الدرس في كتاب الصلاة 113، ألقاها
تناول المقطع أحكام صلاة الاستسقاء وعدد خطبها ورفع الأيدي في الدعاء. كما تطرق إلى اختلاف أهل العلم في عدد الخطبة.
المقطع يشرح كيفية أداء صلاة الخوف كما صلاها النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في غزوة ذات الرقاء. يبين المقطع هيئتين لصلاة الخوف.
وصف كيفية صلاة الخوف حيث قسم النبي صلى الله عليه وسلم المصلين إلى طائفتين. تم تفصيل حركات الصلاة وكيفية إتمامها.
المقطع يتضمن الدعاء لله تعالى بالتسبيح والاستغفار، ويعبر عن التوبة والاعتراف بذنب العبد، ويطلب المغفرة والرحمة من الله عز وجل.
بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فقبل الشروع في الباب الجديد، باب صلاة الخوف، نذكر مسألتين تتممان مسائل صلاة الاستسقاء. المسألة الأولى من هاتين المسألتين، وهي في الترتيب الثامنة، وهي أن للاستسقاء خطبة واحدة فقط، فإما أن تكون قبل الصلاة أو بعدها، ولا يجمع بينهما. ولا يفعل قبل الصلاة وبعد الصلاة إلا خطبة واحدة. وأهل العلم مختلفون في خطبة الاستسقاء: هل هي خطبة واحدة أو خطبتان؟ فذهب أحمد وابن مهدي إلى أنها خطبة واحدة، وذهب مالك والشافعي إلى أنه يخطب خطبتين كخطبتي العيد، لقول ابن عباس: صنع النبي صلى الله عليه وسلم كما صنع في العيد. واستدل القائلون بأنها خطبة واحدة بقول ابن عباس: «لم يخطب كخطبتكم هذه»، يدل على أنها خطبة واحدة. قال: «ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير»، وهذا يدل على أنه ما فصل بين ذلك بسكوت ولا جلوس. ولأن كل من نقل الخطبة لم ينقل خطبتين، وهذا هو الصحيح: أنها خطبة واحدة. وكذلك خطبة العيد، كما مر معنا: أنها الصحيح فيها أنها خطبة واحدة. المسألة التي تليها، وهي على هذا الترتيب التاسعة، يستحب رفع الأيدي في دعاء الاستسقاء للإمام والمأمومين. وهذه المسألة ذكرناها أمس عرضا، وذكرناها اليوم من أجل ذكر أقوال أهل العلم فيها. لما روى البخاري عن أناس: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا الاستسقاء، وأنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه». فمعنى «لا يرفع يديه في شيء من دعائه»: أي هذا الرفع المبالغ فيه. قال علماء: هذا يحمل على أحد احتمالين: الأول أنه لا يرفع يديه في شيء من دعائه، أي في صلاته. أنه لا يرفع يديه في الدعاء الذي يكون في الصلاة، وليس معناه أنه لا يرفع يديه في الدعاء في بقية الأمور. بل أدلة رفع يديه صلى الله عليه وسلم في الدعاء أكثر من أن تحصى. وممن قال: إن الناس يدعون ويستسقون مع الإمام، مالك وأحمد، أي نص على ذلك: أن الناس يدعون ويستسقون مع الإمام، بمعنى أن الإمام يدعو وهم يدعون معه ويستسقون، أي يطلبون السقيا. وقد يحمل على أنه يدعو وهم يؤمنون، يدعو وهم يؤمنون. قال أصحاب الشافعي: إن سمعوا دعاء الإمام أمنوا عليه، وإن لم يسمعوا دعوا. وكذا قالوا في قنوت المأموم خلف الإمام، أي في صلاة القنوت: إذا سمعوا الإمام أمنوا، وإذا لم يسمعوا الإمام يشرع لهم أن يدعوا بأنفسهم. والشاهد من مسألتنا هذه: أنه يشرع للمأموم أن يدعو مع الإمام إذا كان الإمام يدعو بصوت واضح، فينبغي لهم أن يؤمنوا. الإمام يدعو وهم يؤمنون. وإن كان لا يسمع صوته، فلهم أن يدعوا ويستسقوا؛ لأنهم إنما خرجوا لأجل السقيا. قال الإمام أبو محمد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه «عمدة الأحكام»، في كتاب الصلاة منه: باب صلاة الخوف. والباب يطلق على ما يدخل منه ويخرج منه. وتقدم معنى هذا مرارا: أنه يطلق على الحسي والمعنوي. وها هنا معنى الباب: أي الباب المعنوي، أي باب للشروع في الكلام على أحكام صلاة الخوف. ومعنى صلاة الخوف: أي الصلاة التي شرعت لأجل الخوف وبسبب الخوف. شرعت لأجل صلاة الخوف وبسبب الخوف. فإذا أتى على صلاة من الصلوات ذات السبب، واضح جماعة. لأنها لا تشرع إلا في هذه الحالة. إذا لم يكن ثم خوف، فلا تشرع هذه الصلاة. قال رحمه الله تعالى عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في بعض الأيام التي لقى فيها العدو، فقامت طائفة معه، وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ذهب وجاء الآخرون، فصلى بهم ركعة، وقضت الطائفتان ركعة ركعة». حديث عبد الله بن عمر بن خطاب رضي الله عنهما ذكره الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى ها هو تحت هذا الباب. وما ذكر تحت هذا الباب إلا حديثين، هذا أولهما. قال رحمه الله: «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في بعض أيامه». قوله «صلى بنا» يدل على أن الإمام هو الذي يتولى الصلاة، أي صلاة الخوف. أو من نائب الإمام. وقد يطلق على الإمام