الدرس في شرح نخبة الفكر 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول تعريف المحكم والمتشابه في الحديث المقبول، حيث يعتبر المقبول محكماً إذا سلم من المعارضة، ويحتاج إلى ترجيح أو توقف عند المعارضة. المعارضة الصحيحة هي التي تكون محتملة بقوة في الاستدلال.
يشرح كيفية التعامل مع تعارض الأدلة، حيث يلجأ إلى الترجيح بناءً على قوة الحديث أو ضعفه، ووجوده في كتب الحديث المعتمدة مثل صحيح البخاري ومسلم، مما يساعد في تحديد الأرجح.
يتناول الترجيحات في علم الحديث والأصول وتطبيقاتها الفقهية، مستشهداً بإجماع العلماء على صحة أحاديث البخاري ومسلم، واستدلال الفقهاء بأحاديث معينة في مسائل مختلفة مثل جمع الصلوات.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، بعد. قال الحافظ بن حجر رحمه الله: «ثم المقبول إن سلم من المعارضة فهو المحكم، وإن عورض بمثله، فإن أمكن الجمع فمختلف الحديث، أو لا، وثبت المتأخر فهو الناسخ والآخر المنسوخ، وإلا في الترجيح، ثم التوقف». الآن يقول: الحديث المقبول بعد أن ذكر شروط الصحيح وما يتعلق به، فهو أيضا الحسن. وقلنا: الحديث المقبول هو أربعة أقسام: الصحيح لذاته، والصحيح لغيره، والحسن لذاته، والحسن لغيره. وشروطه -أي شروط الحديث المقبول- ستة، أو ضوابط الحديث المقبول ستة: الاتصال السند، وعدالة الرواة، وضبطهم، وعدم الشذوذ، وعدم العلة، والعاضد عند الاحتياج. هذه شروط الحديث المقبول. فإذا كان الحديث مقبولا معنا من ناحية الحديثية، من ناحية الحديثية مقبول، توفرت الشروط، فيقول هنا: «إن سلم من المعارضة فهو المحكم». إن سلم من المعارضة فهو المحكم. والأصل أن هذا المبحث كله ليس هو من علم المصطلح، هذا المبحث، وإنما ذكره الحافظ من باب الفائدة. وكذلك لأن الذين ألفوا في علوم الحديث يذكرونه معنا، اتباعا لمن ألفوا في الأصول، وإلا فهذه المباحث هي مباحث أصولية. لماذا؟ لأنه كما قلنا: أن موضوع علم الحديث: إيش موضوعه؟ موضوع علم الحديث صحة الحديث وضعفه. هذا موضوع علم الحديث صحة الحديث وضعفه. ولهذا قلنا: المتواتر لا يتكلم في هذا الحديث، لماذا؟ لأنه صحيح ولا شك فيه، لا يحتاج إلى بحث. فموضوع علم الحديث هو صحة الحديث وضعفه، فإذا صح الحديث فهو يعتبر خلاصا عندهم حديث صحيح. لكن مسألة: هل يستدل به؟ لا يستدل به؟ هل هو معارض؟ هل ليس معارض؟ هذه مسائل الأصول، مسائل الاحتجاج، هذه في الأصول. لكن هناك بعض المسائل دخلت بعضها في بعض. ومما جعل كثيرا من أهل العلم يدخل هذه المباحث في علم الحديث: أن بعض أهل الحديث جعل النسخ علة من العلل، مثل ما ذكره الترمذي رحمه الله، الترمذي ذكر في «العلل الصغير» أن النسخ علة، أن النسخ علة من العلل. وإلا فالظاهر أن النسخ ليس علّة في الحديث، وإنما علّة في الاحتجاج به، علّة في الاحتجاج به. وأيضا كذلك تجد أن بعض أهل الحديث يعلّلون أحيانا بالنسخ، مثل ما قال أبو داود في حديث السبت، قال: «من سوّخ حديث النهي عن صيام يوم السبت»، قال: «من سوّخ». مع أن النسخ ليس علّة حديثية، وإنما علّة أصولية، لكن أدخلها في العلل. طيب، فقال: «ثم المقبول إن سلم من المعارضة فهو المحكم». ويقابله: إيش يقابل المحكم؟ المتشابه. يقابل المحكم المتشابه. فما ذا؟ أنه هذا المقبول إذا سلم من المعارضة سمي محكما. إذا عُرِض، معنى سمي متشابها. لكن ليس كل معارضة، لابد أن تكون هناك احتمال للمعارضة. أنا لا يكون مثلا، أحيانا بعض الناس يعارض بأشياء بعيدة جدا. أنا مثلا على سبيل المثال، بعض، مثلا قول عز وجل: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، أو قول عز وجل: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾، وغيرها من هذه الآيات. قل: ﴿يَدْعُو الَّذِينَ يَزْعُمُونَ مِن دُونِهِ﴾، ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾، وغيرها من آيات الدعاء، يبين الله عز وجل فيها أن من دعا غير الله عز وجل فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهو يعتبر مشركا. يأتي مثلا منازع، يقول: هذا ليس صحيحا. يقول: الله عز وجل قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾. أنا طلب الاستغفار من الرسول وهو ميت، فهل هذه معارضة صحيحة؟ هذه معارضة بعيدة جدا، لأن الآية المقصود بها في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، ليس أنه إذا مات يأتي قبره فالاستدلال بهذه العمومات خطأ. ولهذا بعض العلماء لدكياء، لأجل أن يفهم هؤلاء أن هذا الاستدلال خطأ، ولم يستدل به أحد من هؤلاء العلماء، قال: طيب، لو سلمنا لكم أن هذه الآية عامة، سلمنا، قلنا لكم: هذه الآية عامة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي موته. لكن كيف تفعلون بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾؟ أنا كيف ستوفقون الآن؟ الذي يأتي إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، القبر لا شك أنه حجرة، فالذي ينادي في القبر، فهو ينادي، فهو داخل في الآية، على قولكم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. فإذا أراد أن يستدل بالعموم، يستدل أيضا بعموم هذا، يجد أنه أيضا ممنوع، فلهذا فهذا الاستدلال خطأ أصلا. وإنما ذكره بعض العلماء، وهو الشيخ سنحافوري الهندي، ألف كتابا فيه الرد على أحمد زين دحلان، وكتابه طيب جدا في التوحيد، في الرد على الشبهات، فذكر هذا الأمر. قال: إذا كان أنتم تستدلون بهذه العمومات، نحن نستدل عليكم أيضا بهذه العمومات. وإلا فهذا الاستدلال خطأ، وإنما ذكره الله عز وجل في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، سواء كانت هذه الآية، وهذه الآية. لكن لو أرادوا أن يستدلّوا بذلك، نستدل لهم بهذا. فبعض المعارضات بعيدة جدا، ليست معارضة، فلهذا ما تسمى شبهة. فآيات الدعاء: أنه شرك بالله، دعاء غير الله عز وجل فيما لا يقدر عليه إلا الله، هذه آيات محكمة، ليس فيها شيء من التشابه، فلا يقال: مثلا بعض القصص هذه التي يذكرها القبورية أنها متشابهة، لا، هذه بعيدة جدا، هذه قصص أكثرها باطلة. ولو صحت، فلها أحوال، لو صحت هذه القصص لها أحوال في حال قصتها، ما المراد؟ لكن هذه عندنا آيات محكمة في كتاب الله، نترك آيات الكتاب لأجل القصص، لا ندري هل هي صحيحة أو لا؟ وماذا أراد أصحابها؟ فلهذا، أو منامات يذكرونها، هذه ما تعارض الآيات المحكمة، ولا يقال: أن هذه الأشياء تكون من المتشابه، فتكون الآيات من المتشابه، لا، وإنما المراد به المعارضة الصحيحة، الصحيحة في الاستدلال، ويكون هناك احتمال قوي في الاستدلال، فهنا تكون المعارضة. طيب، فإذا كان عورض، أو إذا سلم من المعارضة، يسمى محكما. وإن عورض بمثله، وإن عورض بمثله، فصار من المتشابه، فإن أمكن الجمع بغير تعسف، معنى بغير ما يتعسف الجمع، أحيانا بعض، مثلا العلماء، تجد أنه