كتاب التفسير من صحيح البخاري 225

كتاب التفسير من صحيح البخاري 225

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 225، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

رواة حديث مبايعة المؤمنات وأحوالهم

يستعرض هذا المحور سلسلة رواة حديث باب إذا جاءك المؤمنات يبايعنك بدءًا من أبي معمر وعبد الوارث وأيوب السختياني وحفصة بنت سيرين وصولًا إلى أم عطية الأنصارية، مع تفصيل أحوالهم العلمية والجرح والتعديل ومناقشة اتهام بعضهم بالقدر وموقف الأئمة منهم.

بيعة النساء والنهي عن النياحة

يروي المقطع حديث أم عطية في بيعة النساء للنبي صلى الله عليه وسلم على عدم الشرك وترك النياحة، وتطلب امرأة الإذن للوفاء بعهد جاهلي في النياحة المتبادلة فيسكت النبي فتنصرف ثم تعود لتبايع، مما يعكس شدة تمسك الصحابيات بالعهود والمواثيق.

تدرج تحريم النياحة والجمع بين الأحاديث

يناقش المقطع الإشكال في إذن النبي ﷺ لامرأة بالنياحة مع أخرى رغم تحريمه الشديد لها، ويستعرض أقوال العلماء في الجمع منهم من جوز النياحة بلا مظاهر جاهلية ومنهم من قال إن الإذن كان للبكاء لا للنياحة، والراجح أن النياحة كانت مكروهة ثم حرمت في بيعة النساء ثم شُدِّد فيها.

