الدرس في كتاب الصلاة 24، ألقاها
يستحب قرب أولي الأحلام والنهى من الإمام، كما يستحب للرجال الصف الأول وللنساء الصفوف المتأخرة في المسجد الواحد. هذه الترتيبات تعكس التنظيم المطلوب في صلاة الجماعة.
تسوية الصفوف وتراص المصلين واجب، ويجب إكمال الصف الأول قبل البدء بالصف الثاني. كما ناقش المقطع حكم صلاة المنفرد خلف الصف، مما يدل على دقة الالتزام بالآداب الصلاة.
الصلاة بين السواري مكروهة لغير حاجة وقد تصل إلى التحريم، لكن يجوز للإمام أو المنفرد مع سترة الصلاة بين الساريتين. يُستدل على ذلك بأحاديث نبوية توضح الأحكام.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، المسألة السابعة من الباب الثامن من أبواب الصلاة في الإمامة. في الإمامة في الصلاة المسألة السابعة منه، قالوا: أحكام متفرقة في الإمامة والجماعة. ومن الأحكام المتعلقة بالإمام والجماعة غير ما تقدم: واحد، استحباب قرب أولي الأحلام والنهى من الإمام، فيقدم أولو الفضل والعقل والأناه خلف الإمام وقريبا منه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». والحديث أخرجه مسلم رحمه الله تعالى، وجاء من حديث أبي سعيد، ومن حديث أبي مسعود البدري، ومن حديث ابن مسعود رضي الله عنهما جميعا. قالوا: والحكمة في ذلك أن يأخذ عن الإمام ويفته عليه في القراءة إذا احتاج إلى ذلك، ويستخلف منهم من شاء إذا نابه شيء في الصلاة. أي من الأحكام المتعلقة بالإمامة، وما ينبغي أن يكون هو أن يكون الصف الذي وراء الإمام، ولا سيما من يقف خلف الإمام، ينبغي أن يكون من أولي النهى، بمعنى يكون من كان وراء الإمام من أهل العقول والإدراك، وكذلك الفقه والعلم، وذلك لأمور. أولا: كما أشير إليه، إن كان الإمام إماما في العلم، يأخذ من وراءه عنه صفة الصلاة عمليا، وهذا أدعى إلى ضبطها وحفظها. وكم من عالم عرف أنه من أفضل من يصلي الصلاة على وجهها، وذلك لأنه أخذه عن شيخه. ذكر من الأئمة أنه قال: ما رأيت شيخا أعلم بصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أو بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم من ابن جريج. قالوا: وذلك لأنه أخذه عن عطاء ابن أبي رباح، وكان من أعلم الناس بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: وذلك لأن عطاء أخذه عن عبد الله ابن زبير رضي الله عنه وأرضاه، وعبد الله ابن زبير أخذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن هذه فائدة من الفوائد أن أولي الأحلام، كلما كانوا خلف الإمام، أخذوا عنهم العلم، ومن العلم صفة الصلاة، كيف يفعل الإمام في صلاته، متى يكبر، متى يقوم، كيف يفعل عمليا، ينظرون إلى ذلك. وأيضا إذا نابه شيء من الصلاة، كيف يتصرف الإمام في ذلك؟ ومن الأمور التي لأجلها حث العلماء رحمهم الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على هذا الأمر، هو أن الإمام إذا حصل له شيء من الشك أو الغلط في القراءة، فأولي الأحلام يصوبون ويقومون ما وقع من الغلط أو الخطأ. والأمر الثالث: أنه إذا ناب الإمام شيء من السهو في أفعال الصلاة أو في غيرها، كذلك ينبهون الإمام على ذلك السهو أو الخطأ الذي حصل منه. ورابعا: إذا حصل للإمام أنه صلى مثلا وهو على حدث ناسيا للحدث، فتذكر وانتبه أثناء الصلاة أنه على حدث، ماذا يصنع؟ يخرج، وإذا خرج نابه من خلفه من أولي الأحلام والنهى، كما حصل لعمر رضي الله عنه وأرضاه حينما طعنه ذلك المجوسي، فقال: «طعنني الكلب»، وأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، فقدمه إلى الصلاة، وعبد الرحمن بن عوف من أولي الأحلام والنهى. فهذه بعض المعاني التي لأجلها ينبغي أن يكون من وراء الإمام على هذا الوصف. وهذا الأمر للأسف يكاد يكون مهجورا في كثير من مساجد المسلمين، تجد الصغار أو أشباه العوام خلف الإمام، وأما الحفاظ للقرآن وأما طالبة العلم وما شابه ذلك يكونون بعيدين. والصواب هو ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: أنه ينبغي أن يكون أولي الأحلام خلف الإمام، لما ذكر من معان. الثاني: الحرص على الصف الأول، أن ينبغي للجميع أن يحرص على الصف الأول من الرجال. قالوا: يستحب للمأمومين أن يتقدموا إلى الصف الأول ويحرص عليه، ويحذر من التأخر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله». وهذا فيه وعيد لمن تأخر عن الصف الأول عمدا وقصدا. وقوله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا». وفضائل الصف الأول كثيرة، منها أنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يصلي على الصف الأول، أي أن الله جل وعلا يثني عليهم على أصحاب الصف الأول. وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم اغفر لأصحاب الصف الأول»، ثلاثا أو مرتين، وفي الثالثة قال: «والذي يليه، والذي يليه». وفي هذا أحاديث كثيرة تدل على هذا المعنى. وجاء أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: «يا أصحابي ألا تصفون كما تصف الملائكة؟» قالوا: يا رسول الله كيف تصف الملائكة؟ قال: «يصفون الصف الأول، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه». فكلما كان الصف مستقيما، ولا سيما الصف الأول، ففيه من الثمار الطيبة والفوائد العظيمة في الدنيا والآخرة ما الله جل وعلا به عظيم، فينبغي للجميع أن يحرصوا على ذلك. قالوا: أما النساء فيستحب أن يكون في الصفوف المتأخرة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها». وهذا يحمل على ما إذا كان صف النساء وراء صف الرجال، لأن الناس في الزمن الأول كانوا على هذه الهيئة، أي الرجال والنساء يصلون في مسجد واحد ليس بينهما فاصل. لذا ذكر من ذكر من الفقهاء رحمهم الله تعالى أن صف الرجال يبتدئ بالصف الأول، وصف النساء يبتدئ بالصف الآخر. ثم يتقدمهن نساء أخر، يعني كلما جاء نساء تقدمنا على الصف الآخر. فالفضيلة لأصحاب الصف الآخر من النساء، كما أن الفضيلة لأصحاب الصف الأول من الرجال، لهذا الحديث: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها». وترتيب كما سمعتم في صفوف النساء يكون على ما تقدم، هذا إذا كان المسجد واحدا، أي بمعنى أنه لا فاصل بين صفوف الرجال وصفوف النساء. أما في مثل أيامنا هذا، في كثير من مساجد المسلمين، يجعلون مصليات خاصة للنساء ملتصقة بمسجد الرجال، يصلين بصلاة الرجال، فمثل هذا لا بأس أن يبدأ النساء بالصف الأول، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، لأن المعنى الذي لأجله قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها»، غير موجود، وذلك لأن صفوف النساء كلما كانت أولا، وصفوف الرجال كلما كانت أخرا، كلما حصل القرب من الرجال بالنساء، ويحصل معنى من معاني الفتنة. لذا حث النبي صلى الله عليه وسلم على السبق والتقدم في صفوف الرجال، وعلى التأخر في صفوف النساء، لأجل هذا المعنى. الثالث: تسوية الصفوف والتراص فيها، وسد الفرج وإتمام الصف الأول فالأول. قالوا: يستحب للإمام أن يأمر بتسوية الصفوف وسد الفرج قبل الدخول في الصلاة، لفعله صلى الله عليه وسلم ذلك، ولقوله: «سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة». والحديث رواه مسلم، جاء من حديث أنس، وجاء كذلك من حديث غيره. وعن أنس رضي الله عنه قال: «أقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم هكذا من وراء ظهري». والحديث كما ذكر من حديث أنس في البخاري، ورواه مسلم من حديث أبي هريرة. قالوا: وكان أحدنا يلزق كعبه بكعب صاحبه، وقدمه بقدمه. قالوا: ويستحب إتمام الصف الأول فالذي يليه، فإذا كان أخصوا فليكن في آخر الصفوف. قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا تصفون كما تصف الملائكة؟ ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟» فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف». في هذه الفقرة ذكرت عدة مسائل. أولى هذه المسائل: مسألة تسوية الصف والتراص فيه. والصحيح من أقوال أهل العلم أن تسوية الصفوف والتراص فيه واجبة من واجبات الصلاة، أي صلاة الجماعة، ومن واجبات الجماعة تسوية الصف والتراص فيه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سووا صفوفكم». وهذا أمر، والأصل في الأمر أنه يفيد الوجوب، إلا أن تدل قرينة على خلافه. وعلى إخراجه عن ظاهره، ولا قرينة عندنا هاهنا. وقوله: «فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة»، هذا أيضا تعليل لمسألة تسوية الصفوف. وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أقيموا صفوفكم وتراصوا». أمر بعد أمر: «أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري». هذا أيضا يدل على وجوب تسوية الصفوف والتراص. ومن الأمور التي يحصل بها التراص: المحاذاة. ومعنى المحاذاة: أن يوازي كل مصل صاحبه الذي بجانبه، يكون على صف واحد. وهذا يكون إذا حصل ما ذكره أنس رضي الله عنه وأرضاه: أن يلزق المصل كعبه بكعب صاحبه، ومنكبه بمنكب صاحبه. فالمحاذاة كذلك واجبة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سووا صفوفكم، وحاذوا بين المناكب». هذه أوامر كلها تدل على الوجوب. وينبغي كذلك أن تكون المحاذاة كما ذكر: بإلزاق الكعب بالكعب، والركبة بالركبة، وكذلك المنكب بالمنكب، لأن هذا به يتحقق معنى المحاذاة، ومعنى التراص، ومعنى تسوية الصفوف الذي حث عليها وأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن الأمور كذلك المتعلقة بتسوية الصفوف: أن لا يبتدأ الإنسان الصف الثاني إلا بعد أن يكتمل الصف الأول. فمن ابتدأ صفا قبل انتهاء الصف الأول، فقد وقع في الإثم، لأنه خالف الواجب، لأن الواجب أن لا يبتدأ بصف قبل أن ينتهي من الصف الأول، كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «سووا صفوفكم»، وذكر أنه يعني في تسوية الصفوف: أن يكمل الصف الأول فالأول. وما كان من نقص فليكن في الصف الآخر. ومنها هنا نعلم خطأ بعض المستعجلين في هذا الباب، فيجد الصف الأول أو الثاني ما اكتمل، ويبدأ فيصلي بصف جديد. وهذا كما سمعتم لا يجوز، وهل تبطل الصلاة باعتبار أنه فعل محظورا من محظورات الصلاة؟ في المسألة خلاف بين أهل العلم. يعني ننتبه يا جماعة إلى هذه المسألة التي تساهل فيها كثير من الناس. إذا ابتدأ الصف، يعني من تهيأ الصف الأول، فابتدأ وعمل صف آخر قبل أن ينتهي الصف الذي قبله، قلنا: الصحيح أن إكمال الصف الأول واجب، فهو آثم، فهل تبطل صلاته بفعله ذلك؟ خلاف بين أهل العلم. والصحيح من أقوال أهل العلم: أنها لا تبطل بذلك، ولكن تكون الصلاة صحيحة مع الإثم، لأن المحظور الذي فعله ليس في الصلاة، ولكن في تسوية الصفوف، في أثناء الصلاة، وهو واجب منفرد، ليس مما هي الصلاة. وهذا الذي رجحه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، وكذلك العلامة العثيمين رحمه الله. الجميع إذن هو آثم، وصلاته صحيحة، لكن مع إثم. إذن ننتبه لهذا الأمر، وكذلك من تسوية الصفوف: من الأمور التي ينبغي أن نتنبه لها، مسألة أن الإنسان إذا ما اكتمل الصف، يفعل إنسان صفا لوحده في طرف، أو يبتدئ الصف في طرف، واحد أو اثنان أو ثلاثة، هذا كذلك لا يجوز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله». وهذه دعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأيضا فاعل هذا الفعل لم يكن فاعلا لما أمره به نبيه صلى الله عليه وسلم، بقوله: «سووا صفوفكم، وحاذوا بين المناكب والأعناق»، إلى غير ذلك من الأوامر الدالة على وجوب التراص، وألا يكون هناك فرجة بين المصلي وأخيه. بقي أمر آخر: وهو هل من واجبات تسوية الصفوف أن يلزق الكعب بالكعب؟ أم يكتفى بذلك أن يكون متحاذيين متوازيين، ويسدون الفرج، بحيث لا تكون فرجة بين المصلي والمصلي؟ فالجواب: أنه إذا حصل هذا المعنى الذي هو التراص، وانسداد الفرج، بدون تسوية الكعب، أو بدون إلزاق الكعب بالكعب، فيكون هذا من الأمور المستحبة، الذي يدل على استحبابها فعل الصحابة لها رضي الله عنهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وإن لم يكن إلا بها، أي لا يكن تسوية الصفوف إلا بها، ولا يحصل سد الفرج إلا بها، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والله تعالى أعلى وأعلم. الرابع: صلاة المنفرد خلف الصف. قالوا: لا تصح صلاة الرجل وحده منفردا خلف الصف، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف». ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي وحده خلف الصف، فأمره أن يعيد الصلاة. الحديث الأول: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف»، ذكرها هنا أنه رواه أحمد، وابن ماجه وغيره، وهذا اللفظ المذكور ها هنا لفظ ابن حبان، وسنده صحيح، من حديث علي بن شيبان الحنفي رضي الله عنه وأرضاه. ورواه أحمد رحمه الله تعالى بنحوه. والحديث الآخر: وهو حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وحده خلف الصف، فأمره أن يعيد الصلاة، كما ذكر، رواه أحمد وأبو داود وغيرهم، من حديث أبي بصرة ابن معبد رضي الله عنه وأرضاه، وإسناده صحيح أيضا. والحديثان يدلان على ما ذكر هنا، وهو أنه لا يجوز للإنسان أن يصلي منفردا خلف الصف. وهذا يتصور في صلاة الجماعة، إذا جاء إنسان والصف قد اكتمل، وما وجد فرجة يدخل فيها، فماذا يصنع؟ هل يصلي؟ الجواب: لا يصلي، ينتظر حتى يأتي من يصلي معه، لأنه إذا صلى فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف». إذا صلى، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف». والنفي كما ذكرنا: إما أن يكون لماهية الشيء، وإما أن يكون لصحته، وإما أن يكون لكماله. وها هنا النفي لماهية الشيء غير متصور، لأنه قد حصل أن من الناس من يصلي وراء الصف. إذا ننتقل إلى الذي يليه، وهو أن النفي ها هنا نفي صحة. ولا دليل يصرف إلى الذي يليه، وهو أن النفي لكمال. وأما ما جاء في حديث أبي بكرة رضي الله عنه وأرضاه: وما جاء كذلك في نحوه، أنه دخل الصف والنبي صلى الله عليه وسلم راكعا، فركع دون الصف، ثم دب حتى دخل في الصف. فهذا كما قال علماء رحمهم الله تعالى: إذا رفع الإمام رأسه قبل أن يصل إلى الصف، يكون حكم من صلى خلف الصف. وأما من دخل وأدرك الإمام وهو راكع، فيكون المعتبر بإدراكه للإمام وهو راكع في الصف. فهذا هو الجواب عن حديث أبي بكرة رضي الله عنه وأرضاه، الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله. إذن لا يجوز للمصلي أن يصلي منفردا خلف الصف، فإن صلى فصلاة باطلة، ويجب عليه إعادتها، لما تقدم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف»، ولما حصل من أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي خلف الصف، فأمره أن يعيد الصلاة. وهذا واضح في أن من صلى وراء الصف، فإن صلاته ليست بصحيحة. بقي من الأمور المتعلقة