التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 1

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 1، ألقاها

أهمية كتاب شرح الطحاوية وملاحظات على متن الإمام الطحاوي

يُعد كتاب الطحاوية للإمام الطحاوي من أفضل المتون في كتب العقائد، وقد نصح العلماء بدراسة شروحات أخرى مثل شرح العقيدة الواسطية لسلامتها من الأفكار المشكلة.

شرح الطحاوية لابن أبي العز وترجمة مؤلفه ومنهجه

يعد شرح الطحاوية لابن أبي العز من أفضل شروح الكتاب، وقد اعتنى ابن أبي العز بتوضيح كلام الطحاوي بالطريقة السلفية متأثرا بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه.

ترجمة الإمام الطحاوي ومنهجه في البحث ومصنفاته

كان الإمام الطحاوي إمامًا محققًا وفقيهًا حافظًا، ولد سنة 239هـ، وتفقه على مذهب الشافعي ثم تحول إلى مذهب أبي حنيفة، وكان له مصنفات مثل أحكام القرآن وشرح الجامع الكبير.

ذكر وفاته ودفنه

توفي الإمام الطحاوي رحمه الله سنة 321 هـ بمصر ودفن بالقرافة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فأولًا نحمد الله عز وجل الذي هيأ لنا سبل العلم ومواصلة طلب العلم النافع، علم الكتاب والسنة. وهذه نعمة كبرى يمتن الله جل وعلا بها على من شاء من عباده، ويصطفي لها من شاء من خلقه. فكم من إنسان آتاه الله جل وعلا من الحفظ ما آتاه، وآخر آتاه من الذكاء ما آتاه، وآخر آتاه من المال ما آتاه، ومع هذا ما تهيأت لهم سبل العلم وطلب العلم والتفرغ لطلب العلم. فهذه ذِكرى لنا جميعًا بأن نحمد الله جل وعلا آناء الليل وآناء النهار على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، من هذه النعمة العظيمة الجليلة التي لا تعدلها نعمة ولا تقاربها نعمة بعد نعمة الإسلام والهداية إلى سنة سيد الأنام محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه. فأمر آخر وهو كذلك من النعم التي أنعم بها ربنا جل وعلا علينا، والله جل وعلا يقول: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. نعمة ما نسير عليه بحمد الله جل وعلا في طلب العلم. بحمد الله جل وعلا ابتدأنا في دراسة هذه السلاسل التي بدأناها بحمد الله جل وعلا من يوم أو من فترة ما جئنا بها إلى هذه البلدة، إلى بلدة الشحر، من أكثر من سنة ونصف. ابتدأنا بحمد الله جل وعلا سلسلة في التوحيد، ابتدأنا بها في جمادى الآخرة سنة 1432، وانتهينا بحمد الله جل وعلا بعد دراسة الكتب: أصول الثلاثة، ثم أصول السنة، ثم القواعد الأربع، ثم نواقض الإسلام، ثم كشف الشبهات، ثم فتح المجيد. وكان الانتهاء منه قبل عيد الأضحى بحمد الله جل وعلا في عام 1430. وكذلك ابتدأنا في نفس الوقت ونفس الزمان بسلسلة العقيدة، درس فيها بحمد الله جل وعلا: لمعة الاعتقاد شرح لمعة الاعتقاد للعلامة العثيمين، ثم القواعد المثلى كذلك للعلامة العثيمين، ثم شرح الواسطية للواسطية لشيخ الإسلام العثيمين بشرح العلامة الهراس. ثم كذلك أخذنا التدمرية بعد عيد الفطر منها من سنة 1432، والحمد لله انتهينا منها قبل عشرة أيام. وامتنعنا من مواصلة بسبب المرض الذي مر بنا. ونحن اليوم بإذن الله جل وعلا، ونسأل الله جل وعلا التوفيق والسداد، وأن يمدنا بفضل منه وعون سبحانه وتعالى. في هذا كتاب شرح الطحاوية للإمام ابن أبي العز الحنفي رحمه الله. والطحاوية كما هو معلوم لكثير: متن للإمام الطحاوي. شئنا الكلام على ترجمة مختصرة مما ذكره المحقق عندنا في طبعة الطحاوية التي حققها العلامة الألباني رحمه الله. وكذا ترجمة مختصرة كذلك للشارح بإذن الله جل وعلا. لكن نريد أن ننبه في هذا المقام على بعض الأمور، من هذه