شرح كتاب التوحيد 225

شرح كتاب التوحيد 225

الدرس في شرح كتاب التوحيد 225، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في إنكار نعمة الله تعالى

يبدأ الدرس بشرح معنى إنكار نعمة الله تعالى وكيف أن الناس يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، مشيراً إلى أن الإنكار يشمل نسبة الفضل إلى غير الله تعالى. يُوضح أن هذا الإنكار يمكن أن يكون بإحالة النعم إلى الأسباب أو الأشخاص أو الذوات الأخرى.

تحذير من إحالة النعم إلى غير الله تعالى

يتطرق الدرس إلى تحذير من إحالة النعم إلى غير الله تعالى، موضحاً أن هذا الفعل يعد نوعاً من نكران النعمة وقد يصل إلى الشرك أو الكفر. يُبين أن هذا مذموم في الكتاب والسنة وختم الله هذه الخصلة بالكفر في القرآن.

أهمية شكر الله تعالى على النعم

يناقش أهمية نسبة النعم إلى الله تعالى وتحذيراً من إحالتها إلى الأسباب، مشيراً إلى أن التوحيد يقتضي إظهار الحمد والشكر لله على النعم. يُبين أن الحمد على النعم من الأذكار التي يحبها الله تعالى ويتقرب بها العبد إليه.