كذلك بصفوف ومسائل الصفوف: مسألة الصلاة بين السواري. فقد نقل طائفة من أهل العلم الكراهة، وبعض أهل العلم نقل أو ذكر أن الحكم فيه للتحريم، بمعنى أنه يحرم أن يصلى بين السواري لغير حاجة. استدلوا هؤلاء بما رواه الإمام ابن ماجه وغيره، بما رواه أولا أبو داود والترمذي وغيرهما، من حديث أنس: جاء في حديث عبد الحميد بن محمود قال: «صلينا خلف أمير من الأمراء، فاضطررنا الناس، فصلينا بين الساريتين، فلما صلينا قال أنس بن مالك: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم». والحديث صحيح، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغيره. وكذلك استدلوا بحديث قرة بن إياس رضي الله عنه وأرضاه، قال: «كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونطرد عنها طردا». والحديث رواه ابن ماجة، وحسنه الألباني رحمه الله تعالى. ومجموع الحديثين يدل على هذا المعنى، أي أن الصلاة بين السواري أقل أحوالها بأنها مكروهة، وإلا فقد ذهب طائفة من أهل العلم إلى أنها محرمة. وللعلامة الألباني رحمه الله تعالى بحث ماتع في كتابه «الصحيحة»، يعني له تعليق، لمن أراد الرجوع إليه، عند حديث قرة بن إياس في «الصحيحة» برقم 335. فالحاصل من هذا: أن هذا كما سمعتم، أنه يقال: أقل أحوالها بأنها مكروهة، أي الصلاة بين السواري لغير حاجة. يكون مسجد كبير مثل هذا المسجد، فيصلي بعض الناس بين السواري، وإلا القول بالتحريم قوي، ولا سيما إذا علمنا العلة التي لأجلها نهى عن الصلاة بين السواري. ذكر العلماء رحمهم الله تعالى عللا، وأقواها: أن الصلاة بين السواري سبب لتقطيع الصف، فإذا كان كذلك، فيجب أن لا يصلى بين السواري، لأجل إتمام الصفوف والتصاقها، وكمال الصفوف. فإذا هذا من هذه المعاني. وبعضهم ذكر معنى آخر: أنه موضع لمواضع النعال. وبعضهم ذكر تعليلا ثالثا: وأنه مصلى للجن. والمهم كما سمعتم: أن أقوى التعليلات هو الأول: أنه سبب لتقطيع الصف. ها هنا في مسألة الصلاة بين السواري تنبيهان: وهو أنه يجوز للإمام أن يصلي بين الساريتين، لماذا؟ يجوز للإمام لأنه لا يتقطع به الصف. الأمر الثاني: المنفرد، إنسان إذا صلى منفردا، وأخذ له سترة، وصلى بين الساريتين، كذلك لا حرج في ذلك، لماذا؟ لأنه ليس فيه معنى من معاني تقطيع الصف. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح البخاري وغيره، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن أسامة بن زيد، أنه قال: «بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بين الساريتين في الكعبة، في جوف الكعبة». فاستدل به على هذا المعنى، أي أن الصلاة المنفرد بين الساريتين جائزة إذا كان له سترة. وكذلك صلاة الإمام بين الساريتين، لأنه لا يحصل فيه معنى من معاني تقطيع الصف. بقي صورة أو مسألة ثالثة، وهي ذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى، قالوا: إذا كان الصف صغيرا، يعني قرية معروف عدد المصلين فيها، يصلي فيها مثلا ثلاثة أو أربعة أشخاص، هل لهم أن يصلوا بين السارية أو بين الساريتين؟ قال فقهاء: على التعليل الأول، لا بأس، لماذا؟ لأنه لا يحصل فيه معنى من معاني تقطيع الصف. والأمر كما ذكر، والأولى أن يصلى إن كان هناك سعة، أن يصلى بعيدا عن الساريتين. بقي أمر رابع: وهو إذا ضاق المسجد بالمصلين، وليس عندهم مكان يصلون فيه، فإما أن يصلوا مثلا يتقدموا فيصلوا بين السواري، وإما أن يصلوا مثلا خارج المسجد، وفي الشوارع، فما هو الأولى؟ فالأولى في مثل هذا: أن يصلوا في داخل المسجد بين السواري. وهذا يكون من الضرورات، أو قل: من الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة. والله تعالى أعلى وأعلم.