا؟ الإباحة، يعني إذا حللتم فحل لكم الاستيهاد. قال: والإكرام في قوله: ﴿فأدخلوها بسلام آمنين﴾، "أدخلوها" هذا أمر يراد به الإكرام. والإهانة في قوله: «ذق إنك أنت العزيز الحكيم»، عندكم من حكيم، أو "الكريم"، ما الصواب؟ «ذق إنك أنت العزيز الكريم»، "ذق" أمر مراد به معنى الإهانة والتهديد. قال: وفي قوله: ﴿اعملوا ما شئتم﴾، "اعملوا ما شئتم" المراد به هنا التهديد، ليس المراد به ماذا؟ الأمر، يعني أن تفعل ما شئت، تأكل ما شئت من حلال وحرام، وتترك ما شئت من حلال وحرام، لا، المراد به التهديد، ليس بقوله ماذا فيما بعده: ﴿اعملوا ما شئتم إني بما تعملون بصير﴾. مثله أيضا قولك لأمثال لولدك: اعمل ما شئت، جزاؤك في البيت، مثلا، هذا يدل على التهديد. قال: والتعجيز في قوله: ﴿فادرأوا عن أنفسكم الموت﴾، "فادرأوا" أمر مراد به التعجيز، يعني ابعدوا عن أنفسكم الموت. قال: إلى غير ذلك من المعاني التي تأتي مع صيغة الأمر التي هي "افعل". قال: لأن صيغة "افعل" حقيقة متبادرة في استدعاء الفعل وطلبه، مع أنها تستعمل في معنى آخر مع قرينة تبين أن المراد ذلك المعنى الآخر، وهذا لا إشكال فيه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل. ولا يشترط في كون الأمر أمرا إرادة الأمر، إلى آخره. قال: اعلم أن التحقيق في هذا المبحث أن الإرادة نوعان: إرادة شرعية دينية، وإرادة كونية قدرية. والأمر الشرعي إنما تلازمه الإرادة الشرعية الدينية، ولا تلازم بينه وبين الإرادة الكونية القدرية. قال: فالله أمر أبا جهل مثلا بالإيمان، وأراده منه شرعا ودينا، ولم يرده منه كونا وقدرا، إذ لو أراده كونا لوقع. ولو شاء الله ما أشرك، «ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها»، وقول: «ولو شاء الله لأجمعهم على الهدى»، يعني أن هل يلزم من إرادة الأمر وقوع المأمور به؟ هل يلزم من إرادة الأمر وقوع المأمور به؟ قال: فذكر رحمه الله أن الإرادة نوعين: إرادة كونية، وإرادة شرعية. والأمر الشرعي تلازمه الإرادة الشرعية الدينية، والأمر الكوني تلازمه الإرادة الكونية القدرية. قال: والفرق بين الإرادة الشرعية والكونية أن الإرادة الشرعية، أي ما أراده الله سبحانه وتعالى شرعا، قد يقع وقد لا يقع، بخلاف الإرادة الكونية فإنها لابد ماذا؟ لابد أن تقع. قال: وأن الإرادة الشرعية يحبها الله ويرضاها، والإرادة الكونية قد تكون مما يحبه الله وقد لا تكون مما يحبه الله ويرضاه. قال: فمثلا إيمان أبي جهل، هل ربنا سبحانه وتعالى يحب الإيمان من أبي جهل؟ الجواب: نعم يحبه ماذا؟ شرعا، وأراده شرعا، لكن لم يرده ماذا؟ قدرا، لأنه لم يقع. لو أراده كونا وقدرا لوقع، لكنه لم يقع، هو أراده شرعا، ولم يرده ماذا؟ ولم يرده كونا. قال: وإيمان أبي بكر، أراده الله سبحانه وتعالى ماذا؟ شرعا وكونا، أراده شرعا وكونا، أراده شرعا لأنه مما يحبه ويرضاه، وأراده كونا لأنه ماذا؟ وقع، لأنه وقع. قال: طيب الإرادة الكونية هي بمعنى المشيئة التي إذا أرادها الله سبحانه وتعالى وشاءها فلابد أن تقع. وأما الإرادة الشرعية فهي كما قلنا بمعنى المحبة والرضا، فقد تقع وقد لا تقع. قال: فإن قيل: ما الحكمة في أمره بشيء وهو يعلم أنه لا يريد وقوعه كونا وقدرا؟ فالجواب: أن الحكمة في ذلك ابتلاء العبد وتمييز المطيع من غير المطيع. قال: وقد صرح تعالى بهذه الحكمة في أنه تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده، مع أنه لم يرد وقوع ذبحه بالفعل كونا وقدرا، لماذا؟ لم يرده كونا وقدرا لأنه لم يقع، لأنه لم يقع، وإنما أراده سبحانه وتعالى وأمر به امتحانا وابتلاء لإبراهيم عليه الصلاة والسلام. قال: وقد صرح بأن الحكمة في ذلك ابتلاء إبراهيم، حيث قال: ﴿إن هذا لهو البلاء المبين﴾. قال: فظهر بطلان قول المعتزلة أن لا يكون أمرا إلا بإرادة وقوعه، يعني لا يكون الأمر عندهم أمرا إلا إذا أراد الآمر وقوع المأمور به. قال: وقد جرهم ضلالهم هذا إلى قولهم أن معصية العاصي ليست بمشيئة الله، ليست بمشيئة الله، لأنه أمر بتركها ولم يرد إلا التزام الذي أمر به، لأن الأمر لا يكون أمرا إلا بالإرادة، فنسب إليه تعالى العجز، واستقلال الحادث بالفعل دونه، استقلال الحادث يعني المخلوق، وفعله للأشياء دون مشيئة الله. قال سبحانه وتعالى: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين﴾، قال: وهذا باطل وضلال. قال: والذي أوقعهم فيه هو عدم التفريق بين إرادتين، عدم التفريق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية. قال: وقد شاهد السيد يأمر عبده اختبارا لطاعته ونيته، أنه إن أظهر الطاعة أعفاه من فعل المأمور به، فهو أمر دون إرادة وقوع المأمور به، لا لبس فيه. قال: مسألة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: إذا ورد الأمر متجردا عن القرائن اقتضى الوجوب في قول الفقهاء، إلى آخره. قال: خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أربعة أقوال: الأول أن الصيغة المذكورة للوجوب، يعني صيغة الأمر إذا تجردت عن القرائن فالأصل أنها للوجوب، وهذا هو قول الجمهور. قال: الثاني أنها للإباحة. وحجته أننا رأينا الأمر قد يأتي لها، لقوله: ﴿فاصطاد﴾، فنحمله على أدنى الدرجات وهو الإباحة. وهذا ليس بصحيح. قال: الثالث أنها للندب. وحجته أن صيغة "افعل" تقتضي طلب الفعل، وأدنى درجات طلب الندب، فتحمله عليه. وهذا قول المعتزلة. قال: الرابع الوقف حتى يرد الدليل ببيانه، يعني يتوقف في هذا الأمر حتى يتبين المراد منه. وهذا قول الأشعري. قال: والحق أن للوجوب إلا بدليل صارف عنه، لقيام الأدلة الدالة على أن الأمر الأصل أنه للوجوب. قال: فقوله: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تقع فيهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾، فالتحذير من الفتنة والعذاب الأليم في مخالفة الأمر يدل على أنه للوجوب، يعني الله سبحانه وتعالى عاقب على مخالفة الأمر، فترتب الوقوع الفتنة ووقوع العذاب الأليم. قال: ولو كان هذا الأمر للندب لما ترتب عليه ماذا؟ هذا العقاب، من وقوع الفتنة وحصول العذاب الأليم، فترتب هذا العقاب على مخالفة الأمر يدل على أن هذا الأمر ماذا؟ للوجوب. قال: وقوله: ﴿ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾، فإنه جعل أمر الله ورسوله مانعا من الاختيار، وذلك دليل الوجوب، يعني لو كان الأمر ليس للوجوب لكان المؤمن ماذا؟ خيرة في فعله وفي تركه. قال: فلما قال: ﴿ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾، قطع الله الخيرة عند وقوع ومجيء الأمر، دل ذلك ماذا؟ على أنه للوجوب. قال: وهذا الأصل أنه للوجوب. قال: وقوله: ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾، فهو ذنب على ترك امتثال الأمر بالركوع، وهو دليل الوجوب، لو كان لغير الوجوب لما ذنب من ترك الركوع. قال: وقوله: ﴿وما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾، فقرعه على مخالفة الأمر، يعني أن الله عاتب إبليس على عدم سجوده لما أمره بالسجود لآدم. قال: «ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك»، لو كان الأمر غير الوجوب، سيقول إبليس: الأمر ليس بواجب، الأمر الاستحباب مثلا، ليس الوجوب بالأصل، فكيف يحصل المعاتبة على ترك شيء ليس بواجب؟ يدل ذلك على أن الأمر للوجوب. قال: وقوله: ﴿أفعصيت أمري﴾، فهو دليل على أن مخالفة الأمر معصية، يعني دل على أن الأمر للوجوب، لأن المعصية لا تكون إلا لماذا؟ إذا تركت واجبا أو فعلت محرما. قال: وذلك دليل الوجوب. قال: إلى غير ذلك من الأدلة من الكتاب والسنة، ولا خلاف بين أهل اللسان العربي أن السيد لو قال لعبده: افعل، فلم يمتثل، فأدبه لأنه عصاه، أن ذلك واقع في موقعه، يعني الذنب والتأديب وقع في موقعه. قال: وأشار في المراق إلى الأقوال في هذه المسألة بقوله: «وفعل لدى الأكثر للوجوب وقيل للندب أو المطلوب وقيل للوجوب أمر الرب وأمر من أرسله للندب»، يعني أمر الله للوجوب، وأمر الرسول للندب. قال: والصحيح ما ذكرنا، أنه الأصل الأمر أنه للوجوب. قال: والحق أن دليل اقتضاء "إفعال" للوجوب الشرع واللغة كما ذكرنا. وقيل: العقل كما أشار إليه في المراق بقوله: «ومفهم الوجوب يدر الشرع أو الحجى أو المفيد الوضع الحجى»، يعني العقل، يعني يدل على الوجوب الشرع والعقل واللغة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل. إذا وردت صيغة الأمر بعد الحضر اقتضت الإباحة، وهو ظاهر قول الشافعي. قال: خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أن صيغة "افعل" إذا وردت في أمر كان ممنوعا، ففي ما تفيده ثلاثة أقوال، يعني إذا جاءت صيغة الأمر بعد شيء، يعني بعد منع، فإنها قالت فيه ثلاثة أقوال. قال: الأول الإباحة، وعزاه لظاهر قول الشافعي، يعني يحمل الأمر على الإباحة. قال: الثاني أنها كالتي لم يتقدمها حضر، قد قدمنا أنها للوجوب عند التجرد من القرائن، يعني أنها تحمل على أنها للوجوب. قال: الثالث إن ورد الأمر بصيغة "إفعل" فهي للجواز، وإن ورد بمثل "أنتم مأمورون" فكالتي لم يتقدمها حضر. قال: وحجة القول بالوجوب هو ما قدمنا من أدلة كون "إفعل" للوجوب. قال: وحجة القول بالإباحة، وهو اختيار المؤلف، أن عرف الاستعمال في الأمر بعد الحضر بالإباحة، بدليل أن أكثر أوامر الشرع بعد الحضر بالإباحة، قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾، وقوله: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في الأرض﴾، وقوله: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن﴾، إلى غير ذلك من الأدلة. قال: وحجة القول الثالث أن الجملة الإسمية قد تفيد من الثبوت والدوام ما لا تفيد صيغة "إفعل". ولا يخفى ضعف هذا القول. قال: وحاصل معنى اختيار المؤلف أنها للإباحة، هو أن الحضر الأول قرينة صارفة للصيغة عن الوجوب إلى الإباحة. قال المقيد عفا الله عنه: والذي يظهر لي في هذه المسألة هو ما يشهد له القرآن العظيم، وهو أن الأمر بعد الحضر يدل على رجوع الفعل إلى ما كان عليه قبل الحضر، فإن كان قبله جائزا رجع إلى الجواز، وإن كان قبله واجبا رجع إلى الوجوب. قال: وهذا هو الصحيح. قال: وقد رجع إلى ذلك الإمام كثير رحمه الله في التفسير، عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾. قال: وهذا القول يجمع بين الأدلة. قال: فالصيد مثلا كان مباحا، ثم منع للإحرام، ثم أمر به عند الإحلال، فيرجع إلى ما كان عليه قبل التحريم، الصيد قبل التحريم ماذا؟ مباح، مباح، فلما أحرم المسلم حرم عليه الاصطياد، فإذا تحلل صار الصيد له حلالا، فهذا قال جل وعلا: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾، وليس المراد وجوب الاصطياد بعد التحلل كما قال به الظاهرية، لكن المراد به إباحة الاصطياد بعد التحلل. قال: وقتل المشركين كان واجبا، ثم منع لأجل دخول الأشهر الحرم، ثم أمر به عند انسلاخها، في قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، قوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾، هذا للإباحة أو للوجوب؟ للوجوب، لماذا؟ لأن قتل المشركين واجب قبل دخول الأشهر الحرم، في قوله تعالى: ﴿فاقتلوهم حيث وجدتموهم﴾، ثم أمر به عند انسلاخ الأشهر الحرم، فيرجع إلى ما كان عليه قبل التحريم، يعني الوجوب. قال: وهكذا. قال: وهذا الذي اخترنا، قال به بعض الأصوليين، واختاره كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾. قال: طيب هذا هو الصواب كما قلنا. قال: وإلى هذه الأقوال في هذه المسألة أشار في المراق بقوله: «والأمر للوجوب بعد الحضر وبعد سؤال قد أتى للأصل أو يقتضي إباحة للأغلب إذا تعلق بمثل السبب»، إلى آخره. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل. والأمر المطلق لا يقتضي التكرار في قول أكثر الفقهاء والمتكلمين، وهو اختيار أبي الخطاب. قال: خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أن الأمر المطلق، أي غير المقيد بمرة ولا تكرار ولا صفة ولا شرط، فيه أربعة أقوال، يعني الأمر الذي لم يقيد مثلا: "أقيم الصلاة"، أمر مثلا لم يقيد بشيء، ما فيه: "أقيم الصلاة مرة"، أو لم يقيد مثلا بصفة أو شرط، فيه أربعة أقوال. قال: الأول لا يقتضي التكرار، وهو الحق، يعني لا يقتضي الأمر تكراره وفعله أكثر من مرة. قال: الثاني يقتضيه، يعني يقتضيه الأمر التكرار، وهذا قول القاضي وبعض الشافعية. قال: الثالث إن علق على شرط اقتضى التكرار، وإلا فلا، يعني مثلا: "إذا غربت الشمس صلي"، هذا أمر تعلق بشرط، فيقتضي التكرار. قال: الرابع إن كرر لفظ الصيغة اقتضى التكرار، وإلا فلا. قال: اعلم أولا أن ذكر القول بأنه إن علق على شرط فهو مكرر، سهو من المؤلف رحمه الله، لأن الكلام في الأمر المطلق خاصة، والمعلق على شرط غير مطلق. قال: والحق أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، بل يخرج من عهدته بمرة واحدة، فلو قال لوكيله: طلق زوجتي، فليس له إلا تطليقة واحدة. قال: ولو قال لعبده: اشتري متاعا، لم يلزمه ذلك إلا مرة واحدة، وهذا لا شك فيه، يعني أنه يقع منه هذا الأمر مرة واحدة فقط. قال: سواء قلنا باقتضائه المرة أو مطلق الماهية، يعني مطلق الحقيقة، لأن معناه ما يقتضي إلى شيء واحد، فالدعوى اقتضاء التكرار لا وجه له البتة، يعني لا دليل على ذلك لا من الشرع ولا كذلك أيضا من اللغة على أن الأمر يقتضي التكرار، الأمر المطلق. قال: ويدل عليها أيضا حديث بهغيرة، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب عليكم الحج فحجوا»، فقال رجل: يا رسول الله في كل عام؟ يعني هل يكرر كل عام؟ سكت من سلم حتى عاد ثلاثا، ثم قال: «لو قلت نعم لوجبت، ولم استطعتم»، ففهم من هذا أن الأمر بالحج ليس على التكرار، إنما هو مرة واحدة. قال: مع أن هل في لفظ الآية تقييد الحج بمرة؟ الجواب: لا، «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا»، أمر مطلق، ومع ذلك دل الدليل من السنة على أن المراد به ماذا؟ أن المراد به مرة واحدة، وأنه لا يفيد للتكرار. قال: وهذا نص من الشرع يبين أن الأمر لا يقتضي للتكرار. قال: وكذلك تكرير الصيغة، فكونه للتأكيد أظهر، يعني إذا كررت صيغة الأمر، فيكون المراد بها التأكيد. قال: تنبيهان: الأول إذا علق الأمر على شرط، فالظاهر أنه يكون بحسب ما يدل عليه ذلك الشرط لغة، فإن كان يفيد التكرار تكرر، وإلا فلا. قال: مثال الأول: «كلما جاءك زيد فأعطه درهما»، ومثال الثاني: «إن جاءك زيد فأعطه درهما»، يعني ليس كل شرط يفيد التكرار، بل إذا كان هذا الشرط مما يفيد التكرار في اللغة أفاد التكرار، وإلا فلا. قال: فقولك مثلا: «كلما جاءك زيد فأعطه درهما»، هذا يفيد التكرار، تكرار الإعطاء، كلما جاء زيد أعطيته، كلما جاء زيد أعطيته. قال: لكن قولك: «إن جاءك زيد فأعطيه درهما»، فهذا يفيد التكرار لا، في إخبار فقط، إذا جاءك زيد أعطيه درهما، فإذا أعطيته أديت الذي عليك، ما فيه تكرار الإعطاء. قال: هذا الشرط لا يفيد التكرار، بخلاف الأول. قال: الثاني قول المؤلف: «وقولهم إن الحكم ما يتكرر بتكرر العلة فكذا الشرط»، قلنا: العلة تقتضي حكمها فيولد بوجودها، والشرط لا يقتضي، إلى آخره. قال: معنى أنه قائل بأن الحكم يتكرر بتكرر علته، وكذلك كلام محشيه، يعني إبن بدران. قال: والظاهر أن ذلك لا يصح على الإطلاق، لأن تكرر العلة قد يتكرر معه الأمر وقد لا يتكرر، إما إجماعا وإما على قول. قال: فمثال ما لا يتكرر فيه الأمر بتكرر علته، قولا واحدا: من بال مرات متعددة، أو جامع كذلك، ما عنده؟ قال: فعليه وجوب الوضوء والغسل، وجوب الوضوء، ها؟ عندك؟ فعلت؟ وجوب الوضوء نعم، من بال مرات متعددة قبل أن يتوضأ، هل يلزمه لكل مرة بال فيها وضوء، أو يفيه وضوء واحد يكفيه؟ يكفيه وضوء واحد. قال: وهكذا من جامع مرات متعددة قبل الغسل، هل يلزمه لكل جماع غسل، أو يكفيه غسل واحد؟ الجواب: يكفيه غسل واحد. قال: فهذه علة تكررت، لكن مع ذلك لا يتكرر الأمر بتكرر العلة، واضح. قال: علة متكررة، ومع ذلك الأمر لا يجب إلا مرة واحدة. قال: مثال ما يتكرر فيه إجماعا: أن يضرب امرأة حاملا فتسقط جنينا، فعليه غرة، أو جنينين نعم، أن يضرب امرأة حاملا فتسقط جنينين، فعليه غرتان، يعني لكل جنين غرة، عبد أو أمة، يعني قيمة عبد أو أمة لكل جنين غرة. قال: مثال مختلف فيه: تعدد صاع المصرى بتعدد الشياه، وتعدد كفارة الظهار إن ظاهر من زوجات، وتعدد غسل الإناء بتعدد ولوغ كلب أو خلاف، وتعدد الحمد بتعدد العطس، وحكاية أذان المؤذنين، إلى غير ذلك. قال: يعني هذا وقع فيه الخلاف. قال: إذا كان عنده أكثر من شاة مصرى، فهل يرد عن كل شاة صاع، أو يرد عنها كلها صاع واحد؟ وهذا والله، والظاهر الله أعلم أنه يرد عن كل شاة صاع، يعني إذا اشترى شاة مصرى ثم حلبها وعلم أنها مصرى فرد ردها، فيرد معها صاع من تمر، والأخرى كذلك وهكذا. قال: فيه كفارة الظهار إن ظاهر من زوجات، يعني عنده مثلا زوجتان فظاهر منهما، وجبت عليه كفارة الظهار، هل تجب لكل واحد كفارة، أو يكفي كفارة واحدة عن زوجتي؟ هذا كذلك مما وقع فيه الخلاف. قال: تعدد غسل الإناء بتعدد ولوغ كلب أو كلاب، يعني إذا ولغ مثلا كلبان في إناء، هل يغسل سبع مرات، أو أربعة عشر مرة؟ ها؟ هذا أيضا مما وقع فيه التردد. قال: والظاهر ما يغسل مرة واحدة، يعني سبع مرات أصل واحدة. قال: وهذا تعدد الحمد بتعدد العطس، إذا عطس مثلا ثلاث عطس متتابعة، هل يقول الحمد لله مرة واحدة، أو ثلاث مرات؟ هذا الظاهر. قال: وحكاية أذان المؤذنين أيضا، يعني متابعة المؤذن، هل يجب أن يتابع كل مؤذن، أو يكفي متابعة مؤذن واحد؟ هذا أيضا مما وقع فيه الخلاف. قال: والظاهر يجب أو يستحب متابعة المؤذن الأول، ولا يجب عليه متابعة الآخرين، إلا إذا أراد زيادة الأجر فلا بأس، لكن الذي ينبغي هو متابعة المؤذن الأول.