شرح السنة للإمام البربهاري 58

شرح السنة للإمام البربهاري 58

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 58، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح حديث افتراق الأمة

يبدأ الشرح بتوضيح حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، ويبين صحة الأحاديث الواردة في هذا الباب وعلامة من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم.

تحذير من التكلف في إحصاء الفرق الضالة

يناقش مسألة إحصاء الفرق الضالة ويحذر من التكلف في ذلك، مؤكدًا على أهمية اتباع منهج النبي وأصحابه لتحديد الفرقة الناجية.

منهج أهل السنة والجماعة في مواجهة الفتن

يؤكد على أهمية اتباع منهج أهل السنة والجماعة في مواجهة الفتن، مشيرًا إلى اعتماد هذا المنهج على القرآن والسنة وتحذيرًا من مخالفة طريق السلف.

الرد على ادعاءات الفرق الضالة

يرد على ادعاء أن الغالب في الجنة والواحد في النار، ويبين أنه ادعاء كاذب يخالف الحس والعقل والشرع، ويختتم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنه محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة»، قيل: منهم يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الفقرة، وهي مقتبسة من كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم عليه في افتراق الأمة. والمؤلف رحمه الله تعالى جمع بعض الروايات على بعض، فقال: «أن رسول الله قال: ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة هي الجماعة»، فهذا حديث. «قيل: منهم يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، وهذا حديث آخر. وفي هذه الفقرة إخواني في الله مسائل. الأولى: صحة الأحاديث المروية في هذا الباب. صحة الأحاديث المروية في هذا الباب، فقد جاءت الآثار الكثيرة عن نبينا عليه الصلاة والسلام في ذكر تفرق الأمة، في ذكر تفرق الأمة. فجاء من حديث أبي هريرة، ومن حديث عبد الله بن عمر بن العاص، ومن حديث معاوية بن أبي سفيان، وعن جمع من الصحابة بأن الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، والناجية منها جاء في بعض الألفاظ أنها الجماعة، وفي بعض الألفاظ هي «ما أنا عليه اليوم وأصحابي». فأما لفظة «ما أنا عليه اليوم وأصحابي» فذهب جماعة إلى تحسينها، وإن كان بعضهم على تضعيف وتوهينها، لأن مدارها على عبد الرحمن بن أنعم الأفريقي، وعلى ابن زياد الأنعم الأفريقي، ومتكلم فيه. إلا أن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى قال بتصحيح هذه اللفظة وهذه الرواية لوجود الشواهد، ويرجع إلى ذلك في مبحثه الطويل المطول في السلسلة الصحيحة. وأما لفظة «هي الجماعة»، وهذا كذلك لفظة صحيحة، وعليها جمع الأمة على تصحيحها، عن الترمذي والحاكم، وكذلك العراقي والشاطبي، والحافظ بن حجر العسقلاني، وكذلك العراقي، وتلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وجماعة من الحفاظ على تصحيح هذه اللفظة. فهذه الأحاديث الواردة لافتراق الأمة ثابتة. الأمر الثاني مما يستفاد من هذا الحديث أن هذه الأحاديث تعتبر علما من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم. فمن تأمل في واقع الأمة يرى مصداقية ما أخبر عليه صلاة ربي وسلامه عليه، فإن الأمة المحمدية من أكثر