يجمع بين النصوص، لكن جمع تجده متعسفا، معنى بعيد جدا، قد الاحتمال فيه ضعيف، فهو يريد أن يجمع بينهما، لكن تجد هناك أشياء أولى من الجمع، مثلا ترجيح، أحيانا يكون أولى من الجمع، لأن الجمع يكون فيه تعسف، وليس الإنسان مكلفا بأن يجمع في كل ما جاء في الكتاب والسنة. فإن كان أمكن الجمع لهذا، العلماء يقولون: «إن أمكن الجمع، جمع». إعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما، إعمال الدليلين خير من إهمال أحدهما. لكن إذا لم يكن استطاع الجمع، فيرجع إلى الترجيح. لكن هل كل جمع يكون. معنى: ليس أن كل جمع يكون صحيحا. فيأتي مثلا مسألة فقهية، وكذا، فيأتي إنسان فيقول: لا، أنا أجمع بين الدليلين. أجمع بين الدليلين. فمثلا على سبيل المثال في العقائد، بعض المقبورية، قالوا: هذه الآيات التي في الدعاء غير الله، هذه في الأصنام. ونحن ما نعبد الأصنام، ولا ندعو الأصنام. نحن ندعو الناس من الصالحين. فحملوا هذه الأحاديث على شيء لم تحتمله. وأرادوا الجمع بين معنى دعاء الصالحين، والتوسل بهم أيضا، وتحريم دعاء غير الله عز وجل. أنا: جمع بين هذا، وأنه ما في معارضة أصلا. لكن هم يقولون: هذا جمع. فالتوسل بالصالحين جائز. لكن هذه الآيات تحمل على عبادة الأصنام، ودعاء الأصنام. وأما ما دعاء للصالحين، فهذا قد جاء التوسل بهم. وهذا خلط، خلط بين أشياء ليست معارضة أصلا. فالتوسل شيء، والاستغاثة والدعاء شيء آخر. لكن العجيب تجد أكثر القبورية ما يفرقون بين التوسل والاستغاثة. حتى قيل لبعضهم: أشيء التوسل؟ أشيء معنى عندكم التوسل؟ قالوا: هو دعاء المستغيث بالمغيث إلى المغيث. أنظر الآن يريد التكلف. وأن دعاء هذا أيضا، ذكره المالكي، أحد القبورية، كان في السعودية، فقال: «هو دعاء المستغيث بالمغيث إلى المغيث». ما يسألنا الآن: الذي يريد أن يتوسل، يدعو من؟ يدعو المغيث. من المغيث؟ هو صاحب القبر. ومن المغيث؟ الله. معنى هذا: هو يدعو هذا المغيث، لأجل أن يتقرب به إلى الله. لكن هذا شبهة المشركين نفسه: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. وهؤلاء شفعاؤنا عند الله. فهم أرادوا أنهم استدلوا بالأدلة. لكن هذه استدلالات بعيدة جدا، فلهذا لا يكون هناك جمع بين الأدلة إلا إذا كان ممكن الجمع، وإلا يرجع إلى الترجيح. إذا كان هناك تعارض صحيح، إذا كان هناك تعارض صحيح، يرجع إلى الجمع. إن لم يمكن الجمع، يرجع إلى الترجيح. فالمنسوخ، ينظر: من هو المتأخر؟ وما هو النص المتقدم؟ فإن عرف، عرف، مثلا بنص من بعض الصحابة، أو بالنص نفسه، مثلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكر الآخرة». هذا نص من النبي صلى الله عليه وسلم في نسخ النهي. «كنت نهيتكم أن تشربوا من بعض الآنية»، «فإنما هو إناء لا يحل حراما، ولا يحرم حلالا، فاشربوا في كل إناء ما لم يكن مسكرا». الآن هذا ناسخ، مع أنه قد قال النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة، لما جاءت الوفود، ومنها وفد عبد القيس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أنهاكم، وأمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع». ونهاهم عن المزفتة، والنقير، والمقير، هذه آنية يشرب فيها من الخمر، يشرب فيها النبي، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يشربوا منها، معنا في السنة التاسعة. ثم نسخ ذلك، فقال: «إنما هو إناء لا يحل حراما، ولا