توقيت بيعة الرضوان ونهي النبي عن النياحة

يرجح العلماء أن بيعة الرضوان وقعت بعد صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة، ويُحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى بعد ذلك عن النياحة وشدد في النهي عنها، مما يرفع الإشكال الوارد في الحديث.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب إذا جاءك المؤمنات يبايعنك». قال: حدثنا أبو معمر، وهو ابن أبي الحجاج، الذي لُقب بالمقعد، كان حافظًا كبيرًا ثقة ثبتًا، إلا أنه كان قدريًا، وأخذ عليه القدر، وأخذ القدر من عبد الوارث، وكان راوية عبد الوارث. قال: حدثنا عبد الوارث، وهو ابن سعيد التنوري البصري العنبري مولاه، وعبد الوارث كان أيضًا من الحفاظ، من الثقات، وكان شعبة يثني عليه، فعبد الوارث يعتبر من أخص أصحاب أيوب، ورمي بالقدر كذلك، إلا أنه ما كان يتكلم به، ولهذا كان ولده عبد الصمد يحلف أن أباه ليس قدريًا، ويحلف أنه ما سمعه يتكلم في القدر، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في التقريب: «رمي بالقدر ولم يثبت عنه»، والظاهر أنه كان يقول بالقدر لكنه كان لا يتكلم به، كما قال يحيى بن معين رحمه الله: «أنا ما كانوا يتكلمون بذلك لكنهم يرون ذلك المذهب»، فلهذا أخذ عنهم الحديث، وأخذ عنهم الحديث، وقد كان بعض السلف يحذر منه كحماد بن زيد وهمام وغيرهم. قال: حدثنا أيوب، وهو ابن أبي تميم السختياني، إمام أهل البصرة بعد الحسن وابن سيرين، عن حفصة بنت سيرين، وحفصة هي أم الهُذَيل، كانت امرأة فقيهة من خيرة النساء، وما كان أحد مثلها في وقتها، رحمه الله وفضلها، كثير ممن رآها حتى على أخيها محمد في زهدها وعلمها، فكانت فقيهة من فقهاء التابعين، نعم المرأة تلك الحفيظة رحمه الله، حفصة بنت سيرين من هذيل. قالت: عن أم عطية رضي الله عنها، وأم عطية هي أنصارية، قيل أن اسمها نسيبة، وقيل أنها نسيبة بفتح النون، والظاهر هذا أنها نسيبة بنت كعب، وقيل بنت الحارث، وليست هي أم عبد الله بن زين، فتلك أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية الأنصارية، وأما هذه أم عطية فهي امرأة فقيهة من فقهاء الصحابيات، وكانت ممن أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بغسل ابنته زينب، وكانت أيضًا ذكروا عنها أنها كانت من الخاتنات التي يختن في المدينة، وأجعت إلى البصرة، وأخذ منها نساء البصرة حفصة وغيرهم، أخذوا منها علمًا عظيمًا. قالت: «بُعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقرأ علينا: ﴿ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ﴾، ونهانا عن النياحة». قال: فقبضت امرأة يدها، فقالت: «أسعدتني فلانة، فأريد أن أجزيها». قال: فما قال لها النبي عليه الصلاة والسلام شيئًا، فانطلقت ورجعت، فبايعها. ومعنى هذا الحديث في المبايعة التي حصلت كما تقدم معنا، التي بايع فيها النبي صلى الله عليه وسلم النساء المهاجرات، أو أقصد النساء المسلمات من المهاجرات والأنصار، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبايعهن على ما ذكر الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ﴾، فكان يبايع النبي صلى الله عليه وسلم النساء على هذه البيعة، وأيضًا من البيعة أنه ينهاهم عن النياحة، ينهى النساء لكثرة النياحة في ذلك الوقت، فكان ينهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن النياحة، ثم جعلها في البيعة. لكن امرأة من النساء، وجاء في رواية النساء أنها هي أم عطية نفسها، فقالت: «أسعدتني فلانة»، أسعدتني معنى أنها بكت معي وناحت معي في مصيبتي، وفي وفاة قريبي، فإني سأسعدها، والمراد أن مات قريبًا لها فأرادت أن تعينها على النياحة، فقوله: «أسعدتني» أي أعانتني على النياحة أو على البكاء، فلذلك قالت قبل أن تبايع النبي صلى الله عليه وسلم: «سأسعدها»، فذهبت ثم رجعت وبايعت النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا يدل على ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من شدة التمسك بالميثاق والعهد، فإنها لما رأت عهدًا فلم تعاهد حتى أدت الذي عليها، أو الذي تراه أنه عليها، وكأن ذلك في الجاهلية يعتبر، أو يعتبر عند النساء مثل الدين، فإذا جاءت المرأة إلى امرأة أخرى وبكت معها فهي كأنه دين معها، فإذا جاء وقت بمعنى حزنها فتذهب وتبكي معها، أنا كأنها ترد هذا الذي فعلته، فيقولون: «أسعدتني فلانة» فتسعدها. وهنا فيه إشكال: كيف النبي عليه الصلاة والسلام أجاز لها أن تذهب وتَنُوح، أن تذهب وتَنُوح مع تلك المرأة؟ وقد جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «اذهبي فاسعديها، اذهبي فاسعديها»، فلذلك حصل عن عدة أقوال في الجمع بين هذا الحديث، حتى أنه قال بعض المالكية: لا بأس بالنياحة إذا لم يكن معها شيء من أمر الجاهلية من لطم الخدود أو شق الجيوب أو غيره، وهذا قول خطأ وغلط، فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن النياحة بشدة، حتى قال: «النائحة إذا لم تتب يقام عليها يوم القيامة سربال من قطران ودرع من جرب»، حتى اشتد عليها العذاب، فلذلك فالنياحة محرمة ومن عادات الجاهلية. لكن بعض العلماء يقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يأذن لها في النياحة، وإنما أذن لها في البكاء، أذن لها في البكاء مع تلك المرأة، والبكاء جائز. وقيل وهو الذي رجحه الحافظ وغيره: أن النياحة كانت مكروهة، يعني ليست محرمة، ثم لما أدخلها النبي صلى الله عليه وسلم في المبايعة صارت محرمة على النساء، صارت محرمة على النساء، ثم شدد النبي عليه الصلاة والسلام فيها، فلذلك لما جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام في بعض من يبكى عليه كعبد الله بن عمر بن حرام وغيره، فقال: «أتبكون أو لا تبكون؟» قال: «ابكوا أو لا تبكوا، ما سيضير هذا ولا هذا»، فدل على أن النياحة كانت مكروهة، ولم يشدد النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الأمر، لكن لما رأت هذه المرأة أن النبي صلى الله عليه وسلم سيبايع على ذلك، أو سيبايعها على ذلك، قالت: يا رسول الله، إذن لي أن أسعد فلانة كما أسعدت، فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاءت وبايعت على النهي عن النياحة، ثم شدد النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك. وهذه المبايعة أكثرها العلماء على أنها حصلت بعد الحديبية، هذه المبايعة حصلت بعد الحديبية، معناها بعد السنة السادسة، وهذا ممكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم نهى بعد ذلك عن النياحة وشدد فيها، فهذا إن شاء الله تعالى ما ذكره العلماء في الاستشكال في هذا الحديث، فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.