الدرس في شرح كتاب التوحيد 227، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الشرح بتفسير ابن عباس لآية "فلا تجعلوا لله أندادا" ويوضح معنى الأنداد والشرك الخفي، ويضرب مثالًا لدبيب النمل لتوضيح مدى خفاء هذا الشرك.
يتناول الشرح أمثلة على الشرك الخفي في الكلام اليومي مثل الحلف بغير الله وتسوية المخلوق بالخالق، ويوضح معنى هذه العبارات وخطورتها.
يشرح العلماء مراتب العبارات التي قد تشتمل على شرك، ويوضح المرتبة الكاملة والمرتبة الجائزة والمرتبة التي لا تجوز.
يؤكد المؤلف على أهمية فهم آية "فلا تجعلوا لله أندادا" على نهج السلف بإفراد الله تعالى بالاعتقاد والأقوال والأفعال، ويعد بأمثلة على ذلك.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال ابن عباس، الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفات سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، ولولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانًا، هذا كله به شرك. رواه ابن أبي حاتم. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الأثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وهو يفسر لنا هذه الآية والتي بوّب عليها المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، ألا وهي قوله جل في علاه: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾. وهذا الأثر المروي عن ابن عباس، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: رواه ابن أبي حاتم. وهذا الأثر قال العلماء: إنه حسن، كما ذكر ذلك صاحب النهج السديد في تخريجه لهذا الأثر بأنه حسن. وهذا الأثر الذي بين أيدينا، إخواني في الله، نحب أن نسلط عليه الأضواء، وخاصة أنه قد جاء من حبر الأمة وترجمان القرآن، ألا وهو ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فاسمع يا عبد الله، في كيفية فهم ابن عباس لهذه الآية: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾، قال رحمه الله: الأنداد هو الشرك. قد مضى ذلك معنا، جعلك لله ندًا مثيلا ونظيرًا في ألوهيته أو ربوبيته أو في أسمائه وصفاته، هذا من فعل المشركين. لكن تأمل بماذا فسر الشرك هاهنا، قال: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفات سوداء في ظلمة الليل. تخيل يا عبد الله هذا المثال، وأنت في جنح الظلام تمر على صخرة سوداء، الصخرة هي هي ما ستراها، فما ظنك بهذه الصخرة في هذه الظلمة وتسير وتدب عليها نملة، وهذه النملة سوداء، هل سيشعر بها أحد؟ هل سيحس بها أحد من المارين أو الناظرين أو المستمعين؟ ما أحد، خفاؤها جلي، سيخفى على الناس. ما الذي أراد ابن عباس بهذا المثال رضي الله تعالى عنه أرضاه؟ أراد أن يمثل لنا ما يكون من صور الشرك، أن من صور الشرك أن يبتل بها المسلم، ما يكون خفاؤه كخفاء النملة السوداء إذا سارت على صخرة سوداء في ظلمة الليل. فإذا كانت هذه دبيب النمل لا يشعر به، فاعلم أن من الشرك ما قد نبتل به ولا نشعر به. فماذا يستفاد من ذلكم؟ يستفاد من كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنه ما يكون من الحذر الشديد من الشرك ومن صوره ومضامينه وأقسامه، لربما الواحد منا يبتل به وهو لا يشعر به. وفي ذلك بيان على ضرورة العناية بباب التوحيد أعظم من غيره، لأنه الأساس في حياة الناس، وما يكون من تعامل الله مع العباد هو في التوحيد، إلا من أتى الله بقلب سليم، قلب موحد. وبهذا نعلم أن الإنسان لا يكل ولا يمل من تعلم التوحيد، كحال بعض الناس من لربما يتأفف، لا أقول من العامة للأسف، بل حتى والله ممن لربما يتصدر الفكر والدعوة على حد زعمه، ومع ذلك ها هو يهمش من علم التوحيد، يستصغره ولا يلقي له بالًا، ولا يرفع له رأسًا. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفات سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي. وتأمل إلى هذه العبارات التي نسمعها، والذي لربما نطق بها من كان من أقرب الناس إلينا، فضلًا عن غيرنا، مما يدلك على أن من ألفاظ الشرك ما قد أصبح مستشريًا وهو شرك. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي. هنا خرج مخرج القسم والأيمان، هذا لا يجوز، والشرك هاهنا جاء في أمرين اثنين: الأمر الأول أنه حلف بغير الله، وحياتك أو قسم بنفسه وحياتي. والقسم كما سيأتي معنا لا يكون إلا بمعظم، وأغلق الشرع باب الأيمان، فلا حلف إلا بالله، لأنه هو المعظم فقط عندنا أهل الإسلام. فلا يأتي أحد يزاحم الله في الأيمان، فلا تقول: وحياتك أو وحياتي. هذا النوع الأول من صور الشرك في هذه العبارة أن أقسمت بغير الله، زد على ذلكم أنك ساويت هذا الغير بالله، والله وحياتك، والله وحياتي، ساويت عظمة الله بعظمة هذا المخلوق الذي أقسمت به، وهذا النوع الثاني. فهذه العبارة دخل فيها الشرك من وجهين اثنين: الحلف بغير الله، ثم مساواة الغير بالله. هذه العبارة المحذور فيها ما سمعتم، ما كان خرج مخرج القسم والأيمان. أما إذا خرج على مخرج الوصف، هذا ليس فيه شيء، مثل الرجل أراد أن يصف امرأته، أن يصف زوجته، فقال لها: أنت روحي وحياتي، هل هذا الشرك؟ لهذا ليس بالشرك، لأن هنا ما أراد بالواو والقسم، هنا واو وعاطفة، فالسياق يدل على المعنى. قال: ولولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وهذه نفس العبارة السابقة، لولا البط هذا الحيوان، هذا الحيوان أو الطائر البط من صفته أنه حساس، فأي حركة وأي ضجة يتنبه لها، فلا يزال يصيح، لهذا بعضهم إذا ما استطاع لاتخاذ الكلاب حراسة يتخذ البط والوز وأمثاله. فيقول ابن عباس: وهذا على قول بعض الناس، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، لكن البط كان للصوص بالمرصاد. هذا النوع كذلك من أنواع الشرك، وهو من إضافة النعمة إلى السبب دون مع نسيان المسبب، وهو من كفر النعمة. قال رحمه الله تعالى: وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وهذا كذلك من اتخاذ لله ندًا، أن تقول: ما شاء الله وشئت، وشئت يا فلان، أم تقول لصاحبه. وقال العلماء: وهذا قد يصل بصاحبه إلى الشرك الأكبر، إذا كان الإنسان يعتقد في فلان كما أن الله جل وعلا له المشيئة الكاملة، فعال لما يشاء، ويعتقد في فلان كائنًا من كان أنه فعال وأنه يفعل ما يشاء، وأن مشيئة العبد كمشيئة الله في القوة والقدرة، هذا من الشرك الأكبر. قال: وقول الرجل: لولا الله وفلان، كذلك من هذه العبارات التي تستشري بيننا وفي خطابنا، لولا الله ولولا فلان، ما حصلت الحاجة الفلانية، لولا الله ولولا المدير الفلاني، لما وصلنا إلى هذا المنصب، لولا الله ولولا هذا المال لكان أمرنا قضي عليه، لولا الله ولولا هذا. وقال العلماء: وهذا الشرك من جهتين اثنتين قد يصل بصاحبه إلى الشرك الأكبر، إذ ظن أو اعتقد أن فلانًا هذا عنده من الإرادة كما عند الله، وعنده من القدرة على فعل ما يريد، إذا اعتقد أن فلان عنده من القدرة ما عنده كقدرة الله، هذا من الشرك الأكبر. والشرك الثاني: إذا ما اعتقد هذا، لكن خرج بمحض لسانه فقط، هذا من الشرك الأصغر. ولهذا ختم ابن عباس هذا الكلام الأخير، قال: وقول الرجل: لولا الله وفلانًا، لا تجعل فيها فلانًا. إذا أردت التوحيد في مثل هذه العبارات، أذكر الله وحده، اجعل المنة والنعمة كلها تضاف لله، والمشيئة لله والإرادة لله. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن الإنسان أمام هذه العبارات على ثلاث مقامات، على الهدي الكامل الذي ينبغي أن يكون عليها كل مسلم، وهي المرتبة المستحبة، وهناك مرتبة الدون وهي المرتبة الجائزة، وهناك المرتبة الثالثة والتي لا تجوز فيها هذه العبارات. فالعبارة الأولى وهي الكاملة الفاضلة التي ينبغي أن تكون على كل لسان، أن يكون الله جل وعلا على لسانك، ما كان من النعم قل: هذا فضل من الله وحده واسكت، هذا هو التوحيد، إذا ذكرت المشيئة قل: ما شاء الله وحده واسكت، في باب لولا تقول: لولا الله لما صار كذا وكذا، في باب الإرادة لولا الله وحده، فهكذا تربي نفسك. هذه العبارة هي التوحيد، هي القمة، لا تذكر كما قال ابن عباس: لا تذكر فلانًا، لا تذكر الأسباب، اجعلها لله فقط، هذه المرتبة هي الكاملة. وهناك مرتبة جائزة، وهو أن تذكر فلان لكن باستخدام ثم، لولا الله ثم فلان، ما شاء الله ثم فلان، هذا المال من تيسير الله ثم من تذكر، ثم وثم هنا تلعب دور، لأن الإشراك هنا في حرف الواو والعطف، لأنك تعطف تجعل المعطوف في منزلة من عطف عليه في منزلة واحدة. لكن ثم دلت الأدلة الشرعية وقبل ذلك اللغوية على أن هناك تراخي، فرق بين من بدأت به وبين من عطفت عليه، فبينهم منزلة، لولا الله ثم فلان، لك هذا، هذا جائز، هذه المرتبة جائزة. المرتبة الأخيرة لا تجوز أن تستخدم واو والعطف، لولا الله وفلان، لولا ما شاء الله وشئته، هذا الذي لا يجوز، وهذا الذي به صاحبها يدخل في الشرك كما قال ابن عباس: لا تجعل فيها فلانًا، هذا كله به شرك، يدخل في الشرك، لكن حنانيك ليس من الشرك الأكبر. وبهذا نفهم ما كان عليه السلف الأمة من أصحاب رسول الله من أنهم لربما لجأوا إلى الآيات التي هي أصالة تتحدث عن الشرك الأكبر: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾، ويجعلونها في أصحاب الشرك الأصغر، لماذا؟ لوجود الرابط ألا وهو التشريك مع اختلاف الحكم، فرق بين من يقع في الشرك الأكبر المخرج من الدين والملة، وبين من يقع في الشرك الأصغر، فهو لا زال من أبناء الملة وأبناء الدين، فرق بين الحكمين. لكن الضابط هو العلة الاشتراكية، وهو ما كان من التشريك، فأولئك النفر قد أشركوا في الله جل وعلا بالاعتقاد والأفعال، وأما هؤلاء ممن أبناء ملتنا قد أشرك مع الله في الألفاظ من غير اعتقاد، لكن وإن كان نيتك سليم ومعتقدك سليم، لكن ينبغي أن توحد الله في ألفاظك. الحاصل إخواني في الله، هذا الأثر بطوله فيه الإشارة إلى ما أراد المؤلف رحمه الله تعالى من أن نفهم هذه الآية بما كان عليه سلف الأمة، وهو أن لا نجعل لله شريكًا لا اعتقادًا ولا أقوالا ولا في الألفاظ، وإنما يكون كل ذلك لله جل وعلا، لا يشاركه ولا يزاحمه أحد كائنًا من كان. وسيأتي معنى كذلكم بعض الأمثلة، سيذكر لنا المؤلف رحمه الله تعالى، مما تدخل في عموم قول الله: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.