الأمور: أهمية كتاب شرح الطحاوية للإمام ابن أبي العز. كتاب الطحاوية للإمام الطحاوي رحمه الله تعالى يعد من أفضل المتون في كتب العقائد، باعتبار ما جمع فيه مؤلفه رحمه الله تعالى من عقيدة أهل السنة والجماعة، بأسلوب المتن الذي يعبر عنه بالمتن. والمتون غالبًا ما يستفيد منها الطالب في حفظها. وهو متن كما سمعتم جيد، باعتبار ما حواه من مسائل العقيدة. إلا أن على هذا المتن بعض الملاحظات، من هذه الملاحظات: ملاحظات عقدية، وملاحظات أخرى نبه عليها الشارح الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى، وتعقبه في ذلك. فمما تعقبه الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى على الإمام الطحاوي في هذا الكتاب: ثلاثة أمور مشهورة. تعقبه عليها ثلاثة أمور مشهورة. الأول أو الأمر الأول: قوله رحمه الله تعالى كما سيأتي معنا في أول الكتاب: "قديم بلا ابتداء". نبه الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى على وجه الصواب في هذه المسألة، وخلاصته: أن القديم ليس من أسماء الله جل وعلا. الأمر الثاني: قوله رحمه الله تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات: "ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات". وهذا كذلك مما تعقبه الشارح ابن أبي العز، ونبه عليه. وخلاصة الكلام والاعتراض والتنبيه: أن هذه الألفاظ من الألفاظ المجملة. والألفاظ المجملة كما مر معنا مرارًا: أنها لا تثبت مطلقًا ولا تنفى مطلقًا، وإنما يستفسر فيها ويستفصل، فيثبت الحق منها ويرد الباطل. الأمر الثالث: قوله رحمه الله تعالى: "والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان". وقوله أيضًا: "والإيمان واحد وأهله في أصله سواء". وهذه الفقرة لا تتأتى إلا على قول مرجئة الفقهاء، ولا تكون ولا تصدق على مذهب أهل السنة والجماعة القائلين بأن العمل من الإيمان. وسيأتي الكلام على هذه المسائل وتوضيحها بإذن الله جل وعلا عند كلام الشارح وتعليق الشارح على هذه الفقرة. لذا من أراد أن يحفظ متنا سالما من أي شيء من الأفكار، فأنصح بحفظ كتاب مثل شرح العقيدة الواسطية. كتاب قد حوى إما آية وإما حديث وإما ذكر معتقد مجمع عليه بين أهل السنة والجماعة. نظيف في غاية الصحة، ألفه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فمن أراد الحفظ أنصح بهذا؛ لأنه يعينك على الاستدلال. ما الدليل على إثبات السمع لله عز وجل؟ قال: "هو السميع البصير". قال الله عز وجل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. وقال عز وجل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾. إلى غير ذلك من الآيات والأدلة. إذا جئت في قسم السنة: ما الدليل على أن الله يرى؟ قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر». إلى غير ذلك مما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أن ما ذكره في كتاب العقيدة الوسطية ما من حرف إلا وقد أجمع عليه السلف. فمن أراد الحفظ فالنصيحة: يحفظ العقيدة الوسطية. وإن حفظ الطحاوية رأى أن متن الطحاوية أسلس لحفظه، فلينتبه لهذه الفقرات ولا ينسبها لأهل السنة والجماعة. علم بعض الأمور التي نبه عليها الإمام الشارح ابن أبي العز رحمه الله تعالى. فإذن كتاب الطحاوية كما سمعتم: من كتب العقائد التي هي عقائد أهل السنة والجماعة، إلا أنه له بعض الأشياء التي انتقدت عليه، وبيّنها علماء أهل السنة. أمر ثاني بالنسبة لشرح ابن أبي العز للطحاوية: يعد أفضل شرح لهذا الكتاب، وهو شرح مبارك. لذا انتفع به من انتفع من العلماء وطلاب العلم. فمن أتقن هذا الكتاب مع ما مر من الكتب