الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 224، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع سند حديث البخاري في باب مبايعة المؤمنات المهاجرات موضحاً رجال الإسناد من إسحاق بن منصور إلى الزهري وعروة عن عائشة، مع تفصيل حال الراوي أبي ذر الهروي. ويبين متن الحديث الذي يصف امتحان النبي صلى الله عليه وسلم للنساء المهاجرات بالآيات من سورة الممتحنة، ومبايعتهن بالكلام دون مصافحة.
بعد صلح الحديبية وشرط رد من يأتي من قريش، هرب أبو جنديل وأبو بصير وتكونت مجموعة تعترض قوافل قريش، مما دفعهم لطلب إلغاء الشرط. وفي ذات الفترة هاجرت نساء مؤمنات مثل أم كلثوم بنت عقبة، فسألن النبي صلى الله عليه وسلم عدم ردهن لتحمل الفتنة، فأنزل الله آية امتحان المؤمنات المهاجرات في سورة الممتحنة.
يشرح المقطع آية الامتحان التي نزلت في المؤمنات المهاجرات لاختبار صدق إيمانهن وتمييز من هاجرن لله عن من هربن من أزواجهن فقط، ويبين أن النبي ﷺ قبل ظاهرهن ووكل سرائرهن إلى الله. كما يوضح صيغة البيعة الخاصة بالنساء التي تضمنت التزامهن بعدم الشرك والسرقة والزنى وقتل الأولاد والبهتان والعصيان في معروف، مع التنبيه إلى أن قصة اعتراض هند بنت عتبة على البيعة غير ثابتة.
تذكر أميمة بنت رقيقة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يصافحهن عند البيعة، فأجاب بأنه لا يصافح النساء. يُستدل بهذا الحديث على تحريم مصافحة النساء الأجنبيات، وهو من أسباب نزول آية الحجاب أو آداب البيعة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات». قال: حدثني إسحاق. وإسحاق الظاهر هنا هو ابن منصور الكوسج، وذكر بعضهم أنه إسحاق بن إبراهيم، لكن غالبًا إسحاق بن إبراهيم يأتي بعده «أخبرنا». قال: حدثنا يعقوب. وجاء في بعض النسخ «أنبأنا». وهنا ذكر الحافظ قال: «في غير رواية أبي ذر». أبو ذر من يعرف أبو ذر؟ أبو ذر هنا هو أبو ذر الهروي، وهو من تلاميذ الدارقطني، أخذ الحديث عن الدارقطني وغيره، وأخذ الأشعرية عن أبي بكر الباقلاني. ولما ورد إلى المغرب — وهو مغربي هروي — أقصر معنا، لما ذهب إلى الأندلس جاء لهم بعقيدة الأشعري، وكان عندهم عقيدة المالك، أو مالك، عقيدة أهل السنة، فجاء لهم أبو ذر بعقيدة الأشعري، فقال له بعض العلماء: «من أين لك هذه العقيدة؟ إن هذه ليست عقيدة أهل السنة». فذكر قصة حصلت بين الدارقطني وأبي بكر الباقلاني، وقال الدارقطني لأبي ذر: «هذا أبو بكر الباقلاني إمام المسلمين»، فلهذا التزمه وتعلم منه عقيدة الأشعري، وهو من رواة البخاري، فهو أفضل من رواة البخاري عن الكشميهني، وهناك قد روى عن الكشميهني أكثر من واحد، لكن أفضل رواية والتي اعتمدها الحافظ في الفتح هي رواية أبي ذر عن الكشميهني عن الفربري. الفربري هو راوي صحيح البخاري. طيب، قال: حدثني إسحاق، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد. هو الزهري، يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، من أولاد عبد الرحمن بن عوف، وكلهم علماء وفقهاء. قال يعقوب بن إبراهيم بن سعد: قال حدثنا ابن أخي ابن شهاب. ابن أخي ابن شهاب: أنا ليس ابن أخي، وإنما ابن أخي ابن أخي الزهري، محمد بن عبد الله، أو محمد بن مسلم بن عبد الله، أو محمد بن عبد الله بن مسلم، أخوه محمد بن مسلم، أو عمه الزهري محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري. وهذا ابن أخيه اسمه محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، لكن في حفظه شيء. لكن الحديث قد جاء عن الزهري عن أكثر من واحد. قال: عن عمه، وهو الزهري رحمه الله، قال: أخبرني عروة أن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي عليه الصلاة والسلام، أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية، بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال