شرح كتاب التوحيد 223

شرح كتاب التوحيد 223

الدرس في شرح كتاب التوحيد 223، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

إنكار نعمة الله بإضافتها إلى غيره وتأثيره على التوحيد

يشرح هذا الفصل معنى إنكار نعمة الله بإضافتها إلى غيره، ويوضح أن عبارات مثل 'لولا فلان لكان كذا' قد تخل بتوحيد الله إذا نسبت النعمة إلى سبب خفي أو ظاهر دون اعتبار لمشيئة الله.

الإضافة الشرعية للنعم والفضل وضوابطها

يتناول هذا الفصل كيفية إضافة النعمة والفضل بشكل شرعي، ويفرق بين الإضافة إلى الأسباب الظاهرة التي دل عليها الشرع أو الحس، والإضافة إلى الأموات أو الأشياء التي لا دليل عليها.

نسبة الفضل إلى الأسباب وعلاقتها بالتوحيد والشرك الأصغر

يُناقش هذا الفصل أهمية إدراك أن الأسباب التي تُستخدم لتحقيق النجاح أو تجنب الفشل هي من تقدير الله، ويحذر من نسيان الفضل الإلهي عند النجاح، ويوضح أن التوحيد يتطلب نسبة النعم إلى الله أولًا ثم إلى الأسباب.