التي قد مرت معنا بحمد الله جل وعلا، بإذن الله جل وعلا يستطيع أن يتوسع وأن ينظر في كتب العقائد؛ لأنه قد حصل له التأصيل لمسائل العقائد. فيكون قد بنى علمه على أساس ثابت وأصل مستقر بحمد الله جل وعلا. فهو من أفضل بل قل أفضل شرح للطحاوية، وهو كتاب سلفي، بشهادة العلماء. فلذا نجد العلماء المعاصرين وغيرهم ينصحون بدراسة هذا الكتاب والعناية به. وممن ينصح بهذا الأمر: الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله. يقول: "ينبغي الاهتمام في كتب التوحيد، ذكر كتب الإمام محمد بن عبد الوهاب، ومنها قالوا: من أفضلها كتب التوحيد مع شرحه فتح المجيد، والعقائد ذكر الواسطية وغيرها". ومما ذكره كذلك: شرح الطحاوية لابن أبي العز، وأنه من الكتب التي ينبغي لطالب العلم الاهتمام بها والاعتناء بها. وكذلك كان شيخنا العلامة الوادعي ينصح بذلك، وغيره من المشايخ. كالعلامة الألباني رحمه الله تعالى وغيره ينصحون بهذا. لذا هو مقرر في الجامعات الإسلامية في عدد من الدول الإسلامية. مقرر هذا الكتاب لما حواه هذا الكتاب من العلم الغزير، ومن المنهج الصافي. امتاز هذا الشرح إلى جانب ما تقدم: بحسن الطرح للمسائل، وكذلك اعتنى الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى عناية فائقة بتوضيح كلام الماتن الطحاوي، وشرحه بالطريقة السلفية. وهذا مما جعل الكتاب ذا أهمية. وكذلك مما جعل الكتاب ذا أهمية: أن الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى يظهر في شرحه ظهورًا واضحًا جليًا بأنه استقى هذا الشرح من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وتلاميذه، لاسيما الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، وكذلك ابن كثير. فإنه يذكر: "قال شيخنا ابن كثير في تفسيره". إلى غير ذلك. الشاهد أنه يمكن أن يقال بأنه من تلاميذ مدرسة ابن تيمية رحمه الله تعالى. وكان معاصرًا للحافظ ابن رجب الحنبلي وغيره ممن كان في ذلك العصر من علماء أهل السنة. فلذا نرى الكتاب أحيانًا تجد الفقرة أو العبارة بنصها وفصها منقولة من كتاب شيخ الإسلام أو من بعض كتب شيخ الإسلام بفصها ونصها. لكن دون أن يعزو إلى أحد منهم. قد يقول قائل: أليس هذا من أخذ العلم وعدم نسبته إلى قائله؟ فالجواب: أن من عرف الحالة السياسية والاجتماعية التي مرت بها عصور الإسلام، لاسيما العصر التي كان فيه ابن أبي العز، لا يلتمس له عذرًا واضحًا. فإن ذلك الزمان كان ينسجون شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إلى مذهب الرديء. وأن من قال بقول شيخ الإسلام فإنه ضال مبتدع. لذا تجد العلماء إن تبنوا أقوال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فإنهم ينقلونها عن شيخ الإسلام دون أن يذكروا اسمه خشية أن يبطش بهم السلاطين وأن يتآمر عليهم علماء السوء. فلذا كان لهذا المعنى ولغيره لم يذكر الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى هذا. أي: النقول مع أن النقول تجدها بنصها وفصها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. نعم، نقل عن ابن القيم رحمه الله تعالى في المواضع، ونقل كذلك عن ابن كثير في المواضع. مع أنهم ينتسبون إلى شيخ الإسلام، إلا أن القول في هؤلاء ليس كالقول في شيخ الإسلام؛ لأن شيخ الإسلام كما هو معلوم رحمه الله تعالى يعد رأسًا من رؤوس العلم والسنة. ترجمة ابن أبي العز الحنفي: هو العلامة صدر الدين محمد بن علاء الدين علي بن محمد بن أبي العز الحنفي الأدرعي الصالحي الدمشقي. ولد سنة 731. اشتغل بالعلوم، وكان ماهرًا في دروسه وفتاويه. وخطب بحسبان قاضي البلقاء مدة. ثم ولي