يحرم حلالا، فاشربوا في كل إناء ما لم يكن مسكرا». فهذا يكون في النص. وأيضا ممكن أن يكون معرفة التاريخ، بالحوادث التي جاءت في السير: أن هذا مثلا حصل في غزوة أحد، وهذا حصل في الخندق. وبجمع أهل العلم: أن الخندق بعد أحد، هذا يدل على النسخ أيضا. أحيانا بإسلام الشخص، وإن كان ليس فيه دليل صريح، معنا: هذا أسلم في سنة كذا، وهذا أسلم في سنة كذا. مثل ما استدل بعض الفقهاء بنسخ حديث طلق بن علي في مسجد، ذكر، فقالوا: أن طلق بن علي أسلم عند بناء المسجد، جاءت رواية عند ابن حبان، لكن فيها ضعف، من طريق الراجي عن النبي، والهيثم، وعن نبي سعيد، فيها: أن طلقا جاء والنبي عليه الصلاة والسلام يبني المسجد. فمعنى ذلك: أنه متقدم، وأنه سمع هذا الحديث، وهو حديث: «بضعة منك». في ذلك الوقت، وأبو هريرة جاء بعد خيبر، أنا بعد ست سنوات، فقالوا: هذا متقدم، هذا المتأخر. وأيضا قد ينص بعض الصحابة على ذلك، وغيرها من الأمور التي تعرف المتقدم المتأخر. وهذا كما قلنا: موضعها كتب الأصول. فإذا عرفنا المتقدم المتأخر، معناه بيقين، ليس فقط باحتمالات. أن بعض الأشياء تجد أنها محتملة فيدعى فيها النص، وليس كذلك، يقال: هذه منسوخة، ولا يعرف المتقدم المتأخر، وإنما من باب الاحتمالات، حقه. طيب، أيضا إذا قال: إذا عُرِض بمثله، وعرف المتأخر من المتقدم، فالناسخ المنسوخ. فإن لم يعرف، فالترجيح، وإلا فالتوقف. الترجيح يأتي بعد الناسخ المنسوخ. والترجيح، معنا المرجحات كثيرة جدا، المرجحات الحديثية، والمرجحات الأصولية. يعني مرجحات من ناحية قوة الحديث وضعفه، هذا موجود في علم الحديث. ولهذا ذكرنا قبل أن المؤلف ذكر ترجيح البخاري على مسلم، ترجيح صحيح البخاري على مسلم، هذا من باب الترجيح. وترتيب أيضا الترجيح: أولا وجود الحديث في البخاري ومسلم، ثم في البخاري، ثم في مسلم، ثم على شرطهما، ثم على شرط البخاري، ثم على شرط مسلم. ثم أيضا على القسم السابع: صحيح، لكن ليس على شرط حديهما. أنا قسم العلماء -كما في «النكت» لابن الصلاح، للحافظ، وابن حجر وغيره- قسموا ترجيح الحديث إلى سبعة أقسام، بوجودها في الصحيحين، وعدم وجودها، فهذا من باب الترجيح. يعني من ناحية قوة الحديث وضعفه، أو قوة الحديث ونزوله عن هذه القوة. أيضا أحيانا يكون الترجيح من ناحية ضعف بعض الحديث التي هي معارضة، فتجد مثلا العالم يقول: هذا الحديث ضعيف، وهذا الحديث صحيح، فيأخذ بالحديث صحيح، ويترك الضعيف. وهذا كثيرا في مسائل العلم. أو من ناحية القوة: هذا الحديث متفق عليه، وهذا الحديث صحيح، لكنه ليس متفق عليه. وقد قلنا قبل أن حديث الأحادي إذا اقترن بقرائن، أفاد القطع. ومن هذا القرائن وجوده في الصحيحين، فإذا وجد الحديث في الصحيحين، كان أقوى من وجوده في غيره، ولو كان الإسناد متقاربا، ولو كان الإسناد متقاربا، أو نفس الإسناد. لماذا؟ لأنه قد يقال مثلا: ليش تقول هذا الكلام؟ هذا نفس الإسناد. هذا مثلا الإمام مسلم، أو الإمام البخاري، رواه عن قتيبة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، مثلا. ورواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن قتيبة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، نفس الإسناد، فقط زيادة شيخ البخاري، أو الترمذي، وهو إمام، فكيف نقول: أن هذا أرجح من هذا؟ فنقول: أن وجوده في الصحيحين يرجح، لماذا؟ لأن البخاري ومسلم قد خدما خدمة لم يخدم أي كتاب مثلهما، عن نظر العلماء إلى حديث البخاري ومسلم. وأيضا انتقدوا ما يحتاج إلى نقد، فدل على ذلك: أنها فحصت هذه الأحاديث، الأحاديث البخاري ومسلم. فإذا وجد الحديث في البخاري ومسلم، معناه أنه أجمع على صحته، ما لم ينتقد. ولهذا قال ابن الصلاح: «وقد أجمع العلماء على أن كل ما في البخاري ومسلم من الحديث، فهي صحيحة، إلا أحرف يسيرة». أنت قد هب، بعض الحفاظ، كالدار قطني وغيره، هكذا قال ابن الصلاح، أو بنحو هذا الكلام. فتبين أن هذه الأحاديث الموجودة في الصحيحين، فهي لها رتبة أعلى من رتبة ما في غيره، ما، بل قد يكون إسناد مثلا حديث في الترمذي أعلى وأقوى من إسناد في البخاري ومسلم، لكن وجود الحديث في البخاري ومسلم يكون أقوى، يكون أقوى من وجوده في غيرهما. فهذه بعض الترجيحات. بل ذكر الإمام السيوطي رحمه الله في كتابه «تدريب الراوي»: ذكر زيادة على مئة ترجيح، وغالبها في علم الحديث، وبعضها في الأصول. وكذلك ذكر الزرقاني أيضا في «النزهة»، أو في «نكت على ابن الصلاح»، ذكر الزرقاني: أنها ذكر عدة ترجيحات، أوصلها إلى أكثر من مئة، لكن الزرقاني ركز على الترجيحات الأصولية أكثر، والسيوطي ركز على الترجيحات الحديثية أكثر. والعمر سهل، ثم إذا لم يكن هناك ترجيح، يتوقف في العمل بالحديث، توقف في العمل بالحديث. ولهذا ذكر الإمام الترمذي رحمه الله في كتابه «العلم الصغير»، في بدايته، ذكر بعض الأحاديث التي لم يعمل بها العلماء، لم يعمل بها العلماء لمعارضة فيها، لمعارضة فيها، إما عُرِضت، إذا عُرِضت في بعض الأحاديث، ولم يستطع الجمع، هذا يعتبر توقفا. لكن أحيانا المعارضة هذه ليست قوية، فلهذا تجد أنهم لا يعملون بالحديث، قد يكون الأمر: الحديث التي فيما يعارض هذا الحديث، قوية جدا، ولا تحتاج إلى مثلا مناقشة، يكون أمر معلوم، قد يكون من الدين بالضرورة. حتى أحيانا مثلا يظن هكذا، العلم، مثلا، مثلا الجمع، ذكر من الحديث التي لم يعمل بها: حديث ابن عباس: «جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المدينة، من غير خوف ولا مطر». فقال: هذا من الحديث التي لم يعمل بها، لماذا؟ لأنه لم يقل أحد بالجمع بدون عذر، وظاهر الحديث: أن هناك جمع بدون عذر، فلهذا قالوا: قال الترمذي: هذا من الحديث التي لم يعمل بها. لكن هذا ليس على إطلاقه، بل هناك استدل العلماء بهذا الحديث في أشياء كثيرة، في الجمع بالمرض، استدل الشافعية في الجمع بالمطر، استدل الحنابلة في المغرب والعشاء، وهكذا أيضا في مسائل كثيرة. فالتعارض، مثلا، معناها: ما قلنا أن هذا الحديث، ليس المراد أنه لم يعمل به، كل، لا، وإنما أراد الترمذي: أنه لم يعمل بمفهوم هذا الحديث، لأن مفهوم هذا الحديث: أنه يجمع بغير عذر، ولم يقل أحد من الفقهاء: أنه يجمع بغير عذر، ولا من العلماء المتقدمين والمتأخرين، بل جاء عن عمر: أنه قال: «من جمع بغير عذر، فقد أتى بكبيرة من الكبائر». وكما قال رحمه الله، رضي الله عنه، عن الذي يجمع بدون عذر، وهذا متفق عليه بين العلماء. لكن كيف يفهم هذا الحديث؟ فالآن الاختلاف في فهمه، وإلا ظاهر المفهوم، الظاهر: أنه جمع بدون عذر، لكن كما قال ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته. فإن الإنسان إذا احتاج، وأحرج، واحتاج إلى الجمع، فإنه يجمع. وهذا قول بعض السلف، وقول شيخ الإسلام وغيره. وإلا فالجمهور قالوا: لا، لا يجمع إلا بأمور معروفة، قد قرروا هذه الأمور. الشافعية قالوا: المريض يجمع. الحنابلة -كما قلنا- قالوا: في المطر يجمع، كذلك عند المالكية. لكن الحنابلة يقولون: المغرب والعشاء، وهكذا تجد أنهم استدلوا بهذا الحديث، لكن على مسائل معلومة. والصحيح: أن هذا الاستدلال، وإن كان مثلا صحيحا من ناحية الاستدلال، لكن أيضا توسع هذا الاستدلال، صحيح، مثلا نقول مثلا: إذا احتاج الإنسان إلى الجمع، وتجد أن الإنسان الحياة، يقع في بعض الأشياء يحتاج إلى الجمع، مثلا إنسان دكتور، مثلا سيدخل عملية لإنقاذ هذا الشخص، والعملية مثلا تأخذ ثمان ساعات، خمس ساعات، سيمر عليه وقتان معا، وهنا له أن يجمع. مريض أيضا كذلك، مريض يعرف أنه سيدخل العملية، وتتأخر العملية، له أن يجمع. إنسان مثلا جاء في بعض الأماكن الآن، مثلا في بعض الأماكن، في بعض المدن الكبيرة، خاصة مثلا في بلاد الكفار أو كذا، تجد أحيانا ما يجد الإنسان مكانا حتى يصلي فيه، وهو مثلا غريب عن هذا المكان، ما يعرف مكانا، مثلا سيصلي فيه، فهنا ممكن أنه يؤخر، أو معه امرأة، ما يستطيع أنه يجعلها تصلي أمام الناس، وكذا، المهم أنه إذا أحرج، وصار في احتاج إلى الجمع، فإنه يجمع، احتاج إلى الجمع، فإنه يجمع. أما إنسان سيجمع بدون عذر، جالس في بيته، قال: اليوم سأجمع، مثل أصحاب القات، أصحاب القات تجدهم يجمعون هكذا، قلق، بدل ما يروح المسجد، ونضيع الصلاة، سأجمع بين الظهر والعصر، بل بعضهم يخبرنا: أنه يجمع الصلوات كلها في الليل، يخزن، يصلي الظهر، ويخزن إلى الليل، آن ساعة، عشر الله، شيء، بلف القات، وقام صلى العصر، والمغرب، والعشاء. فلهذا، كما قلنا: احتالوا بعضهم، صلى مع القات، ليش؟ كل هذا ما يريد يخرج من القات، يصلي. والقات قال: «ما في شيء». وبعضهم قال: «استروا الصلاة». كله لهذا تجد أكثر كثير من أصحاب القات تاركين للصلاة، يصلي ما، ما في قات ما صلى، وما عنده قات ما صلى، هذا كله من الأشياء التي ليست فيها أعذار، لا يعذر الإنسان بهذا، لأنه ممكن يؤخر، مثلا إذا كان سيريد قات، يؤخر إلى بعد العصر، ليش؟ إلا الظهر، يؤخر بعد العصر، بعد ما يصلي، يفعل هذا الحرام، هو حرام، وأيضا تزداد حرمته بترك الصلاة، أو بالجمع، فإن هذا لا يجوز، ليس له عذر في ذلك. بعضهم أيضا خرج فتاوى في مسألة النساء، إذا كانت مثلا تريد أن تخضب، أن تحنّي، وكذا، تحتاج إلى جلوس أكثر، فبعض الفقهاء المعاصرين خرج لهم فتوى، وهذا ليست أصلا ضرورة، مثلا الحناء، صحيح جاء عن ابن عباس: أنه قال: «إنه أفتى النساء: أن لا يجعلن حناهن في وقت حيضهن، حتى لا يتعارض مع الصلاة». وهذا إشارة منه، رضي الله عنه: أنها ليس لها الجمع، ليس لها الجمع. لكن بعضهم بكثرة التوسع، أجازوا لها أن تجمع، لكن نقول مثلا: إذا اضطرت لذلك، ما في شيء، إذا اضطرت لهذا، ما في شيء، مثلا امرأة متزوجة، أو ستتزوج، فتحتاج إلى التزين بالحناء، وكذا، فلا بأس، إن شاء الله، تجمع، أو تؤخر الصلاة، ثم تجمعها، إذا احتاجت لذلك. أما إذا كانت تستطيع أن تصلي الظهر والعصر، أو تجعل مثلا حناها الصباح، بعد الفجر، بعد ما تصلي الفجر، تجعل حناها، حتى مثلا معها إلى الظهر، لا شك أنها وقت كاف، فإن استطاعت ذلك، فهو واجب عليها، إن لم تستطع، لعذر، مثلا أعذار أخرى، حد موجود، من يفعل ذلك، أو كذا، فمعناه: عند الحاجة، فهذا يتنزل، هذا الحديث: أراد أن لا يحرج أمته. طيب، إن شاء الله نكتب بهذا، والله تعالى أعلم.