الأمم افتراقا، الافتراق الكبير العريض الطويل. وكم حدثنا وكم أخبرنا عن الجماعة الواحدة التي تنقسم على نفسها إلى جماعات، هي جماعة تنشأ في أحد العوام على أنها جماعة لها هيكل، لها تنظيم، لها رأس. فما تمر عليها السنوات إلا وهذه الجماعة انقسمت إلى أربع بتنظيم آخر، بهيكل آخر، برؤوس أخرى. وهكذا تتولد وتتكاثر هذه الجماعات فقط إلى عدة جماعات. فتخيل يا عبد الله الجماعة الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة، وانظر ما ذكره العلماء مثلا عن فرق المعتزلة، كم فرق الخوارج، كم فرق الجهمية، كم فرق القدرية والجبرية، كم وكم وكم، كلها تنقسم على بعضها إلى أقسام عدة. بل كان بعض مشايخنا، بل حتى في المجلس الواحد، كان في بعض الأفكار والتنظيمات يجتمع القادة في غرفة للتشاور على مسألة من مسائلهم، فإذا هم يختلفون فيما بينهم، فيخرجون من الغرفة وقد تفرقوا، هذا يذهب بفرقة، وهذا بأخرى، وذاك بأخرى، في غرفة واحدة وفي لحظة واحدة. فهذا مصداق لما أخبر به نبينا عليه الصلاة والسلام عن حدوث الافتراق والتفرق الذي يقع في هذه الأمة المحمدية. وكما قلنا، تدخل إلى البلد الواحدة وإلى المنطقة الواحدة وتجد الجماعات والفرق والمذاهب قد طفحت في هذه المجتمعات الإسلامية. وهذا كله علامة الوهن والضعف الذي سيحل على هذه الأمة. وإذا استمرت على هذا المنوال. وكذلك مما يستفاد من هذا الحديث، حديث الافتراق «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار»، قال علماء: في النار ليس من اللزوم أنهم يخلدون في النار. فهذه الفرق الثنتان وسبعون فرقة، هم لا يزالون من الأمة الإسلامية، وهي فرق تستحق الوعيد وداخلة في الوعيد، وليس من اللزوم أنهم مخلدون في النار. ولهذا يقول علماء في باب التمييز: هل هذه فرقة في سلك الإسلام أو ليست في سلك الإسلام؟ يقولون: هذه من الثنتين وسبعين فرقة، وتلك ليست من الثنتين وسبعين فرقة. فقولهم ليست في سلك الإسلام، ليست من الثنتين وسبعين فرقة. فإن قالوا: هذه من الثنتين وسبعين فرقة، فإنها من الفرقة الإسلامية، فهي ليست مخلدة في النار. وكذلك مما يستفاد من هذا الحديث، في قول نبينا «على ثلاث وسبعين فرقة»، في ذكر مسألة وما قام به بعض العلماء حيث أرادوا أن يحصروا العدد في تعيين جماعات بعينها. فعلى ذلك، كابن الجوزي وجماعة من أهل العلم، أرادوا أن يحققوا صدق هذا الحديث، فقاموا وعددوا، قالوا: الخوارج انقسمت إلى كذا فرقة - عددوها - والرافضة إلى كذا فرقة، المعتزلة إلى كذا فرقة. ثم أحصوا الفرق الموجودة، ثم جمعوا من هنا وجمعوا من هنا حتى خلصوا إلى هذه النتيجة، قالوا: انظر هذه الثلاثة وسبعين فرقة التي أخبر عنها نبينا عليه الصلاة والسلام. فبعض العلماء استعقب وعقب على هذه المسألة، وأن هذا لا ينبغي، أن هذا ما ينبغي لأمور. الأمر الأول: أن الشرع ما تعبدنا بإحصاء هذه الفرق، لسنا متعبدين بإحصاء هذه الفرق، وإنما هذا إخبار من نبينا عن وجود الفرقة، أما أنك تحصيها فهذا ليس من اللازم، وهذا ليس من أمر التعبدية في هذا الباب. الأمر الثاني: أن من دخل في تعيين هذه الفرق دخل في الكلفة، دخل في الكلفة. ووجه الكلفة أنه لو ربما يفرق بين بعض الفرق، وليس بينها الفرق الواضح أو الفرق الشاسع، أو أنه أصل من الأصول. مثل أن يأتي إلى فرق، وهذه فرقة واحدة، وهذه فرقة ثانية، فينتهي أنه هذه نفس هذه، هم في سيرك مثلا من تحت راية المعتزلة، نفس المناهج، الأصول الخمسة، إلا أنه في حيثية من حيثيات الأصول الخمسة هذه، تبنت رأيا، وهذه رأيا، جعل هذه فرقة، وهذه فرقة، فأصبح التكلف. ثم يأتي الثاني عند الخوارج، هذه فرقة، وهذه فرقة، وهذه فرقة، وهكذا يقسم ويفرق على أمور ما هي بتلك الأمور. فأراد ماذا؟ أن يظهر هذه الفرقة الكثيرة، لكن على حساب ماذا؟ أن يتكلف، يتكلف بذكر الفروق الموجودة بين الفرق. الأمر الثالث، وهو الأمر المهم في هذا الباب، أن يقال للذين أقفلت الباب، أحصوا الجماعات في أزمنتهم، وقالوا: قد أغلق الباب، 72 فرقة ها هنا. بقي السؤال: ما حكم الجماعات التي ظهرت بعد ذلك؟ الآن جماعة كثر، لا، إذا تظهر جماعة كثر بعدما ألف من ألف وحصر العدد في جماعات معينة، ثم ترك الباب، إذن. وهذه الجماعة الموجودة في الشارع، في الشارع الإسلامي، في المجتمع، أين ذهبتها؟ نجعلها كتاب آخر، أو نجعل هذا يعني يأتي متشككا ويقول: أنتم كيف تزعمون 72 فرقة وقد أحصيت، وأنا عندنا 20 فرقة، يعني كم؟ 92 فرقة، فيقع هذا في الإشكال. يعني مثلا عندنا الجماعات المتصوفة الجديدة، الشاذلية، الحصافية، القادرية، القادرية الأحمدية، الرفاعية، النقشبندية، موجودة، ما ظهرت في شرق آسيا، التيجانية، كم يقال القديانية والإسماعيلية، وفرق أخرى من فرق الروافض قد نشأت في هذا الأزمان، وفرق معاصرة، فرق يعني وطنية، إقليمية، طائفية، فرق حزبية ظهرت، هذا في القرن العشرين. ما ينبغي أن يغلق الباب، يفتح الباب، يفتح الباب، ثم تجعلها تحت أصول قبل هذا. ولكن لسنا متعبدين بأن نحصرها في عدد، العدد قد ذكر، أما في التعيين فأنت لست ملزما تقول: هذا العدد، ثم نكتفي. فيأتينا القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين، الله أعلم، أن تقوم الساعة، كم وكم تظهر لنا من الفرق؟ لذا فمن قام بإحصائها وتعيينها، هذا ما كان ينبغي. وإنما نقول: قد صدق نبينا في تعيين الفرق في تحديد العدد، وأما في تعيينها فأمرها عند باريها سبحانه وتعالى. وكذلك مما يستفاد من حديث التفرق، إخواني في الله، والفوائد كثيرة في هذا الباب، من ذلكم أن نعلم ما هي الفرق الناجية، والصفة الظاهرة في الطائفة المنصورة، وهو في هذا الحديث «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، على صحة الحديث، وعلى من قال بتهوينه. فإن دلالة العامة تؤيد صحة المعنى، وإن كان اللفظ متكلما به، لكن المعنى صحيح. فإن الفرق الناجية والطائفة المنصورة هي ما سارت على ما سار عليه نبينا صلاة ربي والسلام عليه وصحبه الكرام، هذا هو الأصل. «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، أن يكون من رفع راية الطائفة المنصورة والفرق الناجية، لا يكتفي بالشعارات، لا يكتفي بالشعارات، ولا يكتفي بالهتافات. الآن نرى - يعني بالأمس - كانت الدعوة السلفية - ولله الحمد - هي الدعوة الصحيحة الظاهرة التي تنادي بكل صدق بالرجوع إلى الكتاب والسنة، صدقا وحقا، ظاهرا وباطنا، قولا وفعلا وعملا، في الاعتقادات وفي الأعمال وفي الأقوال وفي السلوك وفي المعاملات، في كل شيء. وما كان أحد يداني ويباري أهل السنة والدعوة السلفية في هذا الباب. إذ أننا في هذا الأزمان نجد الكثير في باب الإعلام، الجماعات السلفية المسلحة، بسم الله، مسلحة سلفية، كيف هذا الجمع الغريب الرهيب؟ وتسمع بعض الجماعات التي دخلت في السلك السياسي الحزبي تتسمى بالجماعة، دعوات السلفية. فبعضهم ماذا يرى؟ أنه إذا تسمى بالسلفية يكفيه، لا يا عبد الله، ينبغي أن نعلم ليس هذه الشعارات، ليس هتافات أو نداءات أو رايات تكتب سلفية أو أهل السنة وجماعة أن يكفيك، لا. الحقيقة في الواقع، في البرهان، ننظر إلى منهاجه، اعتقاداته. كم من هؤلاء يدعون أنهم على منهج أهل السنة والجماعة، في معتقدهم خبيط وخليط، في اعتقاداتهم، بل يفتحون المجال لكثير من الاعتقادات أن تدخل فيها، الأشعري والماتوريدي والمعتزلي والتحريري، هذا ما يسمى أهل السنة والجماعة، أو كذلك ممن ينادي بمنهج أهل السنة والجماعة. إن كانت له عقيدة صحيحة، لكن في باب المنهج والسلوك على خلاف السنة، على خلاف السنة. حتى أصبح بعضهم يقول، عقيدتنا عقيدة سلفية، ومواجهتنا مواجهة عصرية، تفصيل، تفريق بين المعتقد وبين المنهاج. في العقيدة على منهج أهل السنة، وأما في باب المنهاج والسلوك فإنه على ماذا؟ على طريقة عصرية، نواجه العصر بما نرى مناسبا، إن رأينا ذلك بالسياسة دخلنا بالسياسة، وإن كان بمواجهة عسكرية دخلنا بمواجهة عسكرية، نلائم العصر بما يلائمه. هذا ليس من طريقة أهل السنة والجماعة. أهل السنة والجماعة هم حذو القذة بالقذة، كما كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام. ما نخرج عنه. لن يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح أولها، نسير على هذا المنهاج. قال ربنا جل في حق نبيه: «لأنذركم به ومن بلغ»، بهذا القرآن، ما عندنا مواجهة عصرية، عندنا القرآن والسنة، عندنا وحي السماء، هذه هي المواجهة، في القرن الأول وفي القرن الثاني وفي القرن العاشر وفي القرن العشرين، نواجه المشاكل والأزمات والفتن بالقرن والسنة. «لأنذركم به ومن بلغ»، ومن سيأتي معكم، ليس الوحي السماء «لأنذركم به» من عندي في زمني، ومن زاد فلكم، غير ذلك، لا يا عبد الله، ما أحد يقول بهذا، لا أحد يقول بهذا. فإخواني في الله، فينبغي أن نعلم أن من أراد يتمسك وتشبث بمنهج أهل السنة والجماعة، لا يظن أن الأمر يقصر على كلمات تقال بالألسن، أو رايات تكتب بالبنان، أو تحمى بالأيدي. وإنما هي عبارة عن عمل «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، تقتفي أثر السنة في اعتقاداتك، في أقوالك، في عباداتك، في منهاجك، في سلوكك، وبهذا تدخل في هذه الراية، وتحت هذا المعلم، وتحت هذه الجماعة المباركة، وهي الطائفة المنصورة والفرقة الناجية. فيقول المؤلف: كذلك قال «منهم يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي». وكذلك من الفوائد إخواني في الله، تدل على أو ما فيها، فيها عقوبة من خالف السنة، وأن من خالف طريق السلف ليس أمره بالهين، وليس أمره بالسهل، لأن الأمر ماذا؟ فيه وراءه نار، فيه عذاب وعقاب. «ما أنا عليه اليوم وأصحابي» كلها في النار، فمن خالف منهاج أهل السنة والجماعة، فإن مصيره إلى النار. فينبغي لمن كان على طائفة وعلى مذهبية على خلاف مذهب أهل السنة والجماعة، عليه أن يعرف أن الأمر ليس اجتهاديا، وإنما أمر بين الجنة والنار، وحساب وعقاب. وكذلك مستفاد من هذا الحديث على أن ما يقع بين هذه الفرق التي ستفترق، أن الأمر سيكون بينها شديد، الأمر بينها شديد، وذلك من أوجه. الوجه الأول: استخدم النبي والأفعال «ستفترق»، وما قال: ستختلف. والافتراق أشد من الاختلاف، الاختلاف قد يقع، ثم يقع بين التوافق، لكن الافتراق، هذا فيه فرقة، وذاك فيه فرقة. ويؤيد عظم الفرقة التي ستقع بين الملل، ما جاء في بعض الألفاظ الحديث، قال النبي: «ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين ملة»، على ثلاث وسبعين ملة، الملة هي الدين. أي أن كل فرقة ستتمسك بما هي عليه من مذهب على أنه دين يدينون الله جل وعلا به. ولهذا واضح، تجد الفرق تستميت، تستميت على مذهبها، وتستميت كذلك على منهجها، لا تتنازل عن ذلك قيد شعرة، بل لو اضطر الأمر إلى رفع السلاح لرفع السلاح حتى تذب عن بدعتها، وتذب كذلك عن منهجها. فلا يأتي بعد ذلك آت ويظن أن أمر بهذه البساطة، يقول: أخي، أنتم أهل السنة، أشغلتم الناس بالفرق، بالتفرق، الأمر سهل، نأتي بهذه الجماعة وبهذه الجماعة، كما وقع ذلك لبعض قادة الجماعات الحزبية في زمن شيخنا مقبل رحمه الله تعالى، قال: الأمر سهل، نأتي بهذه ونأتي بهذا ونأتي بهذا ونجتمع ونتفق على أصول، ننتهي، لا يا عبد الله، ما ستنتهي. قال نبي: «ستفترق على ثلاث وسبعين ملة»، هذه فرق، عبارة عن ملل، ستستميت، ليس عبارة عن جلسة في الطاولة مستديرة، بالتفاوض السلمي، كل واحد ستنازع منهجه، الكل ماذا؟ سيستميت على بدعته. فالأمر صعب، يحتاج إلى الصبر، وإلى المصابرة، وإلى ثبات، وإلى كذلك إلى التفقه، إلى معرفة الطريق الصحيح، وإلى الذب عن منهاج النبوة، وكذلك إلى الدعوة إلى الله جل وعلا بصبر وتؤدة، ومسائل كثيرة متعلقة بهذا الباب، لكن نكتفي بما ذكر. وأنبه هنا على مسألة، وكلمة أو حديث قد يدنذن به من ليس له اطلاع ومعرفة بحقائق الشرعية، أن بعض من يستجد به حديث جاء عن أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعا، قال: قال عليه صلى الله عليه وسلم: «ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الجنة إلا واحدة»، قال: «ومن هي يا رسول الله؟ قال: الزنادقة». قال: الزنادقة، أي قاموا بقلب الحديث. وهذا الحديث مكذوب، تكلم عليه العلماء والحفاظ، كالعقيلي في الموضوعات، والشوكاني في الفوائد المجموعة، وبينوا عوار هذا الحديث، وأنه قد ملئ بسلسلة من الكذابين والوضاعين، وممن فلا فلا أخذ الحديث، وفلان سرق الحديث، وآخر قلب الحديث، كذاب مع كذاب مع كذاب، حتى جاء هذا الحديث المكذوب «كلها في الجنة إلا واحدة وهم الزنادقة». وقام بعض أهل البدع يقول: الزنادقة قد عرفناهم، الزنادقة الوهابية، هؤلاء الزنادقة. ثم هو حديث مكذوب، ثم قاموا بالتفسير المغلوط. وكذلك الواقع يخالف ذلك، الواقع والشرع أخبر عن أن الأصل أن الأكثر، أكثر الخلق ماذا؟ قد ضلوا عن سواء السبيل، وينطبع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين. الغالب على الخلق أنهم قد ضلوا عن سواء السبيل، وما القلة هم الذين ماذا؟ يبقون على الخير، وقليل ما هم، وقليل ما هم. أما أنك تدعي أن الغالب في الجنة والواحد في النار، فلا، فهذا الحديث مع كذبه يخالف الحس، ويخالف كذلك العقل، ويخالف كذلك الشرع. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.