قضاء دمشق في المحرم سنة 779. ثم ولي قضاء مصر، فقام شهرًا ثم استعفى. ثم رجع إلى دمشق على وظائفه. وذكر ابن العماد خبر اعتقاله لبيان ما في قصيدة ابن أبي العز من الشرك. وأنه قام مقترنًا عليه إلى أن جاء الناصر فرفع يده عن أمره، وأمر برد وظائفه. ولم تطل مدة بقائه في الوظيفة؛ لأن ابن أيبك هذا كان أديبًا شاعرًا، فكتب قصيدة يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أراد من العلماء العصر أن ينظروا في تلك القصيدة وأن يقرضوها له. فمرت هذه القصيدة على جماعة منهم، ومن هؤلاء ابن أبي العز. وهذا يدل على مكانة ابن أبي العز رحمه الله تعالى؛ فإنه كان في الشام إمام الحنابلة، أو الحنفيين في الشام. بل يقولون بأنه تولى التدريس في بعض المدارس في الشام وهو ابن سبع عشرة سنة. وهذا يدل على أنه قد كان مبكرًا في العلم والنبوغ. الحاصل أن ابن أبي العز رحمه الله لما قرأ هذه القصيدة ورأى فيها مجاوزات، فنبه عليها. وسيأتي في أثناء الشرح رحمه الله تعالى التنبيه على بعض هذه المجاوزات. طيب، لما أعطاه ابن أيبك تلك القصيدة نبه على مواضع منها فيها مجاوزات، وفيها غلو. ومن تلك المواضع التي فيها مجاوزات: أن ابن أيبك استشفع بالرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: «أو نبه على أنه لا يجوز أن يستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم». وقال أيضًا: يعني في كلام له أنه ذكر: «قال حسب رسول الله». فنبه كذلك: أن الحسب لا يقال إلا لله جل وعلا. وذكر بعض الأمور التي اعترض بها عليهم من أمور التي تمس بالعقيدة وتمس بالتوحيد. فابن أيبك ثار وغضب وذهب يمنة ويسرة إلى ما لقي العلماء يحرر على ابن أبي العز. فاجتمع العلماء وذاع وشاع ما فعله ابن أبي العز. والأمر كما سمعتم في زمن قد ظهرت فيه البدع، وظهر فيه أولئك المتصوفة ممن يستغيثون بالأموات. الشاهد أنهم أرسلوا إلى السلطان، والسلطان راسل إليهم بأن يعقد له مجلس وأن يعذر. على ماذا؟ على هذا الإنكار؛ بأنه تنقص رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ قال: لا ينبغي أن يقال: حسب رسول الله، ولا يستشفع برسول الله. وما شابه ذلك من الأمور. فحصلت له محنة رحمه الله تعالى، ثم سجن وعزل عن مناصبه. حتى جاء عهد آخر سلطان آخر فأخرجه وأعاد له مناصبه. ولكن لم يلبث إلا قليلًا ثم مات رحمه الله تعالى. وهكذا يبتل الله جل وعلا من شاء من عباده. والله جل وعلا كما سمعتم: يفعل ما شاء، كيف شاء سبحانه وتعالى. ومن حكمة الله أن يبتلي الأنبياء كما قال نبي الله عليه وسلم في حديث سعد: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل». فهذا نجد العلماء قد ابتلوا بلاءً حسنًا، وصبروا صبرًا حسنًا. قال: «وتوسلت بك». قال: «لا يتوسل به». وقوله: «يا خير خلق الله». الراجح تفصيل. إلى غير ذلك. ترجمة الإمام الطحاوي صاحب العقيدة: هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الطحاوي. نسبة إلى قرية بصعيد مصر. الإمام المحقق الفقيه الحافظ. ولد رحمه الله سنة 239. وعندما بلغ سن الإدراك تحول إلى مصر طلبًا للعلم. وأخذ يتلقى العلم على خاله إسماعيل بن يحيى المزني، أفقه أصحاب الإمام الشافعي. فتفقه أولًا على مذهب الشافعي على يد المزني. وكان كلما تسع دائرة أفقه يجد نفسه حائرًا أمام كثير من المسائل الفقهية. ولم يكن ليجد عند خاله ما يشفي غليله عنها. فكان يترقب ما يصنعه خاله عندما تعرض له تلك المسائل. فإذا هو كثير التعريج على كتب أصحاب أبي حنيفة. وإذا هو يختار ما ذهب إليه أبو حنيفة في كثير منها. وقد أودع هذه الاختيارات في كتابه مختصر المزني. فلم