ويراد به الأئمة الأعظم، وقد يراد به من كان دونه، من كان دونه ممن فوض بأمر الإمامة من الإمام. وقول «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف»: فيه دلالة واضحة على مشروعية هذه الصلاة، أي صلاة الخوف. وأن النبي، صلى بها، وصلى معه كذلك أصحابه. وقول «صلاة الخوف»: كما تقدم معنى، فيه الكلام على الباب، أي الصلاة التي بسبب الخوف. لذا قال عبد الله بن عمر: «في بعض أيامه التي لقي فيها العدو». ومعنى قوله: «في بعض أيامه»: أي في بعض غزواته، التي لقي فيها العدو. وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج بنفسه في الغزوات، ويخرج معه أصحابه رضي الله عنهم أجمعين. وقوله: «فقامت طائفة معه». الطائفة تطلق على أقل ما تطلق عليه: الثلاثة. والمراد بالطائفة ها هنا: الجماعة من الناس. وقوله «طائفة»: فيه إشارة إلى أنهم كانوا جماعة. فقسم هؤلاء إلى طائفتين. قسم هؤلاء الجيش الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الغزو، قسموا إلى طائفتين. فقامت طائفة معه، وطائفة بإزاء العدو، أي في مواجهة العدو. فصل بالذين معه ركعة، ثم ذهب وجاء الآخرون، فصلى بهم ركعة. وقضت الطائفتان ركعة ركعة. في هذه الهيئة: فيه معنى من معاني السياسة الشرعية، وفيه معنى من معاني أخذ الحذر. فالنبي صلى الله عليه وسلم قسم هذا التقسيم. وهذا يدل على غاية السياسة الشرعية. لأنه قسم الجيش إلى طائفتين، ثم جعل الجيش على هذه الحالة: طائفة تصلي، وطائفة تكون حارسة على أولئك المصلين؛ حتى لا ينقلب عليهم أولئك العدو فيصيبون منهم في حال غرة، فيحصل من أولئك المشركين الأذى للمسلمين. فإذا في تقسيم هذا أو في هذه الصلاة: معنى من معاني السياسة الشرعية. وفيه معنى كذلك من معاني شمولية هذا الدين لكل شيء، لكل صغيرة ولكل كبيرة، جاء بها هذا الدين وبينه هذا الدين. قال: «فصلى بالذين معه ركعة». ثم ماذا يفعل الذين معه؟ انطلقوا أو تحركوا بإزاء العدو، أي تواجهوا مع العدو. وبقوا في مكان إخوانهم أولا، يحرسونهم. وأولئك في صلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلوا كذلك ركعة. قال: «ثم ذهبوا وجاء الآخرون، فصلى بهم ركعة». فيكون صلى النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين: بالطائفة الأولى ركعة، وبالطائفة الثانية ركعة. ثم صلى كل من الطائفتين ركعة. ففيه صفة من صفات صلاة الخوف: وهي أن العدو إذا كان من ورائهم أو كان عن يمينهم أو كان عن شمالهم أو كان من أمامهم، ماذا يصنعون؟ يصنعون هذا الأمر. طائفة تصلي، وطائفة تكون كالحارسة. إذا كانت عن يمين أو عن الشمال أو من الخلف، تكون طائفة تصلي والطائفة الأخرى لا تصلي الركعة الأولى، بل تبقى حارسة على الجيش. وفيه كذلك: أن الطائفة الأولى التي صلت وتحركت واستقبلت العدو، أنهم لم يخرجوا من صلاتهم، بل هم في صلاة. ولو تحركوا ولو تحركوا وانقلبوا واستداروا عن جهة القبلة. قال: «فصلى كل ركعة ركعة»، أي صلوا فرادى، حال كحال من أدرك ركعة مع الإمام. من أدرك ركعة مع الإمام، ماذا يصنع؟ يتم الباقي فرادى. ففي أن هؤلاء صلوا ثم أولئك صلوا، ثم أتم صلاتهم فرادى. وفي هذا معنى من معاني الحماية، ومعنى من معاني التخفيف. وفيه هيئة من هيئات صلاة الخوف. قال عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات بن جبير، عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ذات الرقاء، صلاة الخوف: «أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصل بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائما، فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصل بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم». وهذا في هيئة أخرى من هيئات صلاة الخوف. قال عن يزيد بن رومان، وهذا من تابعيه، عن صالح بن خوات بن جبير، وهو تابعي، عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قد ذكر بعضهم أنه سهل بن حنيف. قال: «عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ذات الرقاء». وصلاة ذات الرقاء: هي غزوة سميت غزوة ذات الرقاء. وذكر بعض أهل العلم أنها سميت بذلك؛ لأن الصحابة قد نزعت رجولهم من شدة المشي والتعب، فجعلوا يربطونها بالعصائب، يربطونها بالعصائب. فسميت صلاة ذات الرقاء، أو سميت غزوة ذات الرقاء؛ لأنهم كانوا يعصبون أرجلهم مما حصل فيها من الجروح والتقرحات، رضي الله عنهم وأرضاهم. قوله: «صلاة الخوف»: أي أنه صلى بهم في تلك الغزوة صلاة الخوف. قال: «طائفة معه، وطائفة وجاه العدو». الآن في هذه الغزوة: أين كان وجه العدو؟ كان العدو بينهم وبين القبلة. فكانوا يصلون إلى القبلة والعدو أمامهم. قال: «فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائما، فأتموا لأنفسهم». طائفتان: إحداهما مصفوفة خلف الأخرى. الأولى صلت ركعة مع النبي صلى الله عليه وسلم، والأخرى وجاه العدو، أي قائمة في مقابلة العدو. فصل بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائما. بقيا يقرأ صلى الله عليه وسلم. قال: «فأتموا لأنفسهم»، أي انفصلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتموا الركعة الثانية بأنفسهم. قال: «ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو». انصرفوا فصفوا وجاه العدو. وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت. ثم ثبت جالسا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم. أي سلم بمن صلى معهم جميعا، هؤلاء وهؤلاء. قال عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فصففنا صفين: صف خلف رسول الله، والعدو بيننا وبين القبلة. فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحور العدو. فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود، وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، وقاموا. ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعا، كما في الركعة الأولى. ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى. وقام الصف المؤخر في نحور العدو. فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود، انحدر الصف المؤخر بالسجود، فسجدوا. ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعا». قال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم. ذكره مسلم بتمامه، وذكر البخاري طرفا منه: أنه صلى صلاة الخوف مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوة السابعة، غزوة ذات الرقاع. في حديث جابر هذا قال: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف». وكما جاء في بعض الرواية: أنها كانت الغزوة السابعة، غزوة ذات الرقاع. وفيه قال: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فصففنا صفين: صف خلف رسول الله، والعدو بيننا وبين القبلة». وهذا يفسر كذلك ما تقدم معنا في حديث صالح بن خوات بن جبير، عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي حديث سهل بن أبي حثمة. وأن العدو كان بينهم وبين القبلة. قوله: «والعدو بيننا وبين القبلة». فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعا، أي الصفان. أي أن الصفين كبروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. النبي إمام، والعدو أمامهم. وصف خلف النبي، وصف وراءه، أي وراء ذلك الصف. كبر النبي وكبروا معه، قرأ النبي وقرأوا معه، ركع النبي وركعوا معه، رفعوا رفعوا معه. عند السجود: سجد الصف الأول مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «فكبر وكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه». والصف الذي يليه: الصف الأول هو الذي انحدر أولا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «وقام الصف المؤخر في نحور العدو»، كالحراسة لهم. أن ينظرون لأولئك. وأولئك يحرسون؛ لأنهم يرون أمامهم العدو. قال: «ثم ركع وركعنا». قال: «ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحور العدو». فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود، وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، سجدوا بعد أن سجدوا. قال: «سجدوا المؤخر بالسجود، وقاموا». أي يكون بهذا الحال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم ركعة، وصلى الصف الأول ركعة، وصلى الصف الثاني ركعة. قال: «ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم». الصف المقدم تأخر، والصف المؤخر تقدم. هل حصل التقدم وتأخر؟ حصل انقلاب. يحتمل أن يكون حصل: أنهم انحدروا فجعلوا ظهورهم قبلة عند الرجوع. ويحتمل أنهم رجعوا القهقرة، بمعنى أنهم رجعوا إلى الخلف على هيئتهم. قال: «ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعا»، كما في الركعة الأولى. ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا. ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى. وقام الصف المؤخر في نحور العدو. فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود، انحدر الصف المؤخر بالسجود، الذي كان مقدما في الركعة الأولى. قال: «فسجدوا، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعا». وهذا فيه معنى من معاني العدل. هؤلاء صلوا معه ركعة تامة، وصلوا بأنفسهم ركعة تامة. وهؤلاء صلوا معه ركعة تامة، وصلوا بأنفسهم ركعة. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.