كتاب الصلاة 18

الدرس في كتاب الصلاة 18، ألقاها

استقبال جهة الكعبة في الصلاة

الواجب على من بعد عن مكة هو استقبال جهة الكعبة دون اشتراط إصابة العين. من صلى إلى جهة الكعبة من مكان مرتفع أو منخفض فصلاته صحيحة.

إعادة الصلاة عند اكتشاف خطأ في اتجاه القبلة

يتناول آراء الفقهاء حول إعادة الصلاة عند اكتشاف خطأ في اتجاه القبلة بعد الصلاة أو أثناءها. الاجتهاد في تحديد القبلة وتصحيح الاتجاه أثناء الصلاة.

التطوع على الراحلة في السفر وإلحاق الماشي بالراكب

التطوع على الراحلة جائز في السفر الطويل بإجماع أهل العلم، واختلفوا في السفر القصير. لا يصح إلحاق الماشي بالراكب لكون المشي مناف لهيئة المصل.

التفريغ النصي الكامل

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، طيب نذكر بقية المسائل المتعلقة بهذا. مسألة: واجب على سائر من بعد عن مكة طلبوا جهة الكعبة دون إصابة العين. ومعنى هذا أن الواجب على من بعد من مكة أن يتجه جهة القبلة، وليس من شرطه أن يتجه وأن يتحرى وأن يوافق عين الكعبة. وهذا قول أبي حنيفة وأحمد والشافعي في أحد قوليه، وهو كذلك مقتضى قول إمام مالك. وفي رواية أخرى للشافعي أنه اشترط العين، أي أن يصيب العين. والراجح الأول. وقد جاء في هذا حديث: حديث أبي هريرة عند أصحاب السنن مرفوعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بين المشرق والمغرب قبلة». وجاء كذلك من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. والعلماء كالإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره يقولون: لم يثبت في هذا الباب شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم. لكن ثبت هذا المعنى عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكذلك ثبت عن عبد الله ولده، وروي أيضًا عن عثمان وعلي وابن عباس. وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بعد أن ذكر معنى هذا: ولا يعرف عن صحابي خلاف ذلك. وقال أيضًا رحمه الله: وقد أجمعت الأمة على صحة الصف المستطيل مع البعد عن الكعبة، مع العلم بأنه لا يمكن أن يكون كل واحد منهم مستقبلًا لعينها بحيث أنه لو خرج من وسط وجهه خط مستقيم لوصل إلى الكعبة على الاستقامة. فإن هذا لا يمكن مع التقوس إلا شيئًا يسيرًا، وكلما تترى البعد قل هذا التقوس لكن لا بد منه. فالحاصل أن الراجح في المسألة ما سمعتموه: أن من بعد من جهة مكة فالواجب في حقه استقبال الجهة، ولا يلزمه بأن يستقبل العين. بل يستقبل جهة ماذا؟ القبلة. ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ وأينما تكونوا فولوا وجوهكم شطرة أي جهته. طيب، واضح المسألة؟ جماعة طيب. مسألة أخرى: لو صلى على جبل يخرج عن مسامته الكعبة، صحت صلاته. وكذلك لو صلى في مكان ينزل عن مسامتها، لأن الواجب استقبالها وما يسامتها من فوقها وتحتها، بدليل ما لو زالت الكعبة والعياذ بالله صحت الصلاة إلى موضع جدارها، قاله في المغني. واضح هذا الكلام أم لا؟ يعني مثلًا الكعبة أمامه رجل صلى مثلًا في عمارة كبيرة، تعرفون هذه الأيام هناك ماذا؟ عمائر كبيرة، بنايات كبيرة أمام أو حول الكعبة. من صلى في الدور العشرين، ما نقول الدور الثاني، الدور العشرين، هل صلاته صحيحة أم لا؟ الجواب: القبلة تحته وهو صلى ماذا في الدور العشرين؟ ما حكم صلاته؟ ما دام أنه صلى جهة القبلة فصلاة ماذا؟ صحيحة. لو فرضنا أن إنسانًا كذلك في الحرم موجود، صلوا مثلًا في أدوار تحتية تحت الأرض، تحت الأرض، ولكن جهة القبلة، ما حكم صلاتهم؟ هؤلاء أيضًا صلاتهم كذلك ماذا؟ صحيحة. واضح هذا الأمر أم لا؟ لأن العبرة باستقبال الكعبة وما يسامتها من أعلى أو من أسفل. طيب، مسألة أخرى: من اجتهد في تحصيل القبلة وصلى، ثم ظهر له بعد الصلاة أنه صلى إلى غير القبلة، فما حكمه؟ في المسألة خلاف. فذهب جماعة من أهل العلم، وهم أبو حنيفة وأحمد، وكذلك الشافعي في أحد قوليه: أن صلاته صحيحة ولا شيء عليه. والقول الثاني: وهذا القول ثابت كذلك عن الإمام مالك رحمه الله تعالى في تفصيل. الإمام مالك رحمه الله تعالى يقول مثل قول هؤلاء إلا أنه يفصل، فيقول: إن كان علم ذلك في الوقت أعاد الصلاة، وإن كان بعد خروج الوقت فلا شيء عليه. وذهب الشافعي في القول الآخر إلى أن صلاته لا تصح، إذ أنه علم أنه صلى إلى غير القبلة يقينًا، فيكون سقط فيه أو سقط عن صلاته شرط من شروطها. والراجح الأول. والراجح من هذين القولين الأول، لأنه صلى باجتهاد، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. والله عز وجل يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. هذا الإنسان اجتهد في تحصيل القبلة واستفرغ وسعه وصلى صلاته بحسب اجتهاده، ثم بان له أنه صلى إلى غير القبلة، فهذا لا ينقضها. ويقول العلماء: هذا حكمه كحكم الحاكم إذا اجتهد في المسألة واستفرغ وسعه في إصابة الحق، وبعد أن قضى بها وحكم، وتفرق الناس، ثم بان له بعد ذلك خلافه، فإن الحكم الأول قد مضى. طيب، مسألة أخرى: من صلى صلاة بالاجتهاد إلى جهة، ثم أراد صلاة أخرى، لزمه إعادة الاجتهاد. وهذا قول الشافعيين وأحمد. وأيضًا قالوا: هذا حكمه كالحاكم، أنه يستهد في كل حادثة بحسبها. فإن تغير اجتهاده في الحادثة الأخرى، فإنه لا ينقض الحالة الأولى، فتكون الصلاة الأولى صحيحة، وكذلك الصلاة الثانية صحيحة. وهذا حد الأمر يا جماعة: رجل صلى باجتهاد، إما نظر إلى أحوال النجوم فاجتهد، مثلًا كان في الليل، أو أحوال الشمس والقمر إذا كان في النهار، أو غير ذلك من الأمور التي اجتهد فيها. بعضهم قالوا: الرياح. بعضهم قال: من اجتهد واستفرغ وسعه بحسب علمه فصلى الصلاة الأولى، فلما جاءت الصلاة الأخرى اجتهد فيها فصلى إلى جهة أخرى غير الجهة التي صلى فيها المرة الأولى، فيكون صلاته الأخرى لا تنقض صلاته الأولى، لأنه اجتهد في الأولى فصلى بحسب اجتهاده، وكذلك صلى بالصلاة الأخرى بحسب اجتهاده. والاجتهاد ها هنا في هذه الصور معتبر. طيب، مسألة أخرى: إن تغير اجتهاده وهو في الصلاة، صلى مثلًا ركعة الأولى إلى جهة، يعني صلى الركعة الأولى باجتهاد، فلما قام في الركعة الثانية مثلًا نظر أمامه فرأى بعض العلامات وبعض القرائن الدالة على أن اجتهاده الأول خطأ، وأن الصواب في أن يتجه جهة أخرى، فماذا عليه؟ قالوا: عليه أن يستدير إلى الجهة الأخرى ويبني على صلاته، أي على صلاته الأولى. فيكون صلى ركعة تكون قد صلى ركعة ويتم بقية الصلاة التي عليه. قالوا: هذا حكمه كحكم أهل قباء، إذ جاءهم المنادي وهم في ركوعهم، فاستداروا وتغيروا من قبلة إلى أخرى. واضح المسألة الأخيرة أيضًا. طيب، مسألة أخرى مشابهة لها أو قريبة منها: من تبين له خطأه يقينًا في القبلة وهو في الصلاة، هذا كالأول باجتهاد. واضح الأمر أم لا؟ الصورة الثانية هذه يقينًا. صلى إلى جهة أولًا باجتهاد، ثم ظهر له يقينًا أن الجهة الأخرى هي جهة القبلة، فماذا يصنع؟ واضح هذا الأمر أم لا؟ هذه المسألة فرع عن المسألة التي ذكرت قبل. واضح الأمر أم لا؟ أي شيء مسألة ذكرت قبل فيمن صلى مجتهدًا في تحصيل القبلة، فلما فرغ من صلاته تبين له يقينًا أنه صلى إلى غير القبلة، الخلاف فيه معروف. ذكر الآن هذه الصورة أخرى: هو في الصلاة اجتهد في الركعة الأولى، فصل باجتهاده، فرفع رأسه مثلًا فرأى مثلًا علامات بالنجوم تبين جهة القبلة يقينًا، أو مثلًا كان في وقت غيم في الركعة الأولى، فلما رفع رأسه ظهر شروق الشمس أنه من جهة أخرى، وهو عنده العلم بأن ما بين المشرق والمغرب ماذا؟ قبلة، فاستدار، فما حكم صلاة هذا الرجل؟ الجواب: أنه يبني على صلاته أيضًا. الصلاة الركعة الأولى تكون صحيحة لأنها كانت باجتهاد، والركعة الثانية تكون صحيحة أو بقية الصلاة تكون صحيحة لأنها كانت عن يقين. واضح هذا الأمر أم لا؟ واضح هذه المسألة خير يا جماعة. طيب، مسألة أخرى: التطوع على الراحلة في السفر، من حكم التطوع على الراحلة في السفر. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في إباحة التطوع على الراحلة في السفر الطويل. قال: ترمى لهذا عند عامة أهل العلم. وقال ابن عبد البر: أجمع على أنه جائز لكل من سافر سفرًا يقصّر فيه الصلاة أن يتطوع على دابته حيثما توجهت، يومئ بالركوع والسجود، أخفض من الركوع. وأما السفر القصير، هذا السفر الطويل متفق عليه. وأما السفر القصير وهو ما لا يباح فيه القصر، فإنه تباح فيه صلاة على الراحلة عند الإمام أحمد والليث والحسن بن صالح، عند الإمام أحمد والليث والحسن بن صالح، والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي. وقال مالك: لا يباح إلا سفرًا طويلًا، لأنه رخصة سفر فاختص بالطويل كالقصر. والراجح الأول، وتحقيق المسألة أو عند التحقيق في المسألة يجد الناظر أن ليس في المسألة خلاف أصلا، وإنما الخلاف في أصل المسألة، وهو متى يجوز للمسافر أن يقصر الصلاة؟ وهذا الأمر أم لا؟ والراجح من هذا على ما سيتمعنا بإذن الله عز وجل في صلاة المسافرين: أن المسافر يقصر الصلاة ما سافر أو ما أطلق عليه هذا الاسم، أي ما دام يطلق عليه بأنه مسافر، فإنه يقصر الصلاة، ويكون أو تترتب عليه أحكام الصلاة من إفطار في شهر رمضان وبقية أحكام المسافرين. فإذا علم هذا، فالراجح في المسألة ما سمعتموه: أنه ما دام يسمى سفرًا، قصر أم طال، فإن له أن يصلي على راحلته ويومئ برأسه إيماء. واضح هذا الأمر أم لا؟ طيب، مسألة أخرى: إذا اشتد الخوف على إنسان وهو مطلوب، صلى إلى غير القبلة، أو له أن يصلي إلى غير القبلة راجلًا كان أو راكبًا، يومئ على قدر طاقته، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه. إن استطاع أن يستقبل القبلة استقبلها، وإن لم يستطع فلا شيء عليه. فيكون حكم حكم صلاة الخائف أن يصلي على أي حال. طيب، مسألة أخرى: هل للمسافر أن يتطوع وهو ماشٍ أو وهو ماشٍ قياسًا على الراكب؟ في المسألة قولان: الأول الجواز، وهو قول الشافعي وعطاء بن أبي رباح، ورواية عن أحمد. والثاني: لا يجوز، وهو قول أبي حنيفة، والرواية الأخرى عن أحمد. وهو الصحيح، لأن هذا لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كانوا يسافرون وتارة كانوا يركبون وتارة يمشون، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من صحابته أنه كان يصنع هذا: أن يتنفل وهو يمشي، يتنفل وهو يمشي يومئ برأسه أو أنه يسجد ويركع كما قال بعضهم. فالصحيح أنه لا يجوز. هذا أمر. الأمر الأول: أنه لا تصح ولا تجوز هذه الصلاة لأنه لم يرد. الأمر الثاني: أنه مناف لهيئة المصل، أن المشي مناف لهيئة المصل، فلا يصح إلحاقه بالراكب. والله أعلى وأعلم. طيب، نكتفي بهذه المسائل في هذا اليوم إلى هنا. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على