الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 21، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي قبول الله لمريم ونشأتها الحسنة وكفالة زكريا لها، مبيناً أن عمران والد مريم ليس موسى. ويشير إلى استجابة دعاء أمها بالاستعاذة لها ولذريتها، مستدلاً بحديث النبي ﷺ أن الشيطان ينخس كل مولود إلا مريم وابنها عيسى.
يوضح المقطع أن طعن الشيطان للإنسان لا يعني غوايته، وأن الله عصم عيسى وأمه مريم من مس الشيطان منذ الصغر. ويبين فضل مريم وقبول الله لنذر أمها، وتربيتها على يد زكريا، وتطهير قلبها مما جعلها من أكمل النساء.
يوضح المقطع أن الله وكل كفالة مريم للنبي زكريا تكريماً لها، وكان يجد عندها رزقاً هنيئاً معداً كلما دخل محرابها. ويبين أن المحراب المقصود هو مكان العبادة والخلوة، مستدلاً بقول مريم: "هو من عند الله" على استجابة دعاء أمها وتكفل الله برزقها.
يُبرز المقطع أن مريم كانت تتمتع بتوفر الطعام بشكل دائم وهو أمر نادر لم يحصل لغيرها، ويُعزى ذلك إلى بركة دعاء والدتها. ويختتم بالتأكيد على أن هذا الفهم مستمد من الآيات المذكورة والله أعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قوله جل وعلا: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. يقول رحمه الله: في قوله ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ أي: ربّيت تربية عجيبة دينية أخلاقية أدبية، كملت بها أحوالها، وصلحت بها أقوالها وأفعالها، ونما فيها كمالها. ويسّر الله لها زكريا كفيلًا، وهذا من منة الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. وهنا قوله جل وعلا: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾، هذا يدل على أن الله عز وجل استجاب لأم مريم ابنة عمران. استجاب الله عز وجل لها، ولم يأتِ ذكر اسمها، وذكر بعض الأسماء لها فيما يذكر عن بني إسرائيل: أي أم مريم وهي امرأة عمران. وعمران كما قلنا هو والد مريم، لا كما قال بعضهم أنه والد موسى وهارون، ليس كذلك، وإنما هو والد مريم: مريم بنت عمران وزوجته. وعمران كان رجلًا صالحًا وكذلك امرأته، فاستجاب الله عز وجل لها. وكذلك أيضًا استجاب الله عز وجل لها في قولها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. ومما يدل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم في حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما من مولود يولد إلا وينخس الشيطان في بطنه إلا مريم وابنها»، إلا مريم وابنها. وهذا من استجابة الرب جل وعلا لدعوة أم مريم، فإن كل إنسان يولد يأتي الشيطان وينخسه إلا عيسى، أو إلا مريم وابنها. قيل: إلا مريم وابنها، بمعنى أن مريم لما ولدت عيسى، لأن دعاء هذه المرأة الصالحة إنما كان بعد وضع مريم، بعدما وضعت مريم قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، فدل على أن مريم لم تكن في الدعوة، أو لم تدعُ هذه المرأة من قبل بهذه الاستعاذة. وقيل: لعل أيضًا أنها كانت تدعو بهذا الدعاء قبل ولادتها، حتى يجمع بين الحديث واستجابة الدعوة. ووجهه بعض العلم إلى هذا: إلى أن مريم لما ولدت عيسى، فإن الشيطان لم ينخس، وإنما نخس الحجاب، كما جاء في رواية البخاري: «إنما أراد أن ينخس فنخس الحجاب»، أراد أن ينخس ويطعن عيسى بن مريم في بطنه، فطعن حجابًا جعل الله عز وجل بينه وبين عيسى حجابًا. وهل معنى ذلك أن نخس الشيطان أي أذيته وإغواءه؟ لا، وإنما هو تسلط الشيطان على بني آدم من أول ما يخلقه الله، فأول ما يخلقه الله ينخسه الشيطان، يريد أنه يعلم بني آدم أنه متسلط عليه من أول ما يولد. وهذا من حقد الشيطان وخبثه، فهو يؤذي بني آدم من أول خروجه إلى الدنيا فيطعنه. وهذا الطعن لا يدل على أنه سيغويه أو أنه سيؤذيه، لقد يكون رجلًا صالحًا. ولهذا يدخل أيضًا حتى الأنبياء في هذا الباب، وهم أهل صفوة الله عز وجل، معنى صفوة الله عز وجل من خلقه أولئك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فلذلك فطعن الشيطان لا يدل على استيلاء أو أنه يغوي هذا الذي طعنه، لكن من كرامة الله لعيسى بن مريم وأمه أنه لم يجعل الشيطان حتى يتسلط عليه في طعنه، أعاذه من الشيطان حتى وهو صغير. أنا الآن الشيطان تجد أنه ينخس الطفل إذا ولد، وغالبًا يصيح الطفل، فصياحه من هذا. لكن الله عز وجل ميز عيسى بن مريم وأمه على أن لم يحصل شيء من هذا، بل أراد أن يطعن، أي هذا الشيطان، في بطن عيسى، فطعن في الحجاب، أن الله عز وجل جعل حجابًا بينه بين الشيطان وبين عيسى بن مريم، فلم يستطع أن يطعن في بطنه. وهذا من باب الاستجابة لهذه المرأة الصالحة: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾. أن أولًا تقبلها ربنا جل وعلا على ما ذكرته هذه المرأة، معنى هذه امرأة عمران: هو أن تكون هذه مريم تخدم المسجد الحرام، ونذرت هذه المرأة أن تكون ابنتها تخدمها، معنى تكون خادمة لبيت العبادة، خادمة لبيت العبادة. ولأن هذه المرأة كانت نيتها حسنة، أعطاها الله عز وجل أعظم مما طلبت، فكانت مريم من طفولتها وهي على الطاعة وعلى كمال الخلق. