تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 22

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 22

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير قوله تعالى: ﴿ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا ﴾ في وصف يحيى

يشرح المقطع معنيي كلمة «حصور» الواردة في وصف النبي يحيى: الأول أنه لا يولد له لانعدام الشهوة، والثاني أنه معصوم محفوظ من الذنوب والشهوات الضارة. ويرجح الشيخ المعنى الثاني، مبيناً أن الأنبياء يملكون الشهوات لكنهم يصرفونها في الحلال لا في الحرام.

تفسير قوله تعالى: ﴿نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وسؤال زكريا

يبيّن المقطع أن وصف يحيى بـ«نبياً من الصالحين» يدل على اصطفاء الله لأنبيائه من خيار خلقه وأصلحهم قلباً. ويستعرض سؤال زكريا عن كيفية ولادة الغلام رغم كبره وعقم امرأته، مبيناً أن سؤاله ليس شكاً في قدرة الله بل ذكر للموانع الظاهرة.

قدرة الله المطلقة في خلق عيسى وآية زكريا

يؤكد المقطع أن الله قادر على كل شيء، فخلق عيسى كمثل آدم من تراب بقوله "كن فيكون". وتُعرض قصة مريم وولادتها بلا زوج، ثم دعاء زكريا لآية تطمئن قلبه، فيأمره الله بعدم الكلام ثلاثة أيام إلا رمزا مع كثرة الذكر والتسبيح.

فضل الذكر بالعشي والإبكار وسبب لإجابة الدعاء

يبيّن المقطع أن الإكثار من ذكر الله تعالى في أول النهار وآخره من أعظم أسباب استجابة الدعاء، مستدلاً بقصة زكريا عليه السلام حيث مُنع من كلام الناس وبقي لسانه رطباً بذكر الله فبُشّر بالولد. ويؤكد أن شكر النعمة يكون بالمزيد من العبادة والتسبيح في هذين الوقتين الفاضلين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. فلا نزال في تفسير الآيات من سورة آل عمران، فيما ذكره الله عز وجل في قصة آل عمران، وقفنا عند قول الله جل وعلا: ﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾. قال رحمه الله: وقوله «وسيداً وحصوراً» أي: هذا المبشر به وهو يحيى، سيد من فضلاء الرسل وكرامهم. والحصور: قيل هو الذي لا يولد له ولا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة، وهذا أليق المعنيين. وإن هناك ذكر العلماء معنيين لكلمة حصور: المعنى الأول أنه الذي لا يولد له لأنه لا شهوة له في النساء، وقيل هو الذي عصم وحفظ من الذنوب والشهوات الضارة. وهذا كما قال شيخنا أليق المعنيين، أنه حصوراً أي: عصمه الله عز وجل من الشهوات التي تضر بالإنسان، عن التي تضر في دينه، الشهوة التي تؤديه للحرام. وأما الشهوة التي تؤديه للحلال فهي موجودة، وهذا أيضاً أليق لأن الأنبياء كملهم الله عز وجل، ومن كمالهم أن تكون عندهم شهوات فيصبروا على هذه الشهوة للحرام، بمعنى لا يجعلوها في الحرام وإنما يجعلونها في الحلال الذي حل الله عز وجل لهم. قالوا: قوله «نبياً من الصالحين» أي: الذين بلغوا في الصلاح ذروته العالية، لأن الأنبياء والرسل هم أفضل الناس، واختارهم الله عز وجل لرسالته، ولا يختار الله عز وجل لرسالته إلا أفضل الناس وأصلحهم، وأيضاً أحفظهم قلباً وأصفاهم قلباً، فاختارهم الله عز وجل لرسالته كما قال الله عز وجل: ﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ﴾، يصطفيهم يختارهم، وربنا جل وعلا لا يختار إلا الأصلح، فقال لأنه أعلم بالقلوب. فقال: أي مبشراً لزكريا، وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين. قال: ﴿ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ﴾. قال: فهذان مانعان، فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك؟ مع ما ينافي ذلك من قد عرف من امرأته أنها عاقر، والعاقر هي العاقر التي لا تلد. وأيضاً قد بلغ الكبر، قد علاه الكبر وصار كبيراً، ومثله غالباً لا يكون له نسل، فلذا ذكر عارضين مما يكون في الناس والواقع أنه يمنع من الولادة. وهذا ليس معناه أن زكريا يشك في قدرة الله جل وعلا، وإنما هذا شيء واقع، مثل ما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام أيضاً ذكر هذه العلة، أو أقصد امرأة إبراهيم سارة، قالت: ﴿ أَإِلْدَ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾، قيل لها: ﴿ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾. فربنا جل وعلا حميد مجيد سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، فلذا قدم ربنا جل وعلا ولادة عيسى، وأنه خلقه جل وعلا، أو الله عز وجل ذكر أن عيسى مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون. وكذلك أيضاً ذكر بعد هذه الآيات أيضاً قصة عيسى، وهي أعجب من قصة زكريا، وقصة مريم لأنها ولدت من غير زوج، فهذا أعجب الأمرين. قال رحمه الله: قال: فهذان مانعان، فمن أي طريق يا رب يحصل لي ذلك مع ما ينافي ذلك؟ قال: ﴿ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾. فإنه كما اقتضت حكمته جريان الأمور بأسبابها المعروفة، فإنه قد يخرق ذلك لأنه الفعال لما يريد، الذي قد انقادت الأسباب لقدرته ونفذت فيها مشيئته وإرادته، فلا يتعاصى على قدرته شيء من الأسباب بل كله تحت مشيئته نافذ سبحانه جل وعلا، ولو بلغت في القوة ما بلغت. قال: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ ليحصل السرور والاستبشار، وإن كنت يا رب متيقناً، وإن كنت يا رب متيقناً ما أخبرتني به، ولكن النفس تفرح ويطمئن القلب إلى مقدمات الرحمة واللطف. قال: ﴿ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾. هذا دليل على أن الأمور يقضيها الله عز وجل لعباده إذا كانوا من أهل الذكر، إذا ذكر الله عز وجل كثيراً، فإن كانوا من الذاكرين الله فإن الله عز وجل يستجيب لدعواتهم، فلذا من أسباب إجابة الدعوة ذكر الله عز وجل كثيراً، وسبح بالعشي أي آخر النهار، والإبكار أوله، أو أقصد العكس: بالعشي هو آخر النهار والإبكار أوله، قال: أول النهار وآخره. فمنع من الكلام في هذه المدة، فكان في هذا مناسبة لحصول الولد من بين الشيخ الكبير والمرأة العاقر، وكونه لا يقدر على مخاطبة الآدميين ولسانه منطلق بذكر الله وتسبيحه آية أخرى، فحينئذ حصل له الفرح والاستبشار، وشكر الله عز وجل وأكثر من الذكر والتسبيح بالعشي والإبكار، وهذا لشكر الله عز وجل وكذلك أيضاً عبادته سبحانه وتعالى. إن شاء الله نكتفي بهذا ونقوم بدرس الله ترجمة نانسي قنقر