الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 33، ألقاها
يناقش الشارح فكرة تعطيل أفعال الله تعالى ويبين بطلانها من خلال الأدلة الشرعية والعقلية. يشرح أن هذه الفكرة تؤدي إلى نتائج باطلة مثل جعل المحدث واجبا أو ممتنعا.
يناقش المقطع رأي الجويني حول التسلسل في الماضي والمستقبل ويبين عدم صحة تمثيله وموازنته. يعرض تصحيحا لهذا الرأي من منظور شيخ الإسلام ابن تيمية.
يتناول المقطع الرد على الجهمية والمعتزلة الذين يعتقدون أن أسماء الله وصفاته محدثة. يشرح قول الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى في هذه المسألة ويوضح الفرق بين أسماء الله وصفاته والمخلوقات.
يشرح النص الفرق بين إرادة الله للفعل وإرادته جعل العبد فاعلا. يشير إلى أن إغفال هذا الفرق أدى إلى خطأ القدرية والجبرية في فهم مسألة القدر.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: والمقصود أن الذي دل عليه الشرع والعقل أن كل ما سوى الله تعالى محدث، كائن بعد أن لم يكن. أما كون الرب تعالى معطلا عن الفعل ثم فعل، فليس في الشرع ولا في العقل ما يثبته، بل كلاهما يدل على نقيضه. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: والمقصود أن الذي دل عليه الشرع والعقل أن كل ما سوى الله تعالى محدث، كائن بعد أن لم يكن، أي أنه وجد بعد أن لم يكن موجودا. وذلك أن كل ما سوى الله كما قال محدث، وكل محدث فهو ممكن، وكل ممكن إذا وجد فإنه مسبوق بعدم، لذا قال: كان بعد أن لم يكن، أي وجد بعد أن لم يكن موجودا. وكان هاهنا تام. قوله: أما كون الرب تعالى لم يزل معطلا عن الفعل ثم فعل، ليس في الشرع ولا في العقل ما يثبته، بل كلاهما يدل على نقيضه. قوله رحمه الله: أما كون الرب تعالى لم يزل معطلا عن الفعل كما هو قول الجهمية ومن قال بقولهم، معطلا عن الفعل ثم فعل، فليس في الشرع ولا في العقل ما يثبته، بل كلاهما يدل على نقيضه، أي الشرع يدل على نقيضه والعقل يدل على نقيضه. بمعنى أن الشرع يدل على أن الله جل وعلا فعال لما يشاء أزلا وأبدا، والعقل كذلك يدل على هذا المعنى، إذ خلاف هذا المعنى إما أن يقال بأن المحدث واجب، وإما أن يقال بأن المحدث ممتنع، وكلاهما ممتنع واضح. سواء هذا القول، أي القول بإمكان حوادث لا أول لها، إما أن يقال بأن المحدث واجب كما هو قول الفلاسفة، لأن الفلاسفة يقولون بأن المحدث لم يسبق بعدم، لا أول له، وما كان لا أول له فهل هو ممكن أو واجب؟ واجب واضح. وهذا باعتبار الفرد وباعتبار النوع، إذ أنهم لا يفرقون بين الفرد والنوع. وفي مقابلهم الجهمية ومن قال بقولهم يقولون: المحدث كان ممتنعا ثم صار ممكنا، واضح. فإذن يقولون بأن الممكن كان ممتنعا ثم صار ممكنا، وهذا حقيقته هل له وجود أو هو ممتنع؟ ممتنع واضح. والحق بين هؤلاء وهؤلاء، وهو أن وجود المخلوقات ممكن أزلا كما أنه ممكن أبدا. بل ذهب طائفة من المحققين إلى وقوع ذلك أزلا باعتبار النوع، كما أنه واقع باعتبار النوع أبدا، إذ لا خلاف بين الأزل والأبد في الإمكان والوقوع. فالأزل مسبوق بالأول الذي ليس قبله شيء، والأبد بعده الآخر الذي ليس بعده شيء، وما عداه فهو قول باطل. وقد تقدم بيان بطلانه فيما مضى معنا من دروس. وقد أورد أبو المعالي في إرشاده وغيره من النظار على التسلسل في الماضي، فقالوا: إنك لو قلت: لا أعطينك درهما إلا أعطيتك بعده درهما، كان هذا ممكنا. ولو قلت: لا أعطيك درهما حتى أعطيك قبله درهما، كان هذا ممتنعا. وهذا التمثيل والموازنة غير صحيحة، بل الموازنة الصحيحة أن تقول: ما أعطيتك درهما إلا أعطيتك قبله درهما، فتجعل ماضيا قبل ماضي، كما جعلت هناك مستقبلا بعد مستقبل. قوله رحمه الله: وقد أورد أبو المعالي، أي الجويني، وهو من كبار المتكلمين، ومن كبار الأشاعرة، ويقال بأنه تاب في آخر أمره، يقال بأنه رجع إلى مذهب السلف في آخر أمره. وكان الأشاعرة يعظمون هذا الرجل تعظيما كبيرا. قال في إرشاده: وغيره من النظار على التسلسل في الماضي، فقال: أي أورد على أن التسلسل في الماضي ممتنع عقلا، بماذا استدلوا؟ استدلوا بهذا البرهان. ما هو هذا البرهان؟ قالوا: إنك لو قلت: لا أعطيك درهما إلا أعطيك بعده درهما، كان هذا ممكنا واضح. لأنه ماذا؟ قالوا: هذا يدل على جواز التسلسل في المستقبل، قالوا: أما في الماضي، ولو قلت: لا أعطيك درهما حتى أعطيك قبله درهما، كان هذا ممتنعا. إذن ما هي النتيجة؟ النتيجة أن العقل يمنع التسلسل في الماضي ويجوز التسلسل في المستقبل. وما دل عليه العقل ينبغي أن يكون دليلا، فإذن قول الأشاعرة وقول من قال بقولهم من المتكلمين كالمعتزلة، جمهور المعتزلة وطوائف من أهل الإسلام ممن خالف أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، قالوا بمثل هذه القضية. قال رحمه الله: وهذا كلام من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في منهج السنة النبوية، قال: وهذا التمثيل والموازنة غير صحيحة، قال: يعني بل الموازنة الصحيحة أن تقول: ما أعطيتك درهما إلا أعطيتك قبله درهما، واضحة. قال: فتجعل ماضيا قبل ماضي، كما جعلت هناك مستقبلا بعد مستقبل. ويش الفرق يا جماعة بين ما ذكر وبين ما ذكره أبو المعالي جويني؟ جعل العبارة: لا أعطيك درهما، هذا في متى؟ في المستقبل، حتى أعطيك قبله درهما، هذا في الماضي، هذا ممتنع. لكن المعادلة الصحيحة أن يقال: ما أعطيتك درهما بالماضي، ما أعطيتك درهما إلا أعطيتك قبله درهما، هل هذا ممكن أم لا؟ هذا ممكن واضح. قوله رحمه الله: والعطاء المستقبل ابتداؤه من عندنا، جاء في منهاج السنة النبوية، والكلام كما سمعتم أخوذ من كتاب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى منهاج السنة النبوية، قال: والعطاء المستقبل ابتداؤه من المعطي، قال: والمستقبل الذي له ابتداء وانتهاء لا يكون قبله ما لا نهاية له، فإن وجود ما لا نهاية له فيما يتناهى ممتنع واضح. قوله رحمه الله: ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري. قوله: ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، هذا فيه رد على من؟ فيه رد على المعتزلة ومن كان على شاكلتهم من المتكلمين من الجهمية ونحوهم، يعني رد على الجهمية والمعتزلة ومن سار على سيرهم، من أن الله جل وعلا إنما سمي بأسمائه بعد أن خلق خلقه، واتصف بصفاته بعد أن خلق خلقه. لذا كانت هذه الصفات في حق الله جل وعلا محدثة، الصفات وأسماء الله جل وعلا عند الجهمية أنها محدثة، كانت بعد أن لم تكن. فقول الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، إلى آخره، في رد على هؤلاء. وأيضا فيه أن الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى في هذه المسألة، أي في مسألة ابتداء الخلق، بالقول بأن المخلوقات لها أول، باعتبار نوعها وفردها، وهو بهذا الاعتبار موافق لأهل الكلام، موافق لهم من وجه ومخالف لهم من وجه. موافق لهم باعتبار أنه قال بأن المخلوقات لها أول، باعتبار نوعها وفردها، وهذا كما سمعتم هو قول الجهمية، المعتزلة، الأشاعرة، الكلابية، إلى غير ذلك. فهو موافق بهذا الاعتبار، ومخالف لهم باعتبار آخر، ما هو الاعتبار الآخر الذي خالفهم؟ الاعتبار الآخر هو بأنه يقول بأن الله جل وعلا متسم بأسمائه ومتصفا بصفاته أزلا، وأن هذه الأسماء والصفات هي لله رب العالمين أسماء وصفات لله، لا كما تقول الجهمية من أنها محدثة مخلوقة. قوله رحمه الله: وأما قول من قال بجواز حوادث لا أول لها من القائلين بحوادث لا آخر لها، فأظهر في الصحة من قول من فرق بينهما، فإنه سبحانه لم يزل حيا، والفعل من لوازم الحياة، فلم يزل فاعلا لما يريد، كما وصف بذلك نفسه حيث يقول: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. قوله رحمه الله: وأما قول من قال بجواز حوادث لا أول لها، هذا قد يراد به أنه يعرضه بالإمام الطحاوي رحمه الله تعالى، إذ أن الطحاوي رحمه الله هو ممن يقول بهذا القول، وهو من أهل السنة والجماعة. فيقول رحمه الله: أما قول من قال بجواز حوادث لا أول لها، كما هو قول جماهير السلف، من القائلين بحوادث لا آخر لها، قال: فأظهر في الصحة من قول من فرق بينهما، أي فجعل باعتبار الماضي لها أول، وباعتبار المستقبل لا نهاية له. قوله رحمه الله: والآية تدل على أمور، أي قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. أحدها: أنه تعالى يفعل بإرادته ومشيئته، لأن الله جل وعلا يقول: فعال لما يريد، فإذا كان فعال لما يريد، فهو يفعل سبحانه وتعالى بإرادته. الثاني: أنه لم يزل كذلك، لأنه ساق ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه، وأن ذلك من كماله سبحانه، ولا يجوز أن يكون عادما لهذا الكمال في وقت من الأوقات. الثالث: أنه إذا أراد شيئا فعاله، فإنما موصولة عامة، أي يفعل كل ما يريد أن يفعله، وهذا في إرادته المتعلقة بفعله. وأما إرادته المتعلقة بفعل العبد، فتلك لها شأن آخر، فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينه عليه ويجعله فاعلا، لم يوجد الفعل. وإن أراده حتى يريد من نفسه أن يجعله فاعلا، وجد الفعل. وهذه النكتة التي خفيت على القدرية والجبرية، وخبطوا في مسألة القدر لغفلتهم عنها، وفرق بين إرادته أن يفعل العبد، وإرادة أن يجعله فاعلا. وسيأتي الكلام على مسألة القدر في موضعه إن شاء الله تعالى.