عروة: قالت عائشة: «فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد بايعتك كلامًا، ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله: قد بايعتك على ذلك». فهذا قال: تابعه يونس ومعمر وعبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، وقال إسحاق بن راشد عن الزهري عن عروة وسمره. فهذا الحديث في سبب نزول هذه الآية، والظاهر أن البخاري أراد أن يبين أن هذه الآية، أو هذه الآيات، من قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى آخر السورة. وهذه الآيات لا شك أن نزولها كان بعد الحديبية، وكانت بعد الصلح، لأنه كما جاء في سيرة ابن إسحاق — وإن كان فيها إرسال — لكن جاء أيضًا من طرق عند البيهقي في الدلائل، وكأن القصة لها أصل في الصحة. وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام لما عقد الصلح مع قريش في الحديبية، فمن هذه الشروط التي كانت في الصلح: أن من خرج من المسلمين وارتد وذهب إلى الكفار فإنه لا يرجع إلى المسلمين، ومن خرج من الكفار هاربًا إلى المسلمين فإنهم يردونه. ووافق النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الشرط. وقبل أن يعقد الكتاب جاء أبو جندل، وفي يديه الحديد، هرب من مكة. وأبو جندل هو ابن سهيل بن عمرو، وسهيل بن عمرو هو الذي كان يعقد الصلح مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلما رأى ابنه قال: «هذا أول العقد، أول العهد». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما قضينا الكتاب بعد». فقال سهيل: «والله لا أقضي معك كتابًا حتى ترجع». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم، إذن». فقال أبو جندل بن سهيل: «يا معشر المسلمين، أأرد إلى الكفار فأفتن في ديني؟» ف رقّ له كثير من الصحابة رضي الله عنهم، وأصابهم شيء من الهم والغم، أنهم كيف يرجعون رجلًا مسلمًا إلى هؤلاء الكفار. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام، الواثق بربه جل وعلا: «سيجعل الله لك فرجًا ومخرجا، سيجعل الله لك فرجًا ومخرجا». ثم لما ورد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جاء أبو بصير أيضًا إلى المدينة، وجاء ناس في طلبه، فرده، فرده إليهم. ثم أنه احتال على الرجلين الذين معه، فقال لأحدهما: «أعطني سيفك، فهذا سيف قوي، أو كذا». فقال: «نعم، قد قتلت به وقتلت». فقال: «أعطني إياه أرى حده». فلما أعطاه إياه ضربه في هامة رأسه وقتله. فهرب الثاني إلى المدينة ورأى رعبًا. فجاء أبو بصير رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «يا رسول الله، قد وفى الله عنك، أنا خلاص، الذي عقدته معه قد وفاه الله». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مسعر حرب، لو أن له أحد». قال له: «إنه مسعر حرب»، معنى الرجل صاحب حروب، لكن «لو أن له أحد» معنى يقوم معه وينصره. فعرف أبو بصير أنه سيسلمه إليهم، فخرج من المدينة وجلس في ساحل البحر قرب جدة، فكل من كان يفر من الكفار جاء إليه، وجاء أبو جندل أيضًا إلى أبي بصير، حتى تكونت جماعة، فكان إذا مرت عليهم عير لقريش أخذوها وقتلوا من فيها، حتى أن قريشًا طلبوا الصلح من النبي عليه الصلاة والسلام أن يلغي هذا القرار. المهم أن في ذلك الوقت الذي اصطلح فيه النبي صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش، جاءت بعض النساء من القرشيات، ومنهن سبيعة الأسلمية، وكذلك أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت زوجة لعمر بن العاص، فهربت إلى المدينة. جاء في طلبها الوليد وعمارة، إخوتها. فقالت: «يا رسول الله، كيف تردني إليهم وأنا امرأة لا أستطيع أن أتحمل فتنتهم؟» تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: «لو كنت رجلًا لاحتملت، لكن أنا امرأة ما أستطيع أن أتحمل فتنتهم من الضرب وغيره». فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾. واختلفوا: ما الامتحان الذي يمتحنه النبي صلى الله عليه وسلم للنساء؟ والظاهر أنه الامتحان: أنهن هربن ليس من أزواجهن فقط، وإنما هربن لأجل الإسلام. قد تهرب المرأة من أجل الهروب من زوجها فقط وليس لأمر الإسلام، فكان يمتحن في ذلك. فقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾. ممكن أيضًا أنها تكذب وتقول أنها مؤمنة بالله ورسوله وهي ليست كذلك، لكن الله عز وجل هنا قبل منهن الظاهر ووكل سرائرهن إليه سبحانه وتعالى، وهذا من كرمه جل وعلا. فالله عز وجل أمر نبيه أن يأخذ منهن الظاهر، فإذا قلن: «آمنا بالله ورسوله»، فهذا المطلوب، فيقبل منهن النبي عليه الصلاة والسلام ويكل سرائرهن إلى الله. فقال: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾. هذه الآية يُقال أنها نسخت كلامًا، معنى العهد الذي عاهد فيه النبي صلى الله عليه وسلم كفار قريش، وإنما عاهدهم في الرجال، وأما النساء فلم يعقد بينه وبينهم صلحًا. فمن أهل العلم من قال: إن هذه الآية نسخت مسألة النساء. ومن أهل العلم من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم على النساء، وإنما تكلم على الرجال، فلذلك لما جاء النساء قال: «والله لا أردهن إليكم». جاء عمارة والوليد، أبناء عقبة بن أبي معيط، لأجل أختهم، وجاء كذلك زوج سبيعة الأسلمية، وجاء كذلك أبو العاص بن الربيع بن عم النبي عليه الصلاة والسلام، وكان زوجًا لزينب بنت رسول الله، جاء لأجل زوجته، وجاء غيرهم، لكنه لم يسلم النبي عليه الصلاة والسلام أحدًا من النساء إلى الكفار. ونزلت هذه الآية: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، ﴿وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾، إن كان أعطوهن مهرًا أعطوهم إياه. فخلاصة هذه الآية أنها نزلت في هذا الباب، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءت المرأة يبايعها، يبايعها على هذه البيعة التي جاءت في القرآن. معنى الامتحان غير البيعة: أولًا يمتحنون — أو يمتحن — النساء في إيمانهن بالله، وأنهن جئن لأجل الإيمان، ثم يبايعهن النبي عليه الصلاة والسلام على ما جاء في الآية: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. فهذه كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع بها النساء. وما جاء أن هند قالت: «أتزني الحرة؟» لما قال: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾، قالت: «أتزني الحرة؟» هذه الرواية لم تثبت عن النبي، أو عن إسنادها لا يصح. وفيها أيضًا كذلك أنها قالت لما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾، قالت: «بل كبرناهم وهم صغار، وقتلتموهم وهم كبار». وهذه الكلمة لم تثبت عن هند بنت عتبة رضي الله عنها، بل جاءت مبايعة، وإسلامها كان في مكة بعد الفتح، وليس بعد الحديبية. عن هند أسلمت بعد الفتح، وليس بعد الحديبية، فالقصة هذه خطأ. والمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع النساء على هذا، ولكن ما كان يصافحهن كمصافحة الرجال، وكان يقول: «قولي لامرأة كقولي لمئة». كما قالت عائشة هنا: «ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة». يعني يبايع الرجال بالمصافحة، بالمصافحة، أما النساء فما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصافحهن. ولهذا جاء في صحيح مسلم في حديث رقيقة، أو أميمة بنت رقيقة، أنها قالت: «يا رسول الله، ألا تصافحنا؟» لما عقد النبي صلى الله عليه وسلم معهن البيعة، قالت أميمة: «ألا تصافحنا يا رسول الله؟» قال: «إني لا أصافح النساء». فهذا خلاصة ما يذكر في سبب نزول هذه الآية، أو معنى هذه الآية. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.