التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 49

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 49، ألقاها

الرد على استدلال المعتزلة والجهمية

يناقش الشارح استدلال المعتزلة والجهمية بقوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾ لإثبات أن القرآن مخلوق، ويرد عليهم بأن هذا الاستدلال باطل. يفرق بين الخلق والأمر ويبين أن كلام الله ليس كالمخلوقات.

تفنيد رأي الجهمية والمعتزلة في خلق القرآن

يناقش المقطع رأي الجهمية والمعتزلة القائلين بأن كلام الله مخلوق، ويرد عليهم الإمام عبد العزيز المكي مستدلا بنصوص التنزيل وبالعقل. يستحيل أن يكون الكلام قائما بذاته أو في غيره دون متكلم.

الرد على استدلالات القائلين بخلق القرآن وتفسير الآيات

يناقش النص استدلالات القائلين بخلق القرآن بآيات من القرآن الكريم ويرد عليها. يبين معاني الفعل "جعل" في سياقات مختلفة ويشرح أن النداء في قصة موسى لم يكن من الشجرة بل كان من عندها.

تفسير آية وبيان دلالتها على إضافة الكلام إلى المتكلم

المقطع يتناول تفسير آية قرآنية تشير إلى أن الرسول يبلغ كلام الله، مما يدل على أن الكلام يُضاف إلى المتكلم به أولاً. يُفهم من الآية أن الكلام منسوب لمن تكلم به في البداية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم على الشارح رحمه الله تعالى. وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾ والقرآن شيء، فيكون داخلا في عموم كل، فيكون مخلوقا، فمن أعجب العجب. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾، أي استدلال المعتزلة والجهمية بهذه الآية على أن القرآن شيء، فهو داخل في عموم كل، فيكون القرآن مخلوقا. فيقول الشارح رحمه الله تعالى عن هذا الاستدلال: يقول فمن أعجب العجب، أي شيء يجعل الإنسان يتعجب، بل هو في غاية التعجب. قال: وذلك أن أفعال العباد كلها عندهم غير مخلوقة لله تعالى، وإنما يخلقها العباد جميعها، لا يخلقها الله، فأخرجوها من عموم كل، وأدخلوا كلام الله في عمومها، مع أنه صفة من صفاته، به تكون الأشياء المخلوقة، إذ بأمره تكون المخلوقات. قال تعالى: ﴿والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر﴾، ففرق بين الخلق والأمر، فلو كان الأمر مخلوقا، للزم أن يكون مخلوقا بأمر آخر، والآخر بآخر، إلى ما لا نهاية له، فيلزم التسلسل، وهو باطل. وترد باطلهم أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة، كالعلم والقدرة وغيرهما، وذلك صريح الكفر، فإن علمه شيء، وقدرته شيء، وحياته شيء، فيدخل ذلك في عموم كل، ويكون مخلوقا بعد أن لم يكن، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. قال رحمه الله تعالى: وأدخل كلام الله في عمومها، أي في عموم ﴿الله خالق كل شيء﴾، مع أنه صفة من صفاته، به تكون الأشياء المخلوقة، بمعنى أن الأشياء المخلوقة تكون بماذا؟ بأمر الله، كن فيكون. قال: ﴿والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر﴾، وهذه الآية تبين لنا أن ثم فرقا بين الخلق والأمر، إذ أن الله جل وعلا يقول: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾، والواو تقتضي المغايرة. فالآية تدل على التفريق بين الخلق وبين الأمر الذي هو قوله، وبين الخلق الذي هو فعله سبحانه، به يخلق المخلوقات. قال: وطرد باطلهم أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة، كالعلم والقدرة وغيرهما، وذلك صريح الكفر. قال رحمه الله تعالى: وكيف يصح أن يكون متكلما بكلام يقوم بغيره؟ ولو صح ذلك، للزم أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه، وكذلك أيضا ما خلقه في الحيوانات، ولا يفرق حينئذ بين نطق وأنطق. قال: وكل كلام في الوجود كلامه، سواء علينا نثره ونظامه. قال رحمه الله: وكيف يصح أن يكون متكلما بكلام يقوم بغيره، يعني يقول الآن نتصور هؤلاء الجهمية المعتزلة، كيف يقولون بأن الله جل وعلا متكلم بكلام خلقه في غيره. قال: ولو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره، لصح أن يقال للبصير أعمى، وللأعمى بصير، لأن البصير قد قام وصف العمى بغيره، والأعمى قد قام وصف البصر بغيره. قال: ولصح أن يوصف الله تعالى بالصفات التي خلقها في غيره، من الألوان والروائح والطعوم والطول والقصر ونحو ذلك، لأن الله جل وعلا خلقها في غيره. قال رحمه الله تعالى: وبمثل ذلك ألزم الإمام عبد العزيز المكي بشر المريسي بين يدي المأمون، بعد أن تكلم معه ملتزما أن لا يخرج عن نص التنزيل. قال: فقال بشر: يا أمير المؤمنين، ليدع مطالبتي بنص التنزيل، ويناظرني بغيره، فإن لم يدع قوله، ويرجع عنه، ويقره بخلق القرآن الساعة، وإلا فدمي حلال. قال عبد العزيز: تسألني أم أسألك؟ فقال بشر: اسأل أنت، وطمع فيا. فقلت له: يلزمك واحدة من ثلاث، لا بد منها، إما أن تقول: إن الله خلق القرآن، وهو عندي كلامه في نفسه، أو خلقه قائما بذاته ونفسه، أو خلقه في غيره. قال: فيقول: خلقه كما خلق الأشياء كلها، وحاد عن الجواب. قال: فإن قال: خلق كلامه في نفسه، فهذا محال، لأن الله لا يكون محلا للحوادث المخلوقة، ولا يكون فيه شيء مخلوق. وإن قال: خلقه في غيره، فيلزمه في النظر والقياس أن كل كلام خلقه الله في غيره، فهو كلامه، فهو محال أيضا. وإن قال: خلقه قائما بنفسه وذاته، فهذا محال، لا يكون الكلام إلا من متكلم، كما لا تكون الإرادة إلا من مريد، ولا العلم إلا من عالم. قال رحمه الله تعالى: ولما استحال من هذه الجهات أن يكون مخلوقا، علم أنه صفة لله. قال: وعموم كل في كل موضع بحسبه، ويعرف ذلك بالقرائن. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها﴾، فأصبح لا يرى إلا مساكنهم، ومساكنهم شيء، ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح. قال: وكذا قوله تعالى حكاية عن بلقيس: ﴿وأتيت من كل شيء﴾، المراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك. قال: والمراد من قوله تعالى: ﴿خالق كل شيء﴾، أي كل شيء مخلوق، وكل موجود سوى الله، فهو مخلوق، فدخل في هذا العموم أفعال العباد حتما، ولم يدخل في العموم الخالق تعالى، وصفاته ليست غيره. قال: فإذا كان قوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾، مخلوقا، لا يصح أن يكون دليلا. قال: وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآناً عربياً﴾، فما أفسده من استدلال. فإن جعل إذا كان بمعنى خلق، يتعدى إلى مفعول واحد، فقوله تعالى: ﴿وجعل الظلمات والنور﴾، ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾، ﴿وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم﴾، ﴿وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون﴾، ﴿وجعلنا السماء سقفا محفوظا﴾. وإذا تعدى إلى مفعولين، لم يكن بمعنى خلق، قال تعالى: ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم﴾، أي صيرتم الله عليكم. قال: وقال تعالى: ﴿ولا تجعلوا الأيمان﴾، وهذه أيضا ﴿ولا تجعلوا﴾، إذا قلنا جعل بمعنى خلق، فماذا يكون معنى ﴿ولا تخلقوا﴾؟ قال: وقال تعالى: ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾، وقال تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك﴾، وقال تعالى: ﴿لا تجعل مع الله إلها آخر﴾، وقال تعالى: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا﴾، ونظائرها كثيرة. فكذا قوله تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآناً عربياً﴾، يعني يكون بمعنى: إنا أنزلناه قرآناً عربياً، ولا يكون بمعنى خلقناه. قال: وما أفسد استدلالهم بقوله: ﴿ونودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة﴾، على أن الكلام خلقه الله تعالى في الشجرة. قال: فسمعه موسى منها، وعموا عما قبل هذه الكلمة وما بعدها، فإن الله تعالى قال: ﴿فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن﴾، والنداء هو الكلام من بعد. قال: فسمع موسى النداء من حافة الوادي، ثم قال: ﴿في البقعة المباركة من الشجرة﴾، أي أن النداء كان في البقعة المباركة من عند الشجرة. قال: كما يقول: سمعت كلام زيد من البيت، يكون من البيت لابتداء الغاية، لا أن البيت هو المتكلم. قال: ولو كان الكلام مخلوقا في شجرة، لكانت الشجرة هي القائلة: يا موسى إني أنا الله رب العالمين. قال: وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿إنه لقول رسول كريم﴾، فجه الجواب أن الله جل وعلا قال: ﴿إنه لقول رسول﴾، والرسول مرسل بكلام غيره، وليس هو منشئا للكلام بنفسه، وإنما هو مبلغ عن غيره. قال: وأيضا، فالرسول في إحدى الآيتين جبريل، وفي الأخرى محمد، فإضافته إلى كل منهما تبين أن الإضافة للتبليغ. قال: إذ لو أحدثه أحدهما، امتنع أن يحدثه الآخر. قال: وأيضا، فقوله: ﴿رسول أمين﴾، دليل على أنه لا يزيد في الكلام الذي أرسل بتبليغه، ولا ينقص منه، بل هو أمين على ما أرسل به، يبلغهم عن مرسله. قال: والكلام كلام من قاله مبتدئا، لا من قاله مبلغا. قال: فإذا في قول الله جل وعلا: ﴿إنه لقول رسول كريم﴾، والرسول يبلغ كلام الله، فهذا يدل على أن الكلام مضاف إلى من تكلم به ابتداء، لا إلى من بلغه. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وآتوب إليك.

شاركنا على