ختام الدرس والدعاء بالقبول

يختتم الدرس بالتذكير بفضل الله ونعمته، ثم يدعو الله أن ينفع بما قيل في الدرس. يختتم بالصلاة على النبي والتسليم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال أبو العباس: وهذا كثيرٌ في الكتاب والسنة يذم سبحانه وتعالى من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به، قال بعض السلف: هو كقولهم كانت الريح طيبة والملاح حاذقة، ونحو ذلك مما هو جارٍ على ألسنة كثير. ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، والذي بوَّب عليه بقوله: باب قول الله تعالى: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون﴾، ختم هذا الباب بعدما أورد تفاسير السلف رحمهم الله تعالى في فهم هذه الآية، فختمه بقول أبي العباس، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وهذه العبارة منقولة في مجموع الفتاوى، إذ قال رحمه الله: قال: وهذا كثير في الكتاب والسنة يذم سبحانه من يضيف إنعامه -أي نعمه وفضله- إلى غيره ويشرك به، قال بعض السلف: هو كقولهم كانت الريح طيبة والملاح حاذقة، ونحو ذلك مما هو جارٍ على ألسنة كثير. وفي هذه العبارة المنقولة عن شيخ الإسلام، والذي ختم بها المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، نستفيد عدة فوائد. الفائدة الأولى: أن حكم هذه الآية عام، حكم هذه الآية عام يشمل جملاً عدة وألفاظ يتداولها الناس فيما بينهم، وأنها تجتمع في هذا الجامع، وهو إسناد الفضل والإنعام إلى سوى الله سبحانه وتعالى. فهذه الآية: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾ أعادها العلماء من الشراح ومن المفسرين إلى عدة أمور، أنها تفسر على من كان يعتقد بآلهته، ومن يعتقد أن في الكون إله غير الله، فيحيل النعم إليه وينسب النعم إليه، كما مر معنا في أثر مجاهد: أن هذا بفضل شفاعة آلهتنا. وأشرنا كذلكم أن ذلكم يدخل فيه أيضاً من نسب الإنعام إلى غير ذلك من المعبودات ممن يعظمهم، حتى جعلهم في رتبة الرب عز وجل في الألوهية والربوبية، كمن يعتقد في الأولياء، فينسب لهم الفضل في خلق الأجنة، وفي كشف الكربات، أو كذلك ممن يعتقد أيضاً في السحرة، وفي المشعوذين، وفي الكهان والمنجمين، ويرى أن ما هو فيه من فضل وغنى ومال ورزق إنما هو بفضل ذلكم الساحر عندما نفعه بطلاسمه وبتمائمه وبخيوطه وحباله، أو أنه استطاع أن يتفادى ذلكم الشر المحدق به عندما أخذ بوصية ذلكم الكاهن الذي علم وانكشف له من علم الغيب ما كان به التحذير من أن لا يقع في الأمر الفلاني. وهكذا قس، تجد أن أناساً نسبوا إنعام الله ليس لله وإنما لغيره ممن يعتقدون فيهم. وهكذا مما يدخل في عموم هذه الآية من نسب الفضل إلى نفسه، من نسب الإنعام إلى شخصه، كما مر في قول قتيبة وجماعة: أن قالوا أن هذا من أموالنا ورثناه كابر عن كابر. هذا نوع من أنواع الجحود لإنعام الله عليك، أن تنسب الفضل لنفسك، تقول: هذا مالي، تعبت عليه، ما ترى من هذا الخير كله من كدي وعرقي جبيني، تنسب الفضل لنفسك، وقد تذكر معك الآباء، تقول: هذا مال مال آبائي وأجدادي، هذا الذي نفعني في هذه الدنيا. ومثل هذه المفاخرة، وهذا الإضافة ما يكون من أن يضيف هذه الخيرات الذي يتمتع بها هذا الإنسان، أن يحيل هذا إلى ذكائه وإلى عقله وإلى شطارته: أنا شطارتي وصلت إلى هذه المنازل المرموقة والمنازل العالية، فلا يزال يحدث نفسه على أن هذا الإنعام الذي هو يتبوأ فيه إنما كان من جده واجتهاده وشطارته وتجارته وكسبه وعرق جبينه، هذا من الجحود لإنعام الله عليك يا عبد الله. أو مما يدخل في قوله تعالى: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾ من أحال الإنعام والفضل إلى الأسباب، إلى الأشخاص والأعيان، أو إلى الذوات والجمادات: لولا فلان لكان كذا وكذا، كما جاء ذلك معنا في تفسير السلف، فيه بيان على أن من نكران نعمة الله أن تحيل الإنعام إلى الأسباب إلى الغير: لولا الطبيب لفشلت العملية، لولا السيارة لانقلبت بنا، لولا فلان لما وقعنا في الذي وقعنا فيه، ولولا تلكم الوظيفة لذهبت أموالنا وتكدرت أحوالنا. وهكذا يحيل الأمر إلى غير الله، كل هذه الأشياء قد مرت معنا، وكلها تدخل في عموم قول الله جل وعلا: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾، كل هذا نكران للنعمة، فمن أحال النعم وأضاف النعم إلى من يعتقد فيهم هذا من نكرانها، ومن أضاف النعم إلى نفسه وإلى شخصه فهذا من نكران النعمة، ومن أضاف النعم إلى الذوات والأسباب هذا من نكران النعمة. فلهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وهذا كثير في الكتاب والسنة يذم سبحانه وتعالى من يضيف إنعامه إلى غيره، هذا مذموم، هذا مذموم. وفيه كذلك مما يستفاد من عبارة شيخ الإسلام أن صرف النعمة إلى غير الله يعد نوعا من أنواع الشرك، نوعا من أنواع الشرك، نوعا من أنواع الكفر بنص القرآن، بنص الآية التي بين أيدينا، الذي قال الله فيها: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون﴾. ختم ربنا جل وعلا هذه الخصلة بالكفر، ختمها بالكفر. وقد أشرنا إلى أن بعض هذه الصور من صور إنكار النعمة قد يصل