خاتمة الحديث والدعاء للتوفيق والهداية

يتضمن هذا الفصل دعاءً بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن عون بن عبد الله قال: يقولون لولا فلان لم يكن كذا. أورد المؤلف رحمه الله تعالى الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى هذا الأثر تحت هذا الكتاب أو تحت هذا الباب، والذي ترجم له بقوله: ربنا عز وجل يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها. فقام رحمه الله تعالى بإيراد بعض آثار السلف رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله في فهم هذه الآية، ما معنى يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها؟ وها هنا رحمه الله تعالى ذكر لنا هذا الأثر عن عون بن عبد الله، من أئمة الثقات الأثبات، قال: يقولون لولا فلان لم يكن كذا وكذا. وهذا الأثر وابن جرير رحمه الله تعالى، وهكذا المنذر، ولفظه بقوله: لولا فلان ما أصابني كذا وكذا. هذه الألفاظ، إخواني في الله، وأنتم تعلمون، قد مر معنا في هذا الباب أن المؤلف رحمه الله تعالى يذكر ما يتعلق بحماية جناب التوحيد، وأن مما يخل بالتوحيد أن تنسب وتضاف النعم إلى غير الله جل وعلا، يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها. وإن من صور إنكار النعمة أن تضاف النعمة إلى غير الله جل في علا، كهذه الألفاظ التي قد نسمعها بين الفينة والأخرى: لولا فلان لكان كذا، أو صار كذا وكذا. وهذا مما يخل بتوحيد الله جل وعلا، كما سيأتي بيانه. الله سبحانه وتعالى هو الذي يهيئ لك الأسباب، هو الذي يهيئ لك الأسباب جل في علا، فكان من كمال التوحيد الواجب أنك تظهر توحيدك لله، فمثل هذه العبارات: لولا فلان، كان ينبغي أن تقول: لولا الله ثم فلان. ثم تعرج على السبب، تبين من المتسبب في هذا وهو الله جل في علا، هو الذي قدر، هو الذي أمر، هو الذي أذن بحصول ذلكم عن طريق ذلكم السبب المعين. فليس من الحكمة، وليس من العقل، وليس من الشرع أن تضيف النعمة إلى السبب دون التفات إلى المسبب، الأسباب هو الله سبحانه وتعالى. ولهذا ذكر العلماء أن من صور الشرك اللفظي مثل هذه العبارات: لولا فلان لكذا وكذا وكذا. وهنا في عبارة المؤلف: لولا فلان، إنما هذا خرج مخرج الغالب، وهذا الذي كثيرا ما يقع في الألسن. أحيانا يكون لولا شيء من الجمادات، وأحيانا يكون لولا شيئا من الأعيان والذوات، كقول القائل: لولا الطبيب الماهر لفشلت العملية، لولا السيارة البديعة السريعة لنقلبت بنا. لولا، لولا، فيأتي بعدة أشخاص وينسب لهم الفضل دون الله عز وجل. وهنا تأتي مسألة، إخواني في الله، لو أردنا التحقيق فيها: ما حكم هذه العبارة: لولا فلان لكان كذا وكذا؟ العلماء في هذا الباب على التفصيل، ألا وهو: إن كان نسبتك لهذه النعمة إلى سبب خفي فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا من الشرك الأكبر، كمن يحيل النعم والأسباب إلى الأموات، إلى الأولياء، إلى السادات. كحال من نبتلي بالاعتقاد في الأضرحة، فإذا أصيب بجائحة في بره أو أصيب بتلف في بحره، ثم نجاه الله بعد هذا، لربما أحال الفضل إلى الأموات، قال: لولا الولي الفلاني لغرقنا. وليس من أين جاء الولي، هل كان تحت البحر يسبح؟ قال: الولي ميت في قبره، وما الذي أتى به إلى عباب البحار؟ هذه عقيدة كفرية تفرعت من قولهم أن الأولياء يتحكمون في الكون مع الله. وهكذا قس، إذا أصابهم الجذب أو القحط أو الجفاف، ثم أمطروا بعد شدة، نسبوا الفضل إلى الأموات والأولياء والأضرحة: لولا التوابيت، لولا أضرحة السادات في بلادنا لما أمطرنا. هذا من الشرك الأكبر، لأن إنزال الأمطار وكشف الكروب وعلم الغيوب وهداية القلوب إنما هو بيد الله، علم الغيوب جل في علا. وإذا كان إضافة السبب أو النعمة أو الفضل إلى أمر حسي أو ثابت، لكن ما دل عليه الشرع ولا الحس، فهذا من الشرك الأصغر، كحال من يضيف وينسب النعمة إلى التمائم. وأصاب الناس أمراض، مثل ما مضى معنا في زمن كورونا، عافانا الله، فيأتي ويقول: والله لولا الحبل هذا الحبل، رأيتم في العضد، الحبل الأسود، أو ما كان من الحبوب السوداء المعلقة في وسطه أو في عنقه، لولا هذا كنت من المرضى، لكن عفيت بهذا. طبعًا التمام قد مر معنا التفصيل فيها، فهي من الشرك الأصغر إن اعتقدها سببًا من الأسباب. فمن أحال الفضل أو النعمة إلى مثل هذه الأشياء التي ما دل عليها لا الحس وهو الأمر الكوني ولا الشرع، فهو من الشرك الأصغر. الصورة الثالثة من صور الإضافة النعمة والفضل بأسلوب لولا، من أضاف إلى سبب ظاهر، وهذا السبب الظاهر قد دل عليه الشرع أو الحس، دل عليه الشرع أو الحس، كان يقول: لولا العلاج الفلاني لازدادت الحالة. فهل في هذا الشيء الصحيح بهذا الإطلاق أن هذا لا بأس به؟ لا بأس به أن تشير إلى سبب ظاهر دل عليه الحس أو الشرع، فكونك تضيف النعمة إليه، هذا ليس فيه شيء، بشرط أن لا تظن أن هذا السبب مؤثر بنفسه، وأيضا لا تنسى فضل متسبب به. مثاله ما قاله عليه الصلاة والسلام في شفاعته لعمه أبي طالب، أبو طالب مات كافرًا، وحقه أن يكون في النار، وهو لا يزال في النار، لكن نبينا شفع في عمه، فماذا قال نبينا؟ قال: لولا أنا، لولا أنا لكان في النار، أي كان في الأغوار منها. فبشفاعته جعله الله في ضحضاح من النار، فقال عليه الصلاة والسلام وقوله: لولا أنا، فهنا أضاف الأمر إلى نفسه عليه الصلاة والسلام. قال علماء: هذا خرج مخرج الإخبار، خرج مخرج الإخبار، لأنه هذه من الأسباب الشرعية. فكونك تضيف الفضل إلى سبب ظاهر دل عليه الحس أو دل عليه الشرع، مع عدم اعتقاد أنه مؤثر بنفسه، مع تيقنك بأنك ما أنت إلا سبب، وأن مسبب الأسباب هو الله، فهذا ليس فيه شيء، لاستدلالنا بما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام. فالشاهد، إخواني في الله، أنك يا عبد الله، في باب النعم، ينبغي أن تذلل لسانك إلى نسبة النعم والآلاء والمنن إلى الله جل وعلا. كهذا الباب، لو لولا كذا، كان ينبغي أن تقول: لولا الله ثم كذا. هذا الأكمل، وهذا الأفضل، وهذا الأحسن. وأما ما دونه، كما قلنا، من غير اعتقاد، فهو أمر جائز. الأفضل والأكمل أن تظهر توحيدك لله، وأن ما يقوم به بعض الناس من إضافة الفضل إلى الأسباب مع نسيان المسبب لها، فهذا قدح في الشرع، وقدح في العقل. كثير من الناس، بل إذا حدث، قالوا: لولا سيارة، لولا كذا، وهو يتناسى فضل الله عليه. هنا البلية، هنا البلية، أنك تحدث بهذا الفضل، بهذا الخير، وبهذه النعمة، وأنت تتناسى فضل الله عليك. فإن بعض الناس يتجاهل أن هذا السبب ما هو إلا من الله، هو الذي سخره لك. حتى أن من الناس، بل ربما يتقاصر في حمده وشكره لربه، لأنه ما يحس بهذا، لأنه ما علم أن هذا إنما هو بتقدير الله. يذهب وهله المرة الأولى والأخيرة إلى أن الفضل كله لهذا السبب، هذا عين ما عنده من الشرك الأصغر، كما قال العلماء، ومن الشرك اللفظي: لولا كذا لكان كذا، هو أيضا قدح في العقل، وقدح في الشرع. وجه ذلك كما قال العلماء: لأن الذي أوجد السبب هو الله جل وعلا. لو أراد الله أن يلغي هذا السبب، لما كنت كما كنت على الحال الذي أنت الآن تفتخر بهذا السبب، لكنت هالكًا، لكنت ضالا، لكنت مريضًا، لكنت مصابًا، لكنت كسيرًا، لكنت في حال يرثى لها. فالله جل وعلا إنما أوجد لك الأسباب، فلا تتناسى الله سبحانه وتعالى. فليكن دائما شكر الله وحمد الله على لسانك دائما وأبدا. زد على ذلك، يا من تعلق قلبك بالأسباب، اعلم أن الأسباب قد تفعل ولا تأتي بثمرة. ذاك الذي يفتخر على أنه نجاه الله من الحادث بسبب السيارة، لربما تشتري سيارة أفضل السيارة، وقد يبتليك الله بحادث، ويقع الحادث، ولا تنجو السيارة. وكذلك من لربما يذهب إلى أفضل الدكاترة والأطباء على وجه الأرض، يطلب منهم العلاج في بعض الحالات، لربما يفعل هذا كل شيء، ومع ذلك ما يجد المنفعة في هذا السبب، لأن الله ما أراد. ولهذا جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «ليس السنة أن تمطروا، ليس السنة أن لا تمطروا»، السنة هنا بمعنى القحط والجدب والجفاف، ليس القحط والجدب أنكم لا تمطرون، ليس السنة أن لا تمطروا، بل السنة أن تمطروا وتمطروا، ثم لا تنبت لكم الأرض شيئا. هذا قد يقع، تأتي الأمطار تلو الأمطار، والأرض يبقيها الله قاحلة جافة، لماذا؟ لأن الله عطل السبب بمشيئته سبحانه وتعالى. فالإنسان مهما كان مع القول بالأخذ بالأسباب، لكن لا تتكل عليها، لا تعول عليها، لا تعتمد عليها. افعل السبب، واجعل قلبك معلقًا بالله، هو واجد الأسباب، وواجد النتائج جل في علاه. فالحاصل أن هذا الأثر مما فسر به هذه الآية: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾، أن يضيفوا النعم إلى الأسباب لا إلى مسببها، كقول القائل كما قال عون: لولا فلان لم يكن كذا وكذا. وأن التوحيد في مثل هذه الألفاظ أن تقول: لولا الله ثم فلان لكان كذا وكذا. وسيأتي معنا كذلكم عدة آثار على هذا النحو، وعلى هذا المنحى، فيها مثل هذه التنبيهات على هذه الألفاظ الدارجة على ألسن الناس، وفيها نسبة الفضل والنعمة إلى غير الله جل في علاه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.