التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 73

التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 73

الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 73، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بيعة العقبة الأولى وبعث مصعب بن عمير

في موسم الحج التقى وفد من الأنصار بالنبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا وبايعوه على النصرة، ووعدوه باللقاء في العام التالي. عادوا إلى المدينة ينشرون الإسلام سراً، ثم طلبوا معلمًا فبعث النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير ليقرئهم القرآن ويفقههم في الدين.

دخول سعد بن معاذ في الإسلام وقيادة قومه

قدم مصعب بن عمير المدينة داعياً، فأسلم سعد بن معاذ بعد سماع القرآن وقاد بني عبد الأشهل إلى الإسلام أجمعين في يوم واحد. أقام مصعب عند سعد، وكُسرت الأصنام، وأقيمت أول جمعة في المدينة المنورة.

إسلام أسيد بن حضير وتأثيره في بني عبد الأشهل

أسلم أسيد بن حضير على يد مصعب بن عمير بعد أن سمع منه القرآن، ثم دل على سعد بن معاذ ليسلم، فدخل بنو عبد الأشهل في الدين أفواجاً. في المقابل تأخر إسلام أوس الله بسبب أبي قيس بن الأسلت حتى بعد غزوة أحد والخندق.

ختام المجلس والإشارة لاستكمال الدرس

يختم المعلم الدرس بالإشارة إلى تدوين ما تم طرحه من أحداث السيرة النبوية، ويؤكد على استكمال الشرح في الدرس القادم. يختم المجلس بذكر اسم مصعب بن عمير والتهليل والتكبير.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: وقال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: قال: فلما حضر الموسم، حج نفر من الأنصار، منهم: عوف بن عفراء، وأسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وذكوان، وعبادة بن الصامت، وأبو عبد الرحمن بن تغلب، وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة. قال: في رواية ابن شهاب: جعل أبو الهيثم وعويم في العقبة الأولى، أو فيمن أسلم. وإنما أبو الهيثم وعويم معنا جاءوا بعد ذلك في الاثني عشر. قال: وقرأ فأخبرهم خبره، وقرأ عليهم. فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم خبره، وقرأ عليهم القرآن، فأيقنوا به واطمأنوا، وعرفوا ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب، وصدقوه. ثم قالوا: قد علمت الذي كان بين الأوس والخزرج من سفك الدماء، ونحن حراص على ما أرشدك الله به، مجتهدون لك بالنصيحة. وإنا نشير عليك برأينا: فامكث على اسم الله حتى نرجع إلى قومنا، فنذكر لهم شأنك، وندعوهم إلى الله، فلعل الله يصلح ذات بينهم، ويجمع لهم أمرهم. فواعدهم كالموسم من قابل، قال: موعدنا في السنة الثانية. قال: فرضي بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجعوا إلى قومهم، فدعوهم سراً، وتلوا عليهم القرآن، حتى قلَّ دار من دور الأنصار إلا قد أسلم فيها ناس. ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ بن عفراء، ورافع بن مالك: أن ابعث إلينا رجلاً من قبلك يفقهنا. فبعث مصعب بن عمير، فنزل في بني تميم، على أسعد بن زرارة. قال: بني تميم، لعله في بني عبد الأشهل. قال: أسعد معنا في بني عبد الأشهل، أصحاب سعد بن معاذ. قال: يدعو الناس سراً، ويفشو فيهم الإسلام، ويكتب. ثم أقبل مصعب وأسعد، فجلسا عند بئر بني مرق. قال: وهي في المدينة. قال: أبعث إلى رهط من الأنصار، فأتوهما مستخفين. وأخبر بذلك سعد بن معاذ، ويقول بعض الناس: بل أسيد بن حضير. فأتاهما في لامته، معه الرمح، حتى وقف عليهما. فقال لأبي أمامة أسعد: قال: جاء في رواية ابن إسحاق أن سعد بن معاذ قال لأسيد: اذهب أنت، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي، وما أريد أن أذيعه. فاذهب فانظر ماذا معه. قال: حتى وقف عليهما، فقال لأبي أمامة أسعد. أي: أسعد بن زرارة كان يكنى بأبي أمامة. قال: على ما أتيتنا في دورنا بهذا الوحد الغريب الطريد، يسفه ضعفاءنا بالباطل، ويدعوهم إليه؟ لا أراك بعدها تسوء من جوارنا. فقاما، ثم إنهما عادا مرة أخرى لبئر بني مرق، أو قريباً منها. فذكروا لسعد بن معاذ الثاني، فجاءهم، فتوعدهم وعيداً دون وعيده الأول. فقال له أسعد: يا ابن خالي، اسمع من قوله. قال: كان سعد بن معاذ ابن خالته. قال: فإن سمعت حقاً فأجب إليه، وإن سمعت منكراً فاردده بأهدى منهم. فقال: ماذا يقول؟ فقرأ عليه مصعب: ﴿حَامِيمَ * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وقال سعد: ما أسمع منكم إلا ما أعرفه. ورجع سعد، وقد هداه الله، ولم يظهر لهما إسلامه حتى رجع إلى قومه، فدعا بني عبد الأشهل إلى الإسلام، وأظهر لهم إسلامه، وقال: من شك منهم فيه فليأتِ بأهدى منه. والله لقد جاء أمر لتحزن منه الرقاب. فأسلمت بني عبد الأشهل عند إسلام سعد بن معاذ، إلا من لا يذكر. قال: في رواية ابن إسحاق: الذي تأخر رجل، ثم أسلم بعد ذلك. قال: ثم إن بني النجار أخرجوا مصعب بن عمير، واشتدوا على أسعد، فانتقل مصعب إلى سعد بن معاذ، يدعو آمناً، ويهدي الله به. وأسلم عمر بن الجموح، وكسرت أصنامهم. وعمر بن الجموح والد معاذ بن عمر بن الجموح، وأيضاً معاذ معوذ. قال: وكان المسلمون أعز من بالمدينة. وكان مصعب أول من جمع الجمعة بالمدينة. ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا قال ابن شهاب: إن مصعباً أول من جمع بالمدينة. في حديث كعب: أن الذي كان يصلي بهم أسعد بن زرارة. قال: وقال البكائي عن ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن مغيث بن معاوية، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم: أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير، يريد به دار بني عبد الأشهل، ودار بني ظفر. وكان سعد بن معاذ بن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطاً من حوائط بني ظفر. قال: حائط، معنى البستان. وقال: على بئر مرق. قال: معنى: نام القيلولة. فاجتمع عليهما ناس. وكان سعد وأسيد بن حضير سيدَي بني عبد الأشهل. فلما سمع به، قال سعد لأسيد: انطلق إلى هذين، فازجرهما، وانههما أن يأتيا دارينا. قال: دارين، أو دارينا، معنى: لا يأتون إلى دارنا. قال: فلولا أسعد بن زرارة، ابن خالتي، كفيتك ذلك. فأخذ السيف حربته، ثم أقبل إليهما. فلما رآه أسعد، قال: هذا سيد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه. قال مصعب: إن يجلس، وكلمه. قال: فوقف عليهما، فقال: ما جاء بكم إلينا تسفهان ضعفاءنا، وتعتزلان؟ إن كان لكما بأنفسكما حاجة. قال: معنى: كأنه يهددهما بالقتل. فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كفا كما تكره. قال: أنصفت. ثم ركز حربته، وجلس إليهما. فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن. فقال فيما بلغنا: والله لعرفنا في وجه أسيد الإسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتسهله. قال: حس من وجهه أنه ارتضى هذا الكلام، وعجبه. قال: ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم من تدخل في هذا الدين؟ قال: تغتسل، وتتطهر، وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي. قال: فقام فاغتسل، وأسلم، وركع ركعتين. ثم قال لهما: إن ورائي رجلاً، إن تبعكما لم يتخلف عنه من قومه أحد، وسأرسله إليكما. ثم انصرف إلى سعد بن معاذ وقومه، وهم جلوس في ناديهم. فلما رآه سعد مقبلاً، قال: أقسم بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به. ثم قال له: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فما رأيت بهما بأساً، وقد نهيتهما، فقالا: نفعل ما أحببت. وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد ليقتلوه. هذا لعجل أن يثير، يثير سعد بن معاذ، لأن أسعد كان ابن خالته، كان يحبه. قال: وقد حدث أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك، ليغروك. فقام، وقام سعد مغضباً، مبادراً، متخوفاً. فأخذ الحربة، وقال: والله ما أراك أغنيت عنا شيئاً. ثم خرج إليهما. فلما رآهما سعد المطمئنين، عرف أنهما سيدا، إنما أراد منه أن يسمع منهما. فوقف عليهما، متشتماً. قال: متشتماً، معنى: يسب. ثم قال لأسعد: يا أبا أمامة، والله لولا ما بيني وبينك من القرابة، ما رمت مني هذا. أتغشاني في دارنا بما نكره؟ وقد قال أسعد لمصعب: أي: مصعب، جاءك الله بسيد من ورائه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان. قال: وتقعد. قال: قال أبو أمامة لمصعب: جاءك الله، والله، بسيد، أي: سيد قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنه أحد. قال: وتقعد، ما تسمع، فإن رضيت أمراً ورغبت فيه قبلته، وإن كرهت عزلنا عنك ما تكره. قال: أنصفت. قال: فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن. قال: فعرفنا في وجه سعد الإسلام قبل أن يتكلم به، لإشراقه وتسهله. قال: ثم فعل كما عمل أسيد، وأسلم، وأخذ حربته، وأقبل عائداً إلى نادي قومه، ومعه أسيد. فلما رآه قومه، قالوا: نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. وقال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعرفون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا، وأفضلنا رأياً، وأيمننا نقيبة. قال: فإن كلام رجالكم ونساءكم علي حرام حتى تؤمنوا. والله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلماً ومسلمة. ورجع مصعب وأسعد إلى منزلهما. ولم تبقَ دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف. وتلك أوس الله، وهم من الأوس بن حارثة. وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت، وهو صيفي، وكان شاعراً لهم وقائداً. أنه كان يصدهم عن الإسلام. قال: يستمعون منه ويطيعونه. فوقف بهم عن الإسلام، فلم يزل على ذلك حتى مضت أحد والخندق. فهذا ذكرها ابن إسحاق رحمه الله في قصة مصعب، وإسلام سيد، وكذلك سعد بن معاذ. فنكتب هذا، ونكمل في درس قادم، مصعب، الله مصعب، الله.