الحال إلى صاحبها إلى الكفر الأكبر والشرك الأكبر، كمن أحالها إلى معبودات، إلى حال من يعتقد فيهم الضر والنفع، يدخل في الشرك من اعتقد في الأولياء، من اعتقد في الأنداد، من اعتقد في الأشجار، من اعتقد في الأحجار، من اعتقد في الأموات، من اعتقد في الأحياء أنهم بذواتهم استقلالا يضرون وينفعون، وأنهم يعطون ويمنعون، هذا ما يكون إلا لله عز وجل، هذا ليس لأحد من خلق قدرة عليه. فالله هو الواهب، والله هو المعطي، والله هو الرازق، والله هو الضار النافع جل في علاه، هذا يصل بالإنسان إلى الكفر، وقد يكون إلى شرك الأصغر وإلى الكفر دون كفر، وهو ما يكون من كفر النعمة: ﴿ولئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي شديد﴾، قال العلماء: الكفر هنا هو كفر النعمة، وهو كفر النعمة، وهو قد ما مر معنا أنك تحيل النعم إلى الأسباب وتنسى المسبب وهو الله سبحانه وتعالى. هذا يوقعك في الشرك اللفظي، يوقعك في الكفر النعمة، وهو الكفر دون كفر، يوقعك في الشرك الأصغر، إذا اعتقدت أن الله هو المعطي، لكن لا تحمد الله وإنما تحيل الإنعام إلى الأسباب لا إلى مسبب الأسباب جل في علاه، فتذكر السبب وتتناسى المسبب وهو الله، فلا تحمده ولا تشكره. وفي هذا الأثر كذلك المنقول عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فيه فائدة: كيف أن هذه المخالفة قد انتشرت عند كثير من الناس؟ وهذا مما يؤسف عليه أن هذه المخالفة ليست واقعة من أحد الناس أو من فئام قليل من المجتمع، لا بل إن الأمر استفحل كثرة وطمة وعمة وانتشر. لهذا عبر شيخ الإسلام بقوله: قال رحمه الله تعالى: ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير، كثير من الناس، وخاصة إذا تحدث في باب الإنعام والفضل، قل من يذكر الله، قل من ينسب النعمة إلى الله ويقول الفضل لله وحده، تجد أن الناس إذا تحدثوا بالنعمة تفاخروا بالأسباب: هذا من الجهة الفلانية، هذا الخير من فلان، هذه من الشركة، هذا دعم، هذا، ولا زال يحيل إلى الأسباب. متى سيهتدي إلى الله؟ قل من يهتدي إلى الله، قل من يقول: هذا من الله سبحانه هو الذي حباني، هو الذي أعطاني، ثم بفضل فلان، ثم يذكر التبعية، هذا الأسلوب قل من يفعل هذا، وهذا الذي أشار إليه شيخ الإسلام أن هذا مما استفحل عند كثير من الخلق، وهذا مما يستفاد من هذه العبارة. فالشاهد عباد الله أن في هذا المقام، وفتحت هذا الباب: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون﴾ أن ذلك من صفات وخصال وأعمال أهل الكفر، أنه يعرف أن النعمة من الله ثم لا يشكر الله عليها، وإنما يحيل النعمة إلى غيره. فإذا كان ذلك من صفات وخصال أهل الكفر، هنا ينبغي عبد الله في هذا المقام أن تظهر التوحيد، وأن تدلل على معالم التوحيد في باب الإنعام والفضائل، وذلك بأن تنسبها لله وحده، ولا يزال لسانك مذللاً على ذلك: الحمد لله، والشكر لله، هذا هو التوحيد. وقد أشرنا في أوائل الدروس على أن من عظيم الأذكار والأوراد التي يتقرب بها العبد إلى ربه مقام الحمد، أن تحمد الله، تكثر من هذا الورد، ولو أن تذكر الله به ليلة نهار: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، ولا زلت تلهج بهذا الذكر، فإن لك على كل عبارة من هذه العبارات أجر وفضل، لأن فيها إظهار ما كان من منة الله عليك، وبيان افتقارك لآلاء الله، وإظهارك لمقام الشكر والحمد لله. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها»، يحب الله هذا منك، يحب الله هذا منك أن يسمع منك الحمد على ماذا؟ على كل أكلة، كم عسى تأكل يا عبد الله في اليوم والليلة؟ تأكل ما يسأل الله لك أن تأكل الكثير والقليل، فكونك تحمد الله عند أكلك يحب الله هذا منك، وهكذا الشربة، كم تشرب؟ من السوائل ومن المياه قد لا يعد ولا يحصى شرباً، وأنت تشرب حتى تبقى على قيد الحياة، فعند كل شربة تحمد الله عليها يحبك الله. فما ظنك يا عبد الله بباقي النعم وأنت تتقلب فيها؟ فلا زلت تذكر آلاء الله عليك حمداً وشكراً، فالله يحبك، كل ذلك بيان على أن الله من عظيم ما يتقرب إليه العبد مقام الحمد والشكر، وهذا والله ما يتأتى إلا إذا اعترفت بعظيم إنعام الله عليك. لكن إذا كان حالك دائماً تذكر الأسباب، متى ستهتدي إلى الله؟ لازلت تجعل السبب: الصحة الطبيب، والمال الاقتصاد، والأمن والأمان إلى رجال الأمن، ولازلت تذهب النعم يمنى ويسرى، يمنى ويسرى، ولا تكاد تذكر الله حامداً شاكراً، فمن أين يأتيك مقام الحمد والشكر؟ فينبغي إخواني في الله في باب نعم الله جل وعلا أن تكون يا عبد الله موحداً توحيدك، أن تذكر الله على كل نعمة تحمده وتشكره وتشكره، وقبل ذلك أن تنسب إنعامه عليك، ثم لا بأس بعد ذلك أن لا تجحد المخلوقين مما أدى إليكم معروفاً، من أدى إليكم معروفاً فكافئوه بالدعاء، بالمكافأة برد الجميل، أو تذكره في الحمد، لكن بعد الله، بعد الله، كأن تقول: الفضل لله وحده ثم لفلان، هذا رزق من الله ثم من فلان، ما أنا فيه الحمد لله، يسر الله بمال، وما كان من أمر الورث تذكر الله دائماً، هذا الذي يحبه الله جل وعلا منك. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.