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لم يكمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع»، وذكر منهن مريم بنت عمران عليه السلام. وأيضًا قال الله عز وجل، قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله جل وعلا: ﴿وَطَهَّرَكِ﴾، ليس المراد أنها لا تحيض كما يقول بعض من ذكر بعض الإسرائيليات، وجاء في حديث موضوع أن مريم بنت عمران وفاطمة بنت محمد لا يحيضان، وهذا كلام باطل، ولم يأتِ شيء يدل على ذلك. وأما طهرتها فلا يدل على أنها طهرها أي أنها لا تحيض، وإنما طهر قلبها، طهر قلبها فجعلها من الطاهرات العفيفات اللاتي ردن وجه الله جل وعلا. فقوله جل وعلا: ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾، أي: ربّاها تربية عجيبة في عبادتها وفي أخلاقها، فكمل الله عز وجل أحوالها. قال: ويسّر الله لها زكريا كفيلًا، أنا بعد ما مات والدها وكذلك والدتها، كفلها الله عز وجل زكريا. ويقال أن خالتها كانت عند زكريا، ويقال أنها أختها، لكن قول أكثر أهل العلم أنها خالتها. والنبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر عيسى بن مريم ويحيى قال: «أبناء الخالة»، أبناء الخالة، ولا يلزم أن يكون أبناء خالة مباشرة، لا يلزم أن تكون أم يحيى وأم عيسى أخوات، ممكن حتى تكون خالتها، وخالة الأم تعتبر خالة للابن، خالة الأم تعتبر خالة للابن، فلذلك فهي عند خالتها. زكريا كان زوج خالتها، وكان زكريا نبيًا من أنبياء الله، فهو رسول من رسله، فلذلك جعل كفالتها ربنا سبحانه وتعالى عند زكريا. قال: وهذا من منة الله على العبد أن يجعل من يتولى تربيته من الكاملين المصلحين. قال: ثم إن الله تعالى أكرم مريم وزكريا حيث يسر لمريم من الرزق الحاصل بلا كد ولا تعب، أنه كان زكريا هو الذي يتولى تربية مريم وكذلك نفقتها، لكن الله عز وجل أسقط هذا العِبء على زكريا عليه السلام، فكان يرزق مريم برزق. وهذا الرزق الله أعلم ما هو، لكن غالبًا والمتبادر أنه طعام. كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا. وأما قول كثير من المفسرين أنه يجد فاكهة الشتاء في الصيف ويجد فاكهة الصيف في الشتاء، فهذا لا دليل عليه، وهو من الإسرائيليات، والله أعلم. لكن نحن نقول كما قال الحافظ ابن كثير وغيره: نقول أنه رزق. ولهذا قال هنا العلامة السعدي: «وجد عندها رزقًا هنيئًا معدًّا»، وجد عندها رزقًا يؤكل وهو طعام. وأما ما هو الرزق هذا، هل هو فاكهة أو هل هو من الحبوب أو من غيره، الله أعلم، لكنه رزق، والمتبادر كما قلنا من الآية أنه رزق يؤكل. فلذلك كلما دخل عليها زكريا المحراب، قال: وهو محل العبادة، وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها، وملازمتها لمحرابها. المحراب هو صدر المجلس، مقدمة المجلس، وليس المراد بهذا الطاق الذي يوضع في المساجد، فهذا ليس محرابًا، وإنما هو طاق يسمونه طاقًا، هذا الذي يكون مدورًا في مقدمة المسجد، بعضهم يقول هذا المحراب، ويستدل بهذه الآية، وهذا ليس صحيحًا. المحراب هو مكان يكون صدر المجلس أو أفضل المكان الذي يكون يجلس فيه ويجعل للعبادة والطاعة فيسمى محرابًا، وليس المراد بهذا الطاق هذا. وأما الطاق هذا فكان بعض السلف ينكره، كما جاء عن إبراهيم النخعي وغيره أنه قال: بدعة، قال: الطاق بدعة. أنا الطاق هذا المحراب المدور، أنا ما كان يفعل في المساجد. وقال أيضًا: جاء عن بعض السلف أنه من محاريب اليهود والنصارى، أنا قال: هذا محراب اليهود والنصارى، أي الطاق. فلذلك ليس ما كان عند أهل الإسلام، لكن بعد ذلك فعل في بعض المساجد أو في المساجد، وإلا الأصل أنه لم يكن معروفًا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ولا في عهد الصحابة، وإنما أحدث بعد ذلك. قال: كلما دخل عليها زكريا المحراب، هو محل العبادة، وفيه إشارة إلى كثرة صلاتها وملازمتها لمحرابها. قال: وجد عندها رزقًا، قال: هنيئًا معدًّا. قال: «يا مريم أنى لك هذا؟» قالت: «هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب». هذا يدل على أن الله عز وجل استجاب لامرأة عمران أيضًا، وأنه تكفل بهذه المرأة الصالحة حتى أن الله عز وجل يرزقها، يأتي لها بالرزق والطعام. وهذا لعله لم يحصل لغيرها، وإن كان الله عز وجل قد يسر لعباده بعض الطعام في بعض الأحوال، لكن معنى دائمًا يكون عندها طعام فهو لم يحصل إلا لهذه المرأة، وهذا من بركة دعاء والدتها. فهذا إن شاء الله تعالى ما يؤخذ من هذه الآيات، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر