الدرس في شرح نخبة الفكر 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل تعريف الشاذ والمنكر في علم الحديث، حيث يوضح أن الشاذ هو ما رواه الثقة مخالفًا لمن هو أولى منه، والمنكر هو ما رواه الضعيف مخالفًا لمن هو أقوى منه. كما يشير إلى اختلاف العلماء في التفريق بينهما.
يفصل هذا الفصل تفريق الحافظ ابن حجر بين الشاذ والمنكر، موضحًا أنه اجتهاد من ابن حجر ولم يسبقه إليه أحد. كما يبين أن العلماء يطلقون الشاذ والمنكر على خطأ الثقة دون تفريق دقيق بينهما.
يتناول هذا الفصل التناقض في الحكم على بعض الأحاديث الشاذة أو المنكرة، حيث قد يجد فيها حسنًا ومع ذلك يفر منها لوجود شيء منكر أو خفي فيها. يشير إلى أن هذا التناقض قد يكون بسبب وجود وهم أو شيء غير واضح.
بسم الله الرحمن الرحيم. وحمد الله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه. ومن لا ما بعد، قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في النخبة: قال مع الضعف فالراجح المعروف ومقابله المنكر. أن المخالفة مع الضعف فالراجح المعروف ومقابله المنكر. الآن الحافظ بن حجر فرق بين الشاذ والمنكر. وتفريقه معنا، اتفق الشاذ والمنكر في المخالفة، وافترقا؛ أن الشاذ راويه ثقة، والمنكر راويه ضعيف. هذا تفريق الحافظ بين الشاذ والمنكر. ومن تأمل، ومن قرأ في كلام العلماء، يجد أن هذا التفريق ليس إلا عند الحافظ رحمه الله. هذا اجتهاد من الحافظ ابن حجر فرق بين الشاذ والمنكر، فجعل المنكر أو جعل الشاذ ما رواه الثقة مخالفا لمن هو أولى منه، والشاذ ما رواه الضعيف لمن هو أقوى منه. طيب، هذا كما قلنا اجتهاد الحافظ، وأنا من قرأ من قبل الحافظ ما يجد أحدا يفرق هذا التفريق، لكن هناك بعضهم من فرق، لكن تفريقا آخر؛ فجعل الشاذ هو كل ما تفرد به ثقة يسمى شاذا. وهذا عند الخليل: كل ما تفرد به ثقة يسمى شاذا، لكن فإن كان قد وافقه الناس أخذ، وإن خالفه الناس لم يؤخذ. والمراد بالثقة هو ليس المراد بالثقة الإمام هنا، أنا ما يقصد الأعمى الحفاظ الكبار، لا يقصد من هو دونه، كما هو في كلامه رحمه الله. ولهذا تجد من ناحية إطلاق الشاذ والمنكر، تجد أنه لا يفرق العلماء بين الشاذ والمنكر، يطلقون على خطأ الثقة شاذا، ويطلقون على خطأ الثقة أيضا منكرا، سواء كان خالف أو لم يخالف. فكثيرا ما يطلق الإمام أحمد كلمة منكر على ما يقابله بالشاذ. لكن الظاهر كما قال بعض العلماء: أن هذا هو من باب الاصطلاح فقط؛ فبعض الأئمة يطلق كلمة شاذ دائما، وبعض الأئمة يطلق كلمة منكر دائما، أو أحيانا يطلق هذا وهذا، مثل أبي حاتم يطلق الشاذ والمنكر. ولو تأملت فيها لوجدتها أحيانا في نفس الموضع يقول شاذا، ويقول منكرا. فمثلا في حديث سلمان الطويل الذي في فضل شهر رمضان، وأن أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، وهذا الحديث حديث سلمان الطويل، تفرد به علي بن زيد بن جدعان، فقال أبو حاتم رحمه الله: هذا الحديث تفرد به، أو قال: هذا الحديث منكر، تفرد به علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. فهنا أطلق المنكر على التفرد، ليس هناك مخالف، فقال: تفرد به. وكذلك أيضا قال في عدة أحاديث: شاذ، هذا الحديث شاذ، وهو يريد أنه تفرد به بعض الثقات، وشذ به عن معنى أنه لم يأت أحد مثله. وتجد أن العلماء يجعلون المنكر والشاذ إما بالمخالفة، وإما بالمخالفة للأصول، أو بالمخالفة للأحاديث. معنى: يأتي إنسان بشيء غير صحيح أصلا، غير صحيح، مثلا يقول: غزوة أحد مثلا سنة ثلاثة، أو سنة -أقصد- أربعة، فهذا الكلام ليس بصحيح، وهو مخالف لما هو معروف عند أهل السير. فيأتي بعضهم بمثل هذه الأشياء فينكرها العلماء دون أن يكون هناك ما يخالفه معناه في نفس الحديث، لكن يأتي بشيء يخالف الناس. ولهذا قد ذكرنا قبلا أن الرجل يقال له متروك الحديث، متى يقال له متروك الحديث؟ إذا كان يأتي بأشياء منكرة يخالف فيها الأصول، فيتهمونه بالكذب، فيتهمونه بالكذب أن يأتي بأشياء منكرة. وهذا تجده كثيرا. ومن قرأ كتاب الكامل في الضعفاء لابن عدي، لابن عدي رحمه الله، فإنه يذكر أشياء كثيرة من هذا الباب. أنا يذكر منكرات الرواة. فالآن كما قلنا أيضا: من قرأ كلام ابن الصلاح في الشاذ والمنكر، يجد أنه لا فرق ابن الصلاح بين الشاذ والمنكر. ولو رجع الإنسان إلى كتب أهل العلم المتقدمين لا يجد فرقا بين الشاذ والمنكر. ولهذا ما ذكره الحافظ هنا هو اجتهاد منه رحمه الله، أراد أن يميز الشاذ عن المنكر. لكن هل هو الصواب للعلماء؟ فقد يكون هذا الصواب أراده الحافظ حتى تستقر حتى يعرف ما هو الشاذ وما هو المنكر عند من بعده. لكن هل هو الصواب لها الحديث؟ الظاهر أنه لا، ليس هناك صواب خاص بالشاذ والمنكر. ولهذا تجد أنهم يطلقون الشاذ على التفرد، تفرد الثقة، تفرد الضعيف، يطلقون على المخالفة، يطلقون المنكر أيضا على مثل هذه الأشياء: على المخالفة، على الضعيف، تفرد الضعيف، بل أحيانا خطأ الثقة، خطأ الثقة. وهو أيضا كثير يقولون: هذا من منكرات فلان، وهو ثقة. لكن هذا الحديث من منكرات ساذلا عبد الملك بن نبي سليمان العرزمي. عبد الملك بن نبي سليمان العرزمي هذا حافظ، حتى كان سفيان الثوري يسميه الميزان، لكن أنكرت عليه بعض الأحاديث، مثل حديث الشفاعة، فرواه الظاهر عن قتادة عن أنس في حديث الشفاعة: الشفاعة الجار. فهذا الحديث أخطأ فيه؛ أنه نسبه إلى أنس، وهو ليس من حديث أنس، وإنما هو من حديث الحسن عن سمرة، وهو حديث خطأ لا يثبت. فلهذا أنكره العلماء عليه، حتى قال شعبة رحمه الله: لو جاء عبد الملك بن نبي سليمان -أو سليمان عبد الملك بن نبي سليمان- لو جاء بحديث مثل حديث الشفاعة لتركت حديثه. ومن ثم بعد ذلك ترك حديثه شعبة، وتكلم فيه. فالمهم أن هذا يدلك على أنهم أنكروا هذا الحديث مع أنه رجل ثقة، إلا أنه قالوا: إن هذا الحديث منكر. فلا يختص النكارة بالضعيف. فخلاصة الأمر: أولا نذكر أن هذا اصطلاح، معنى خلاصة ما يذكر: أن هذا اصطلاح من الحافظ، واجتهاد منه في التفريق بين الشاذ والمنكر؛ فجعل الشاذ مخالفة الثقة، والمنكر مخالفة الضعيف. ولو قرأ الإنسان في كلام العلماء المتقدمين قبل الحافظ ما يجد مثل هذا التفريق بين الشاذ والمنكر. بل الحافظ ابن الصلاح في المقدمة لم يفرق بين الشاذ والمنكر، جعل الشاذ والمنكر واحدا. وكذلك هو في كلام العلماء لم يفرق بين الشاذ والمنكر، وإنما فقط من باب الاستعمال؛ فمنهم من يقول شاذا، ومنهم من يقول منكرا. وأما كلام الإمام الشافعي رحمه الله في الشاذ، فهو نوع من أنواعه. معنى لما قال: إن الشاذ ليس الذي يرويه الضعيف، وإنما أن يروي الثقة ما يخالف فيه الناس؛ أن يروي الثقة ما يخالف فيه الناس، فهذا يعتبر نوعا من أنواع الشاذ. وأيضا يقال له منكر عند بعض العلماء، يقال له منكر كذلك. فلهذا علمنا أن الشاذ كل حديث أخطأ فيه الراوي، وكذلك المنكر، سواء كان تفرد أو خالف. لكن المخالفة أكثر في الشاذ، المخالفة أكثر في الشاذ من المنكر. فهذا إن شاء الله تعالى خلاصة ما يذكر في الكلام على هذا. وهنا نبه أيضا الحافظ أن مقابل المنكر يسمى معروفا، مثل أن مقابل الشاذ يسمى محفوظا، ومقابل المنكر يسمى معروفا. أنه إذا قال بعضهم عن الحديث: هذا الحديث معروف، معنى أنه ليس بمنكر، ليس بمنكر. وأحيانا تجد بعض -كما ذكرنا قبلا في الحسن- بعضهم يطلق الحسن على المنكر، معنى يقول: فلان حديثه حسن، حديثه حسن، يسمى معناه منكرا. ولهذا قال سالم بن أبي أمية: قال قلت لشعبة: لما لما رويت عن عبد العزيز بن محمد العرزمي، ولم ترو عن عبد الملك بن أبي سليمان؟ أنا كيف رويت عن هذا ولم ترو عن عبد الملك بن أبي سليمان، وحديث عبد الملك حسن. حديث عبد الملك لا شك أنه أفضل بكثير من عبد العزيز بن محمد العرزمي، فقال شعبة رحمه الله لما قال له: وحديثه حسن، قال: من حسنها فررت، من حسنها فررت، يريد أيش؟ أنها منكرة، فيها شيء خفي، فلهذا من حسنها هذا الحسن الذي هو فيها فررت منها، فكأنها أشياء فيها وهم، قال: فمن حسنها فررت. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في مسألة المنكر. والله تعالى أعلم.