يسعه بعد ذلك إلا أن ينظر في كتب أصحاب أبي حنيفة ويطلع على منهجهم في التأصيل والتفريع. حتى إذا اكتملت معرفته بمذهب الإمام أبي حنيفة تحول إليه واقتدى به. وأصبح من أتباعه. ولم يمنعه ذلك من مخالفته لبعض أقوال إمام مذهبه، وشرع ما ذهب إليه إلى ما ذهب إليه غيره من العلماء. لأنه رحمه الله لم يكن مقلدًا لأبي حنيفة. إنما كان يرى أن منهجه في الفقه أمثل المناهج في نظره. وكان يسير عليه ويأتم به. ولذلك تجد في كتابه معاني الآثار: يرجح ما لم يرجحه إمامه. ومما يؤيد ما ذكرناه: ما قاله ابن زولاق: «سمعت أبا الحسن علي بن أبي جعفر الطحاوي يقول: سمعت أبي يقول...» وذكر فضل أبي عبيد، وذكر فضل أبي عبيد ثقفي، وفقهه. فقال: «كان يذاكرني في المسائل، فأجبته يومًا في مسألة. فقال لي: ما هذا قول أبي حنيفة؟ فقلت له: أيها الطاضي، أو كل ما قاله أبو حنيفة أقول به؟ فقال: ما ظننتك إلا مقلدًا. فقلت له: وهل يقلد إلا عصبي أو غبي؟». قال: «فطارت هذه بمصر حتى صارت مثلًا». ما هي؟ «هل يقلد إلا عصبي أو غبي؟» أي: هذه طارت في الآفاق. وهذه الكلمة وهي كما قيل: من يقلد لا ينبغي أن يقلد أحد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم؛ هو الذي يجب أن يتبع اتباعًا مطلقًا. أما التقليد فلا ينبغي لأحد أن يقلد أحدًا من الناس كائنًا من كان. لذا كان لئماء رحمه الله تعالى ينهون عن تقليدهم. يقول: «خذوا بالدليل والبرهان». خذوا بأقوال من؟ بالدليل كما جاء عن أحمد: «لا تأخذوا بقوله، ولا بقول سفيان، ولا بقول فلان، وخذوا من حيث أخذوا». من أين أخذوا؟ من كتاب الله ومن سنة رسوله. ولكن كلام العلماء رحمه الله تعالى يستفاد منه ويستضاء به، ولكن لا يقلدون. والتقليد هو: اتباع من ليس بحجة بغير حجة. هذا هو التقليد المذموم. وقد تخرج على كثير من الشيوخ وأخذ عنهم وأفاد منهم. وقد عدّدوا شيوخه على ثلاثمائة شيخ. وكان شديد الملاحظة لكل قادم إلى مصر من أهل العلم من شتى الأقطار. حتى جمع إلى علمه ما عنده من العلوم. وهذا يدلك على مبلغ عنايته في الاستفادة وحرصه الأكيد على العلم. وقد أثنى عليه غير واحد من أهل العلم، ووصفوا بأنه ثقة ثبت فقيه عاقل حافظ. قال ابن يونس: «كان الطحاوي ثقة ثبت فقيهًا عاقلًا لم يخلق مثله». وقال الذهبي في تاريخه الكبير: «الفقيه المحدث الحافظ أحد الأعلام». وكان ثقة ثبت فقيهًا عاقلًا. وقال ابن كثير في البداية والنهاية: «هو أحد الأثبات والحفاظ الجهابذة». وأما تصانيفه رحمه الله فهي غاية في التحقيق والجمع وكثرة الفوائد. من مصنفاته: العقيدة الطحاوية، وهي التي نقدمها مع شرحها في طبعتها الأنيقة للقراء. وهي على صغر حجمها غزيرة النفع، سلفية المنهج. تجمع بين دجتاها كل ما يحتاج إليه المسلم في عقيدته. ومنها كتاب معاني الآثار، هو كتاب يعرض فيه الشبهات الفقهية مقرونة بدليلها. ويذكر في غضون بحثه المسائل الخلافية ويسرد أدلتها ويناقشها. ثم يرجح ما استبان له الصواب منها. وهذا الكتاب يدرب طالب العلم على التفقه، ويطلعه على وجوه الخلاف، ويرد فيه ملكة الاستنباط. ويكون له شخصية مستقلة. ومنها كتاب مشكل الآثار في نفي التضاد واستخراج الأحكام منها. ومنها أحكام القرآن والمختصر وشرح الجامع الكبير وشرح الجامع الصغير وكتاب الشروط والمواد الفقهية والرد على أبي عبيد والرد على عيسى بن أبان وغير ذلك من التصانيف الجليلة المعتبرة. توفي رحمه الله سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ليلة الخميس مستهل ذي القعدة بمصر. ودفن بالقرافة رحمه الله وغفر الله له. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على