الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 74، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
لبث النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين يعرض نفسه في مواسم الحج كأسواق مجنة وعكاظ وذو المجاز داعياً إلى الله ومحذراً، حتى منّ الله عليه بالأنصار من يثرب فآمنوا به ونشروا الإسلام. اجتمع منهم سبعون رجلاً وأربع نسوة في العقبة الثانية وتعاقدوا على نصرته وبايعوه في شعب العقبة بموسم الحج.
بايع الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة والنفقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرته وحمايته مقابل الجنة. حذرهم أسعد بن زرارة من عواقب البيعة كمفارقة العرب وقتل خيارهم ومواجهة السيوف، فأصروا على البيعة وتمسكوا بها فبايعهم النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً رجلاً.
برز موقف العباس بن عبادة بن نضلة الذي شدد على خطورة البيعة بأنها حرب على الناس أجمعين رغم كونه مشركاً حينها، مؤكداً جدية العهد. رفض النبي صلى الله عليه وسلم مبادرة الأنصار لمهاجمة قريش في اليوم التالي لعدم ورود الأمر الشرعي بذلك.
أشار المتحدث إلى عدم ورود أمر شرعي بمسألة مطروحة في سياق الحديث عن البيعة. أعلن انتهاء الجلسة الحالية على أن يُكمل الشرح في درس قادم إن شاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الحافظ الذهبي رحمه الله: العقبة الثانية، أي بيعة العقبة الثانية. قال يحيى بن سليم الطائفي: يحيى بن سليم صدوق إلا أنه يهم، وحديثه في ضعف يسير. قال: و داود العطار، أنا هنا مقرونًا بداود العطار، وداود ثقة. قال: حدثنا ابن خثيم، هو عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن ابن زبير المكي، وهو محمد بن مسلم بن تدرس، وهو ثقة، عن جابر بن عبد الله. وانتُقد على أبي الزبير أنه ذكر أحاديث عن جابر ولم يسمعها منه، لكن الظاهر أنها كتاب. قال: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبث عشر سنين يتبع الحاجة في منازلهم في المواسم: مجنة، وعكاظ، يعني في مواسم، أي في أماكن الأسواق التي ينزلها العرب، وكان في مكة وما حولها ثلاث أسواق: مجنة، وعكاظ، وذو المجاز. ومن قال: يقول: من يأويني وينصرني حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة، فلا يجد. حتى إن الرجل يرحل صاحبه من مضر أو اليمن فيأتيه قومه وأدوه رحمه، ويقولون: احذر فتى قريش لا يفتن. يمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله، وأن يحذرون الكفار، يحذرون من النبي عليه الصلاة والسلام أقوامهم وأصحابهم، قال: يشيرون إليه بأصابعهم. حتى بعثنا الله له من يثرب، يقول جابر: حتى بعثنا الله له من يثرب، فيأتيه الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقرب الأهلي فيسلمون بإسلامه، حتى لم تبق دار من يثرب إلا وفيها رهط يظهرون الإسلام. معلوم: يثرب هي المدينة، كان اسم المدينة يثرب، وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقال للمدينة يثرب، لكن هذا من باب الحكاية، وإنما هي طابة وطيبة. قال: فيها رهط يظهرون الإسلام، ثم اتمرنا واجتمعنا سبعين رجلاً منا، فقلنا: حتى من قال: حتى متى نذر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطوف في جبال مكة ويخاف؟ أنا بعدما أسلم الأنصار، وبعدما جاءوا في العقبة الثانية الأولى، وهم اثنا عشر رجلاً، بعد ذلك انتشر الإسلام، فاتفق في السنة الثانية منهم سبعون رجلاً وأربع نسوة، الظاهر فتعاقدوا، وقالوا: حتى متى نذر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطوف في جبال مكة ويخاف؟ فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، الموسم: معنى موسم الحج، وواعدنا شعب العقبة، أنه كان البيعة الأولى في العقبة، وهذه شعبها، الشعب: هو الطريق بين الجبلين. قال: فاجتمعنا فيه من رجل ورجلين حتى توافينا عنده، وقالوا: خرجوا من عند قومهم في الليل، وكانوا نيام الناس، فخرج هؤلاء إلى لقاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: حتى توافينا عنده، فقلنا: يا رسول الله، على ما نبايعك؟ قال: على السمع والطاعة في النشاط والكسد، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب، تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة. قال: فقلنا: نبايعك، فأخذ بيده أسعد بن زرارة، أبو أمامة، أسعد بن زرارة، وهو من الخزرج، قال: وهو أصغر السبعين إلا أنا، عنا جابر يقول: إلا أنا، فهو أكبر مني. قال: فقال: رويدكم يا أهل يثرب، فأنا أسعد بن زرارة، كان رجلاً دهنكة مع صغر سنه، وهو من الأوائل الذين تمسكوا بالإسلام، لكنه مات قبل أن يهاجر النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فقال أسعد: هيه يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، إن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، أنا أذكركم: أنتم الآن ستبايعون على شيء عظيم، لا تستهنون بهذه البيعة، فمعنى اليوم: لما تخرجون النبي صلى الله عليه وسلم، معنى تفارقون العرب، وقتلوا خياركم، وأن تعضكم السيوف، تعضكم: معنى أن تقاتلوهم. قال: فإما أنتم قوم تصبرون على عض السيوف إذا مستكم، وعلى قتل خياركم، وعلى مفارقة العرب كافة، فقد وُفِّقتم وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فهو أعذر لكم عند الله. وهذه كلمة عظيمة قالها، قالها أبو أمامة أسعد بن زرارة رضي الله تعالى عنه. فقلنا: أمط يدك يا أسعد، إنا لا نريد هذا الكلام، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها. قال: فقمنا إليه نبايعه رجلاً رجلاً، يأخذ علينا شرطة، ويعطينا على ذلك الجنة، ولكم الجنة. وهذا إسناد حسن. قال: زاد في وسطه يحيى بن سليم، فقال له عمه العباس: يا ابن أخي، لا أدري ما هذا القوم الذين جاءوك، إني ذو معرفة بأهل يثرب. قال: فاجتمعنا عندهم الرجل والرجلين، فلما نظر العباس في وجوهنا قال: هؤلاء قوم لا أعرفهم، هؤلاء أحداث. فقلنا: على ما نبايعك؟ لو كان فيهم بعض أشرافهم كعبادة بن الصامت وغيره. وقال أبو نعيم: حدثنا زكريا عن الشعبي، قال: انطلق النبي عليه الصلاة والسلام. وقال أبو نعيم: أي الفضل بن دكين، أو قال: أبو نعيم حدثنا زكريا، هذا بعيد، الظاهر أنه اختصار المؤلف، إن كان أراد أبو نعيم الفضل بن دكين فهذا صحيح، يروي عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي. قال: انطلق النبي عليه الصلاة والسلام معه عمه العباس إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة، قال: لتتكلم وتكلمهم ولا تطيل الخطبة، فإن عليكم من المشركين عينًا. فقال أسعد: سل يا محمد لربك ما شئت، ثم سل لنفسك، ثم أخبرنا ما لنا على الله؟ قال: أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأسألكم لنفسي ولأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما منعتم منه أنفسكم. قالوا: فما لنا إذ فعلنا ذلك؟ قال: لكم الجنة. قالوا: فلك ذلك. قالوا: رواه أحمد بن حنبل عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة. قال: أخبرنا مجالد عن الشعبي عن أبي مسعود الأنصاري، بن أحوه، قال: لو كان أبو مسعود أصغرهم سنًا، أبو مسعود الأنصاري البدري، قال: له بدري لأنه سكن بدر. وقال ابن أبي كير عن ابن إسحاق: وهذه البيعة الثانية، قال عن ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر، وعبد الله بن أبي بكر، أي ابن الحارث بن هشام، أن العباس بن عبادة بن نضلة، أخو بني سالم، قال: يا معشر الخزرج، هل تدرون على ما تبايعون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون أنها إذا أنهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا، تركتموه وأسلمتموه، فمن الآن، أنه إذا كان ستتركونه بعدما ترون أن العرب تتجمّع عليكم، فاتركوه من الآن. قال: فهو الله، إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم مستمسكون به، وافون له، فهو والله خير الدنيا والآخرة. قال عاصم: والله ما قال العباس هذه المقالة إلا ليشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بها العقد، ومع أنه كان في ذلك الوقت كافرًا، إلا أن محبته للنبي عليه الصلاة والسلام... أن العباس بن عبادة بن نضلة ليس العباس بن عبد المطلب، لكن كان العباس معه عمه. وقال ابن أبي بكر: ما قالها إلا ليؤخر بها أمر القوم تلك الليلة ليشهد أمرهم عبد الله بن أبي، فيكون أقوى. قالوا: فما لنا بذلك يا رسول الله؟ قال: الجنة. قالوا: بسط يدك، فبايعوه. فقال عباس بن عبادة: إن شئت لنميلن عليهم غدًا بأسيافنا. فقال: لم نؤمر بذلك، أنا نخرج على أصحابنا. قال: لا، قال: لم نؤمر بذلك. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا ونكمل في درس قادم.