الدرس في كتاب الصلاة 39، ألقاها
تطرق الدرس إلى أهمية الصلاة على الميت وفضل اتباع الجنازة، وتناول سنن الصلاة على الميت ووقتها.
شرح المقطع كيفية صلاة الجنازة، بما في ذلك موقف الإمام والمنفرد، وعدد التكبيرات، وما يقال بعد كل تكبيرة.
يستحب الدعاء للميت بما ورد في السنة النبوية، ويختلف الدعاء حسب جنس الميت وعدده، وتناول كيفية التعامل مع من فاتته صلاة الجنازة.
لا تجوز الصلاة على الجنين إذا سقط قبل أربعة أشهر، ويصلى عليه إذا سقط بعدها لأنه يكون قد نفخت فيه الروح.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، توقفنا في الدرس الماضي عند المسألة الخامسة، وهي شروط الصلاة على الميت، وأركانها، وسننها. ومضى الكلام على الشروط والأركان، وتوقفنا عند الأمر الثالث، وهو سننها. ومن سننها رفع اليدين مع كل تكبيرة، والاستعاذة قبل القراءة، هو أن يدعو لنفسه وللمسلمين، والإسرار بالقراءة. أي: هذه من سنن صلاة الجنازة. من سننها رفع اليدين مع كل تكبيرة. وهذه مسألة وقع فيها الخلاف بين الفقهاء، وهي هل ترفع اليدين مع كل تكبيرة، أم أنها ترفع في تكبيرة الإحرام فحسب؟ فذهب بعضهم إلى الأول، وذهب بعضهم إلى الثاني. ومن ذهب إلى أنها ترفع في كل تكبيرة، استدل بما جاء عن بعض الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. جاء عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا كبر على الجنازة رفع يديه عند كل تكبيرة. وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن الرفع إنما يكون في التكبيرة الأولى فقط؛ لأنه هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت عنه سوى ذلك. ومع هذا الأمر في هذا واسع؛ بمعنى أن من كبر ورفع يديه عند كل تكبيرة كما فعل ابن عمر، فلا شيء عليه. ومن رفع يديه في التكبيرة الأولى، في تكبيرة الإحرام، فهو الأظهر والأقرب، والله أعلى وأعلم. كما سمعتم أن الأمر في ذلك واسع. هذه من المسائل التي الأمر فيها واسع. قالوا: الاستعاذة قبل القراءة، أي قبل قراءة سورة الفاتحة. وصلاة الجنازة لا يقرأ فيها إلا بسورة الفاتحة؛ أي لا يقرأ فيها بسورة أخرى، إلا إن أطال الإمام، تأخر الإمام، فلا بأس أن يقرأ في هذا الوقت بما تيسر من القرآن. وإلا فإن الأصل أن يقرأ بسورة الفاتحة. يدل على هذا ما جاء في أثر ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى على جنازة، فجهر بسورة الفاتحة، ثم كبر إلى آخر الحديث. ثم قال: فعلت ذلك لتعلموا، أو كما قال رضي الله عنهما. فالشاهد من هذا أنه ما قرأ إلا سورة الفاتحة. قالوا: أن يدعو لنفسه وللمسلمين، أي من سننها أن يدعو كذلك بعد أن يدعو للميت، يدعو لنفسه، ويدعو كذلك للمسلمين. والإسرار بالقراءة، أي من سننها كذلك الإسرار بالقراءة، سواء كان في الليل أو النهار، سواء كانت الجنازة في الليل أو كانت الجنازة في النهار. لا يقال بأن الصلاة الليلية يجهر فيها بالقراءة. بل صلاة الجنازة، سواء كانت في ليل أو نهار، لا يجهر فيها بالقراءة. هذا أو هذه هي السنة. المسألة السادسة: وقت الصلاة على الميت، وفضلها، وكيفيتها. أما وقت الصلاة على الميت، يبدأ بعد تغسيله وتكفينه وتجهيزه، إن كان حاضرا، أو بلوغ خبر وفاته إن كان غائبا. والأمر كما ذكر، والأصل في ذلك الإسراع بعد التجهيز. إن جهزت الجنازة بتغسيل الميت وتكفينه وحضور من يصلون عليه، فإنه يصلى عليه. قال: فضلها. قال صلى الله عليه وسلم: «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان». قيل: وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين». والحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة. والحديث كما هو مفصل واضح، أن من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط؛ بمعنى أن من تبعها حتى تصلى، أو حتى يصلى عليها، حتى يصلي عليها ثم انصرف، إذا انصر فله قيراط بإذن الله عز وجل. وإن جاء آخر مثلا فدخل أو رأى جنازة يصلى عليها، فصلى معهم على الجنازة، ثم تبعهم حتى تدفن، فله قيراطان. أو فله قيراط. ومن شهد الجنازة وتبعها إلى أن يصلى عليها، ثم بعد الصلاة عليها تبعها إلى أن تدفن، فله قيراطان. فله قيراطان. إذن يدرك أو يدرك القيراطان باتباع الجنازة إلى أن يصلى عليها، إلى أن تدفن. ومن تبعها إلى أن يصلى عليها فله قيراط، كما هو نص هذا الحديث: «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان». لذا ذكر العلماء -رحمهم الله تعالى- أن اتباع الجنازة والانصراف منها على ثلاثة أقسام. القسم الأول: أن يتبع الجنازة حتى يصلى عليها، ثم ينصرف، هذا يقال فيه أنه تبع الجنازة، وله قيراط. وله قيراط كما هو ظاهر هذا الحديث. وقد قال الإمام أبو داود -رحمه الله تعالى-: رأيت كثيرا الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يصلي على الجنازة ثم ينصرف، ولا يتبعها. الثاني: أن يتبعها حتى يوضع في اللحد، ويصف عليه اللبن، ثم ينصرف. الثالث: يتبعها حتى تدفن، أن يوضع عليها اللبن، ثم يهال عليها التراب، ثم ينصرف. وهذا أكمل. وهذا هو الأكمل. وجميعها يقال بأنه اتبع الجنازة. ومن باب الشيء بالشيء، يذكر بعض الناس يقولون: ربما خرجنا في بعض الجنائز، وفيها بعض البدع، ويقف ذلك بظهور السنة. فبعض الجنائز تعرفون إذا خرجت تجد بعضهم يقول: لا إله إلا الله، وما شابه ذلك. هل يتبعها؟ وبعضهم إذا دفن الميت، وضعه في القبر، نزل إنسان يلقن الميت: إذا جاءك الملكان فسألانك من ربك؟ فقل: ربي الله، إلى آخر ذلك. وهذه من البدع. لم يثبت هذا الفعل من فعله، ولا من قوله، ولا من إقراره. ولم يفعله كذلك أحد من الصحابة الكرام -رضي الله عنهم وأرضاهم-. وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه كذلك صحابته الكرام. وكل محدث بدعة. ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. فهل يتبعها؟ وهل يشهد ذلك؟ الجواب: أنه إن كان في اتباعه لها مصلحة، وقد يخفف الشر، ويعلم الجاهل، وينبه الغافل، وما شابه ذلك، تبعها. وكذلك إن لم يكن في حضوره تغرير بالغير. يقال: قد حضر الجنازة فلان وفلان، ولم ينكر ذلك. فهذا يدل على أنهم يقرون ذلك. فأشهد أنه متى ما ترجحت المصلحة، تبعها. والأصل اتباع الجنائز، إلا أن يكون فيها شيء من المحرمات والبدع التي تمنع من ذلك. والله أعلى وأعلم. الثالث: كيفيتها. قالوا: أي كيفية الصلاة على الجنازة؟ قالوا: كيفيتها: يقوم الإمام والمنفرد عند رأس الرجل، ووسط المرأة؛ لثبوت ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه عنه أنس. والحديث كما ذكر في التخريج رواه أبو داود وغيره، وحسنه العلامة الألباني -رحمه الله- أو صححه. فالشاهد من هذا أن المصلي على الجنازة، أي الإمام الذي يصلي على الجنازة، يقف أمام رأس الرجل، وأما المرأة فيقف عند وسطها. وإذا كان اجتمع في جنازة رجل وامرأة، جعل الرجل مما يليه، وجعل المرأة مما يلي القبلة. وجعل رأس الرجل عند وسط المرأة؛ حتى يتسنى له الوقوف عند رأس الرجل وعند وسط المرأة. واضح هذا. إذا كان ثم صغير، هناك صغير أيضا يؤخر إلى جهة القبلة. قالوا: ثم يكبر الإحرام، ويتعوذ بعد التكبير، ثم يسمي، أي يسمي قبل قراءة الفاتحة. ثم يقرأ الفاتحة سرا، ولو كان ذلك بالليل. وأيضا مما ينبه عليه أن صلاة الجنازة ليس فيها دعاء استفتاح. صلاة الجنازة ليس فيها دعاء استفتاح، وإنما كما ذكر يبدأ بالفاتحة بعد التكبيرة، بعد أن يكبر يبدأ بالفاتحة مباشرة. بعد أن يتعوذ، وبعد أن يقرأ البسملة. قالوا: ثم يقرأ الفاتحة سرا كما تقدم، ولو كان ذلك بالليل. ثم يكبر، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم كما يصلي في التشهد؛ أي في التكبير الثانية، يقرأ بالفاتحة، ثم إذا كبر التكبير الثاني يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم كما يصلي في التشهد: «اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إلى آخر الحديث». قالوا: ثم يكبر، أي التكبيرة الثالثة. وإذا كبر التكبيرة الثالثة، قالوا: ثم يكبر ويدعو للميت بالدعاء الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ يدعو للميت بالدعاء الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أي إن كان يحفظ ذلك الدعاء. وهذا مما ينبغي أن ينبغي للمسلم أن يحفظ هذه الأدعية المأثورة في صلاة الجنازة. لكن من لم يكن حافظا له، أو قادرا على الحفظ، فإن المقصود في الدعاء للميت: الاستغفار له، والترحم. فيكثر: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تجاوز عنه، اللهم اعف عنه، وما شابه ذلك. يدعو له بالمغفرة والعفو والرحمة. هذا إذا لم يكن حافظا للأدعية المأثورة. وأما إن كان حافظا، فليقل كما ذكر، ويدعو للميت بالدعاء الوارد عن نبي صلى الله عليه وسلم. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان». وهذا الحديث رواه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة، وهو حديث صحيح، صححه العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- كما في كتاب «إرواء الغليل». اللهم اغفر له. وأيضا من الأدعية أن يقول: «اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وقه من عذاب القبر أو عذاب النار». وهذا إن كان الميت ذكرا. إن كان الميت ذكرا. أما إن كانت أنثى، فذكر بعض أهل العلم أنه لا بأس بأن تؤنث الضمائر. يقال: اللهم اغفر لها، وارحمها، وما شابه ذلك. وإذا كانوا جماعة -يعني مثل رجل وامرأة، أو كانوا عدة جنائز ذكور أو ذكور وإناث أو إناث أو أطفال وكبار أو ما شابه ذلك- فيدعى بالجمع. يقال: اللهم اغفر لهم. اللهم اغفر مثلا لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وهذا عام: وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، إلى آخره. لكن في آخره: اللهم اغفر لهم. يقال: اللهم اغفر لهم، بالجمع. وإن كانت أنثى بالتأنيث: اللهم اغفر لها، اللهم ارحمها، وهكذا. قالوا: وإن كان الميت صغيرا، قال: «اللهم اجعله سلفا لوالديه، وفرطا وأجرا». والحديث -يعني هذا- إنما روي من قول الحسن البصري -رحمه الله تعالى-، وهو بهذا اللفظ لم يثبت. وهو بهذا اللفظ لم يثبت عن الحسن -رحمه الله تعالى-. روى عبد الرزاق وغيره، ولم يثبت. وإنما ثبت عن الحسن بلفظ: «اللهم اجعله لنا فرطا، واجعله لنا أجرا». قالوا: ثم يكبر، ويقف بعدها قليلا، أي يكبر تكبيره الرابع، ويقف بعدها قليلا. وإن دعا بما تيسر فحسن؛ كأن يقول: «اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده». أي فذلك حسن. وهذا جاء في حديث أبي هريرة السابق في ضمن الدعاء في التكبير الثالث. ومن قال بعد تكبير الرابع، فالأمر في ذلك واسع بإذن الله عز وجل. قالوا: ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه. وهذا نقل فيه الإجماع عن الصحابة، بعضهم نقل إجماع الصحابة على أنهم كانوا يسلمون في الجنازة تسليمة واحدة. والخلاف ذكر في المسألة عن التابعين وغيرهم: أنه يسلم تسليمتين كبقية الصلوات. والأمر في ذلك واسع. والأمر في ذلك واسع؛ أي إن سلم تسليمة واحدة فحسن، وإن سلم تسليمتين كذلك حسن. قالوا: ثم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه. وإن سلم تسليمتين فلا بأس به. ومن فاته بعض الصلاة، دخل مع الإمام كما تقدم معنا: دخل مع الإمام، ما فاتكم فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا. وإذا سلم قضى ما فاته على صفته. ومن فاتته صلاة الجنازة قبل الدفن، فله أن يصلي على القبر؛ لفعله صلى الله عليه وسلم ذلك في قصة المرأة التي كانت تقوم بالمسجد. أي أن من فاتته صلاة الجنازة، جاء وصل إلى المكان وقد صلى الناس على الميت وقد دفنوه، فهل له أن يصلي على القبر؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ذلك لا بأس به. وبعض أهل العلم كره المداومة على ذلك؛ كره المداومة على ذلك؛ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه صلى على كل واحد لم يصلي عليه، وقفه على قبرها. وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم. قالوا: ولفعله صلى الله عليه وسلم ذلك في قصة المرأة التي كانت تقوم بالمسجد. ويصلي على الغائب عن البلد عند العلم بوفاته، ولو بشهر أو أكثر. وهذا والصحيح: أن الإنسان يصلي على الغائب عن البلد عند العلم بوفاته، ولو بشهر أو أكثر. إنسان ما علم بوفاته إلا بعد شهر أو أكثر، فالصحيح أنه يصلى عليه. وبعضهم قيدوا ذلك بشهر. وجاء في ذلك عن سعيد بن المسيب بسند صحيح: أن أعلى مدة شهر. لكن ليس عليه دليل. فمتى علم صلى؟ متى علم به صلى؟ قالوا: ويصلي على السقط إذا تم له أربعة أشهر فأكثر. وإن كان أقل من ذلك فلا يصلى عليه؛ لأنه بعد الأربعة الأشهر قد نفخ فيه الروح، وصار إنسانا؛ لأن الإنسان مجموع الروح والجسد. وأما قبل الأربعة الأشهر فلا؛ فليس بإنسان، فلا يصلى عليه. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.